بقلم: عمر العمر
فوز القوى الفلسطينية بـ19 مقعداً داخل الكنيست محطّة تاريخية في سياق الصراع العربي الإسرائيلي، فبغض النظر عن بلوغ ائتلاف حكومي أو شراكة نيابية أو مواجهة عزلة برلمانية، للفوز دلالات جيوسياسية داخل الصراع الفلسطيني المفتوح عبر الزمن مع الاحتلال، فأينما انتهى مصير النواب العرب، الثابت من المناورات الإسرائيلية أكذوبة الادّعاءات الصهيونية، فاسرائيل لا تزال وقد تخطت 80 حولاً تفتقر إلى مقومات الدولة، فمثلما هي كيان بلا حدود مؤطِرة هي كذلك أكذوبة ديمقراطية بلا دستور. كذلك تزعم التجانس بينما هي هجين من لاجئين مستجلبين من الشرق والغرب تنهشها التباينات والخوف. لذلك تتسلح بالقوة حد إشهار العدوان عند كل شك بخطر. ديمقراطيتها مُفترى بها، إذ هي ليست فقط وقفاً على اليهود، بل على المتطرّفين منهم. هي جرثومة مغروسة في جسد عليل ربما، لكنه لن يموت حتماً. هذه أبرز مؤشّرات ربح المقاعد التسعة عشر. لعله مكسب تنعكس إشعاعاته على مسارات النضال العربي في الداخل والخارج.
***
حزمة المقاعد الـ19 محطّة ربح فلسطينية فارقة في معارك النضال في مسلسل الحروب المفتوحة، من حرب 1948 فنكسة 1967 ثم حرب 1973 فغزو لبنان 1982 ثم في 2006. هي محطّة انتصار على مسلسل المذابح الوحشية بدءاً من دير ياسين، مرورا ببحر البقر وأبي زعبل، ثم قانا، حتى الإبادة في غزّة. هي في الوقت نفسه محطّة للصمود ضد كل ممارسات التهجير القسري والنفي الجماعي وعمليات لتصفية الجسدية والاغتيالات الممنهجة ضمن ممارسات كبح الضغط الفلسطيني الديموغرافي في إطار سياسات الفصل العنصري ضد الفلسطينيين عامة. كما أن الجدل الإسرائيلي المثار في شأن تفريغ البرلمانيين العرب من ثقلهم السياسي ليس سوى حلقة في سلسلة الإنكار الصهيوني لحقوق الإنسان العربي في الوطن والمواطنة. هي محطّة كاشفة للعقلية الإسرائيلية الرافضة خيارات التعايش والسلم الاجتماعي والمكرّسة لثقافة الكراهية، فرض الشروط والإملاءات وانتزاع التنازلات.
***
الكسب البرلماني الفلسطيني نداء مباغت لإيقاظ الوحدة الفلسطينية. إنه مفاجأة باغتت أولاً المجتمع الإسرائيلي بأسره، والدولة خصوصاً، إذ أفاق الكيان الوحش على حقيقة أنه لم يتخلص بعد الإفراط في العنف من ألم الأقلية العربية. هو صيحة فلسطينية ضد الاستسلام لخدر الوهم على كل الوسائد في المنطقة. هو ليس بقوة الانتفاضة الأولى عام 1988 لكنه يحمل جذوة التحريض على أهمية التوافق الوطني وحتميته، فهو استنفار ساخن للفصائل الفلسطينية، بغية تجاوز حالة التشقّق المنهكة لقواها وصولاً إلى حلم دولة وطنية تتمتّع بمقومات السيادة والحياة. يتجاوز هذا الربح قاعة الكنيست إلى فضاء النضال السياسي على امتداد خريطة الوطن العربي، إذ يؤكد أن الروح الوطنية قد ينهكها القمع والتواطؤ، لكنها لا تخبو بالتقادم.
يمثل هذا الفوز الفلسطيني الفارق محاولة جريئة لكسر مثلث التوحش الإسرائيلي المتجسّد في الاحتلال والتمييز العنصري والعدوان. فرض هذا المثلث المسألة الفلسطينية قضيةً مركزيةً على أجندة الشعوب العربية. في المقابل، ظلت إسرائيل تشحّم هذا المثلث بمزيد من التوحش وكثير من العدوان. فتحت مظلة الدفاع الوجودي عبرت إسرائيل حدودها الوهمية من فوق حافة البحر حتى ما بين النهرين. بما أن الصراع لم يعد فقط إسرائيلياً فلسطينياً انداح العدوان وتداعياته على رقعة العالم العربي. من غير الممكن تبرئة إسرائيل من أزمات لبنان، العراق، السودان، اليمن وإيران، من الأصابع الإسرائيلية، بل أحيانا نيرانها. استناداً إلى طبيعته، لجأ الكيان العدواني إلى الاعتياش على تفجير الأزمات، ورفض جهوداً إقليميّة ودولية للتعايش، فإسرائيل وحش استيطاني يتغذّى من عقيدة صهيونية ثوابتها الأطماع والتوسع. لذلك يقرع فوز البرلمانيين العرب أجراس اليقظة على حتمية العيش السلمي المشترك.
***
شَرَهُ إسرائيل المفتوح لابتلاع الممكن من الأرض العربية غيّب عن عقليتها استثمار فرص التسوية السلمية في المنطقة. هكذا تسلحت بشروطها وإملاءاتها عند مدريد وكامب ديفيد مروراً بأوسلو ووادي عربة وما تلاها من محطات للتفاوض، فهي لم تكسر ألبتة دائرة إعادة التفاوض على ما تناولته المفاوضات السابقة. ليس لأن الأطماع فقط أكبر من الأمنيات، بل لأن موازين القوى بأثقالها المتباينة ليست في صالح الجانب العربي. لعل التشقق داخل الكتلة الفلسطينية أبرز تلك الاختلالات. ربما يحرّض فوز "عرب الداخل" البرلماني الفلسطينيين على إعادة رصّ صفوف الوحدة بغية انتزاع حقوقهم، فمثلما الصراع لا يزال مفتوحاً، لا تزال خيارات النضال هي الأخرى أكثر انفتاحاً على صيغ العمل الموحد. الكسب العربي البرلماني يؤكد قدرة المؤمنين بعدالة القضية في إثبات قدرتهم على البقاء في وجه كل عواصف الفناء. هذا الفوز، بغض النظر عن حجمه، بمثابة إلقاء حجر في بركة ساكنة.
***
يؤشّر الكسب البرلماني إلى إمكانية تحقيق إنجاز وطني باهر من دون اللجوء إلى العنف. هذه خلاصة على المتطرّفين من الجانبين استيعابها. كما أن على من أفنوا أعمارهم في التناحر وعلى طاولات المناورات الوحدة أولاً، ولو اقتضى الأمر تقديم تنازلاتٍ على دروب الانتصار.

