قليلاً ما شهدت الحياة السياسيّة الأميركيّة زلزالاً بوزن نتائج الانتخابات النصفيّة الأميركيّة، وتحديداً لجهة الانقلاب الكبير في موازين القوى داخل مجلسيّ النوّاب والشيوخ. ورغم حضور الاعتبارات الاقتصاديّة دائماً لدى الناخبين، في هذا النوع من الاستحقاقات، كانت المسألة المرتبطة بكلفة المعيشة -هذه المرّة- العامل الحاسم الذي حدّد نتائج الاستفتاء. بل وذهبت بعض استطلاعات الرأي إلى اعتبار الغلاء والتضخّم المتغيّر الأوّل بالنسبة لأكثر من 89 بالمئة من الناخبين. وبهذا المعنى، كانت الانتخابات "مُحاكمة" شعبيّة للنتائج الاقتصاديّة لسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أكثر مما كانت استفتاءً على الهويّة أو البرامج الحزبيّة. ففي نهاية المطاف، لم يطرح الديمقراطيون -أصحاب النصر الكاسح- أكثر من تصحيح عثرات الإدارة الأميركيّة الحاليّة
توازن القوى الجديد
كانت الأبعاد الاقتصاديّة، التي أثّرت على النتائج، واضحة للغاية. غير أن البحث عن آثار هذا الزلزال السياسي على اقتصاد الولايات المتحدة، وتالياً على الاقتصاد العالمي، يحتاج إلى المزيد من البحث والتدقيق. فمن ناحية، حقّق الديمقراطيون سيطرة تسمح لهم بالتأثير على مسارات ماليّة ونقديّة تتسم بحساسيّة استثنائيّة، من قبيل تثبيت أعضاء الاحتياطي الفيدرالي، وخوض معركة التمويل الفيدرالي المقبلة وسقف الدين العام.
لكن في المقابل، سيظل ترامب ممسكاً بحق النقض، ما يحصر قدرة الديمقراطيين التشريعيّة ضمن حدود ضيّقة. كما يحتفظ ترامب بسلاحه الأقوى، أي الرسوم الجمركيّة التي أعاد تثبيتها استناداً إلى المادّة 301 من قانون التجارة، ما يعفيه من المرور بالكونغرس لفرض هذه الرسوم. وبذلك، سترتسم خلال المرحلة المقبلة معادلة قوامها سلطة تنفيذيّة تمسك بالرسوم، وسلطة تشريعيّة تمسك بالتمويل والتعيينات.
معركة الرسوم الجمركيّة
قد يتوقّع المرء أن تكون منظومة الرسوم الجمركيّة، التي بناها ترامب، أوّل ما سيتغيّر بعد الانتخابات الأخيرة. ففي نهاية الأمر، أكثر من ثلثي الأميركيين يرون أن الرسوم الجمركيّة أضرّت بالاقتصاد، وفقاً لاستطلاعات الرأي، كما باتت شرائح واسعة من المجتمع الأميركي تدرك العلاقة ما بين هذه الرسوم (والحروب التجاريّة المتبادلة مع الدول الأخرى) وارتفاع الأسعار في السوق.
غير أنّ التغيير هنا لن يكون بهذه السهولة. ففي 20 شباط الماضي قضت المحكمة العليا الأميركيّة -بأغلبيّة ستّة أصوات مقابل ثلاثة- بإلغاء الرسوم التي فرضها ترامب استناداً إلى قانون الصلاحيات الاقتصاديّة الطارئة، على اعتبار أن هذا القانون لا يمنحه حق تخطّي الكونغرس. غير أنّ الإدارة الأميركيّة عادت وبنت منظومة الرسوم الجمركيّة الدائمة بالاستناد إلى المادّة 301 من قانون التجارة، حيث باتت تغطّي هذه الرسوم حالياً ستّين اقتصاداً تمثّل 99.4 بالمئة من الواردات الأميركيّة.
في المقابل، قد تحاول الأغلبيّة الديمقراطيّة في مجلسيّ الشيوخ والنوّاب تمرير قرارات تشريعيّة تحد من الصلاحيّات التي يستند إليها ترامب، لفرض هذه الرسوم. لكنّ هذه القرارات ستصطدم سريعاً بالفيتو الرئاسي، ولن يكون بإمكان الأغلبيّة الديمقراطيّة تجاوز هذا الفيتو لاحقاً إلا بأصوات الثلثين.
وفي الوقت نفسه، ثمّة معضلة ماليّة تحول دون الإبطال السريع والتام لكل الرسوم الجمركيّة التي فرضها البيت الأبيض. فضمن التوازنات الماليّة الداخليّة، باتت هذه الرسوم توفّر أكثر من 4 بالمئة من الإيرادات العامّة الفيدراليّة، وهي نسبة لا يُستهان بها في موازنة يقارب عجزها الـ2 ترليون دولار أميركي. وبهذا الشكل، سيجد الديمقراطيون أنفسهم أمام معضلة هدفين متعارضين: خفض الأسعار عبر محاولة إلغاء الرسوم الجمركيّة، والحرص على عدم توسعة العجز الذي تراقبة الأسواق بحذر شديد.
الموازنة والدين العام
السلاح الأهم بيد الأغلبيّة الديمقراطيّة، سيرتبط تحديداً بملفّات الماليّة العامّة والدين الحكومي. فالتمويل الفيدرالي، المُقر أساساً، ينتهي في 11 كانون الأوّل المقبل. وما زال العمل التشريعي في الكونغرس بعيداً عن إنجاز موازنة العام المقبل. وعلى هذا الأساس، وبحلول كانون الأوّل، سيكون أمام الكونغرس ثلاث خيارات: إما إقرار حزمة ماليّة شاملة، أو تمويل محدود لغاية أوائل المقبل، أو قطع التمويل عن بعض الوكالات. وبيد الديمقراطيين، حتّى قبل دخول الأعضاء المنتخبين الكونغرس، القدرة على تعطيل التمويل، بانتظار انتزاع الأغلبيّة بعد دخول الأعضاء الجدد مجلسيّ النوّاب والشيوخ.
وهنا، من المتوقّع أن يستخدم الديمقراطيون المفاوضات حول التمويل الفيدرالي وسقف الدين العام لانتزاع تنازلات من البيت الأبيض، في ملفّات الرسوم الجمركيّة والإنفاق العام. بل وسيكون بإمكانهم كذلك الضغط في ملفّات ترتبط بالسياسة الخارجيّة، عبر تعطيل طلبات التمويل الإضافي، المرتبطة بالحرب على إيران. ومن البديهي أن يكون التعطيل هنا مكسباً مزدوجاً، لكونه يتلاقى مع الأهداف السياسيّة للحزب الديمقراطي، كما يحظى بشعبيّة في الشارع الأميركي الناقم على تداعيات الحرب الاقتصاديّة. بل من الواضح أيضاً أن تعطيلاً من هذا النوع سيتقاطع مع أهداف الحد من تنامي الدين العام الأميركي، الذي يثير حالياً قلق الأسواق الماليّة.
ما جرى عملياً هو "انقسام واشنطن"، ما يعني أن البيت الأبيض هو بيد حزب، والكونغرس بمجلسيه بات بيد خصه. وفي النتيجة، تصبح التشريعات الكبرى متعثرة باتجاهين: فالرئيس يملك الفيتو، والمعارضة تملك التمويل والتعيينات، ولا أحد يملك الأغلبيّة اللازمة لتجاوز الفيتو. وهذا بالضبط ما قد يطمئن الأسواق، التي تكره المفاجآت أكثر مما تكره القيود. وحين يعجز الكونغرس عن تمرير حزم الإنفاق، أو التخفيضات الضريبيّة الكبرى، تتراجع احتمالات اتّساع العجز، ما يخفّف بدوره الضغط على أسعار السندات الحكوميّة. وهذا ما يفسّر التفاعل الإيجابي للأسواق، بعدما هبطت عوائد سندات الخزانة الأميركيّة، التي تعبّر عن مستوى المخاطر التي تترقبها الأسواق.
المصدر: المدن | علي نور الدين

