2026-09-14 11:42 م

تخصيب الأزمات

2013-04-09
بقلم: سليمان تقي الدين
لم تنجح مفاوضات إيران مع دول 5 + 1 وتعليق التخصيب النووي مقابل التخفيف التدريجي للعقوبات الاقتصادية. الطرفان يربحان الوقت. إيران للتقدم في التخصيب والدول الكبرى للضغط بالحصار الاقتصادي. على المدى البعيد إيران دولة نووية مزعجة في أية حسابات استراتيجية. لكنها تعاني نتائج سباق التسلح والتكنولوجيا، المزيد من المشكلات الاجتماعية. الدول الكبرى لا تستطيع عزل إيران في أي نظام إقليمي أو مواجهتها عسكرياً ولكنها قادرة على استثمار تناقضاتها الداخلية. 
يكرّر العالم التجارب نفسها في هدر الثروات الهائلة على التسلّح لضمان شكل من أشكال توازن القوى، ويضاعف من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ومن الاختلالات الكبرى في التنمية، ومن العدوان على البيئة وعلى الثروات الطبيعية. فالسلاح النووي لدول العالم الثالث، في كوريا أو الهند أو باكستان أو غيرها، لم يجعل من هذا السياج مقدمة لاختيار طريق تنموي كفيل برفع مستوى الحياة الإنسانية... فهل هو خيار حتمي أم أنه جزء من آلية المنافسة الدولية للحفاظ على الفجوة الهائلة بين مستويات تطور الشعوب على حساب تطوير نموذج اقتصادي إنساني آخر؟ راكمت الإمبريالية الثروات في سياق التجربة الاستعمارية وتستخدم بعض هذه الثروات لتجديد الوظيفة نفسها. لكن الشعوب والدول الأخرى ضحّت بالكثير من حقوق شعوبها، ولأجيال عدة، من أجل تقليد هذا النموذج الإمبريالي. 
ففي أساس انهيار المعسكر الاشتراكي إلى جانب الكثير من المشكلات، مشكلة سباق التسلح الذي فرض آلية تسويق دولية مشابهة لآلية الرأسمالية العالمية، ونازعة هي الأخرى لتغذية الحروب. لكن معظم الحروب التحررية انتصرت بأسلحة بسيطة وبدائية وابتكارات شعبية، كان الإنسان هو الأكثر فاعلية فيها. 
فلو أن العالم العربي انتهج سياسة تنموية عادلة وأقام حكومات رشيدة صالحة بمداه الواسع أو داخل دوله القطرية، خاصة تلك الغنية بالثروات، لما أورثنا هذا المستوى من التخلف، أي التأخر عن مستوى حياة العصر. ولما كنا اليوم نرفع الغطاء عن أوضاع مجتمعات منشغلة بل منحدرة إلى هذا القعر المنخفض في التعامل بين مكوّناتها. أليس مدهشاً أن تكون مصر بعد محمد علي باشا وجمال عبد الناصر في أزمة طائفية، والعراق وسوريا مصدرتا الفكر القومي العربي في أزمات طائفية. وأن تكون الممالك والإمارات العائمة على أعظم ثروات العالم تعاني ما تعانيه من فوارق اجتماعية وطائفية وتجمع مظاهر البذخ إلى ثقافة الجاهلية؟ 
إن على شعوب المنطقة التي انتفضت على الظلم أن تضغط على حكوماتها للحد من التدخل الأجنبي الذي تحوّل إلى انتداب ووصاية كاملة. كان من المؤمل أن يكون هذا الدور لمصر بمجموع قوى ثورتها، ما صار في السلطة وما بقي في المعارضة، لأن موقع مصر وثقلها التاريخي يؤهلانها لذلك. ولا يزال ممكناً تفعيل ما سمّي المبادرة الرباعية (مصر، السعودية، إيران، تركيا) بحثاً عن أسس لنظام إقليمي متعاون في سبيل خلق أجواء مناهضة لمشروع «يالطا» جديدة تتوج حالة التفكك والتشرذم بين الدول وداخل الدول نفسها. وبالفعل ليس مفهوماً حال القطيعة العربية مع إيران في حين تتصدر التفاوض عن المنطقة كلها. وحال الانكماش الإيراني عن تنشيط الحوار مع مصر وتركيا والسعودية طبعاً حول مصير المنطقة كلها بينما انفلاش الأزمات يصيبها عاجلاً أم آجلاً في الداخل، إن بسبب الحصار الاقتصادي والاستنزاف الحربي وإن بسبب إعادة رسم خرائط الدول، بدءاً من المسألة الكردية وانتهاءً بالفرز الشيعي السني، مروراً بالتوترات بين العرب وغير العرب وبين المسلمين وغير المسلمين. ففي السياق الراهن للصراعات ستكون المصالح الراجحة للقوى الدولية الكبرى حتى لو حازت الدول الإقليمية بعض مواقع النفوذ. فكأننا نكرر تجربة انهيار الإمبراطورية العثمانية بتناقض نزعتي التتريك والتعريب المستقوي بالتدخل الغربي. لقد صارت المنطقة كلها اليوم في إنهاك شديد بغير استثناء لأي دولة فيها. فلا أقل من أن تسعى دولها إلى حوار هو أقرب وأهم وأفعل من انتظار وفاق الدول الكبرى أو وفاق أطراف الحروب الأهلية المتدحرجة من بلد إلى آخر ولن ينجو منها أحد.