2026-10-30 09:07 م

انتخابات إسرائيل.. الخسارة وتعميق المأزق

2026-10-30

بقلم: حلمي موسى
ظهرت النتائج شبه النهائية للانتخابات الإسرائيلية لتظهر خسارة الجميع تقريباً، ما عدا الصوت العربي الذي فاق التوقعات. وعلى الرغم من مسارعة القوتين الأكبر في المعسكرين الموالي لبنيامين نتنياهو والمعارض له إلى إطلاق صيحات النصر، إلا أن الوجوه كانت في الغالب مكفهرة. فالنتيجة التي أظهرت تفوق معسكر نتنياهو على معسكر خصمه، لم تقلل من حجم الإحساس بالخسارة. فرئيس معسكر كان يملك ما يقرب من 68 مقعداً ويقود حكومة قادرة على تمرير أي قرار تريده، صار يتباهى بأن معسكره يملك 55 أو 56 مقعداً لا تمكنه من تشكيل حكومة تنال الثقة. كما أن المعسكر المضاد لنتنياهو كان قد كبّل نفسه بقرار عدم التحالف مع العرب أو الاستناد إلى أصواتهم، وهذا ما قاد إلى صك تعابير مثل "الأكثرية اليهودية" و"الأكثرية الصهيونية" وما خلق انقلاباً في المفاهيم تُظهر مدى الالتزام بها ومعانيها الحقيقية.

ائتلاف نتنياهو السابق استند بشكل ساسي على "الليكود" بصيغته القومية الفاشية متحالفاً مع الصهيونية الدينية العنصرية ممثلة بحزبي بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، ومؤتلفاً مع الحريديم من "شاس" و"يهدوت هتوراه". ومن الشائع في الأدبيات الإسرائيلية أن الحريديم لا يُعتبرون من أنصار الصهيونية لذلك ساد استخدام الأغلبية اليهودية. ولكن في المعسكر المقابل، والذي هو بأغلبيته الساحقة من اليمين، سواء القومي أو الليبرالي، صكوا تعبير الأغلبية الصهيونية مركزين في الأساس على قانون الخدمة العسكرية. وكان أحد الخلافات الجوهرية بين المعسكرين يتركز حول قانون تجنيد طلاب المدارس الدينية الحريدية للخدمة العسكرية. 

وعلى الرغم من أن قضايا مثل السلام مع الفلسطينيين والعرب لم تلعب دورا مركزيا في الانتخابات الإسرائيلية، إلا أن طول فترة الحرب ومترتباتها الاقتصادية والدولية أظهرت نوعاً من الفوارق بين المعسكرين. ولم ترقَ هذه الفوارق أبداً إلى مستوى جوهري وبقيت في إطار الأسلوب أكثر من الرؤية نفسها. فنظرية الحرب الدائمة في نظر الجميع أقرب إلى تطور طبيعي للرؤية العسكرية التي رأت أن منهج الاحتواء والتروي يزيد من المخاطر، لذلك لا مجال سوى لتدمير المخاطر أثناء تبلورها. وتكفي هنا الإشارة إلى أن زعيم المعسكر المناهض لنتنياهو، الجنرال غادي آيزنكوت، هو من وضع نظرية "عقيدة الضاحية" التي نُفذّت في حرب تموز 2006 ضد لبنان. وتقضي هذه النظرية بأنه مقابل كل صاروخ يطلق على إسرائيل ستدمر إسرائيل مجمعات سكنية وأبراج في بيروت.

كما لا تظهر فوارق أساسية بين معسكر نتنياهو ومعارضيه تجاه الفلسطينيين. فمنهج الاستيطان الزاحف الذي يجرد الفلسطينيين تدريجياً من أراضيهم ويمنعهم من ممارسة حقهم الوطني على أرضهم، لا خلاف عليه بينهم. وإذا كان هناك خلاف شكلي حول الترحيل والتهجير فإنه يدور حول توفر الظروف وعدمها أكثر مما يدور حول شرعية ذلك من عدمه. وهكذا فإن المعسكرين يحملان، إجمالاً، الجينات نفسها بصرف النظر عن المسميات.

 

المعضلة

تظهر المعضلة الاساسية في أن فوز "الليكود" بلقب الحزب الأكبر كان في الأصل على حساب حلفائه الأساسيين. فـَ "الليكود" نال في الانتخابات السابقة 32 مقعداً من دون حساب كتلة جدعون ساعر الذي انضم لاحقاً. كما فازت الصهيونية الدينية التي كانت تضم حزبي سموتريتش وبن غفير بـِ 14 مقعداً. كذلك فإن "شاس" فازت حينها بـِ 12 مقعداً وكذا حال الحريديم الذين فازوا بـِ 7 مقاعد. وهكذا فإن الليكود وفق آخر النتائج فاز بـِ 28 مقعداً، فيما نال حزبا سموتريتش وبن غفير مجتمعين 13 مقعداً، وفازت "شاس" بـِ 7 والحريديم بـِ 7 أخرى. 

وهكذا بحساب بسيط خسر معسكر نتنياهو ما لا يقل عن عشرة مقاعد. ولكن المعسكر المقابل ليس في وضع أفضل. فالنتائج الأولية تمنح حزب "يشار" بزعامة آيزنكوت وهو حزب جديد، 21 مقعداً. كما أن تحالف "يش عتيد" مع نفتالي بينت والذي كان يملك ما يقرب من 30 مقعداً في الانتخابات السابقة، لم يحصل هذه المرة سوى على 11 مقعداً. وفي المقابل فاز حزب الديمقراطيين بـ8 مقاعد، على الرغم من أنه في الانتخابات السابقة لم ينَل تحت اسم حزب "العمل"، سوى 4 مقاعد فقط. 

لكن المعسكرين الخاسرين يدّعيان القدرة على تشكيل الحكومة الجديدة أو منع كل منهما للآخر من تشكيل هذه الحكومة، وهو ما يعني شلّ العمل الحكومي. وطبيعي أنه لا يمكن تحقيق اختراق في هذا الأمر إلا عبر القفز عن التقسيم الحالي والعمل وفق واحد من السيناريوهات المتوقعة التالية:

أول هذه السيناريوهات، تحقيق رغبة الرئيس الإسرائيلي اسحاق هرتسوغ بتشكيل حكومة وحدة وطنية لتجنب خوض معركة انتخابية أخرى في هذه الظروف. ومثل هذه الوحدة ممكنة فقط إذا تخلى الشركاء فيها عن وعود وتعهدات سبق وأطلقوها، خصوصا عدم المشاركة في حكومة يرأسها نتنياهو. ويبدو، وفق هذا السيناريو، خصوصاً بعد أن فاز حزب نتنياهو بلقب الحزب الأكبر، أن على كل من آيزنكوت وليبرمان وبينيت ابتلاع ألسنتهم والتوافق مع نتنياهو وبشروطه. لأن البديل لذلك هو السيناريوهين التاليين وهما ليسا أقل سوءاً في نظرهما.

السيناريو الثاني، هو سعي آيزنكوت لتشكيل حكومة أقلية تستند إلى تحالفه مع ليبرمان وبينيت والديمقراطيين وتحظى بدعم عربي من الخارج. وهنا يمكن أن يصطدم هذا الخيار بكسر تعهد ليبرمان بعدم المشاركة في حكومة أقلية تحظى بدعم عربي. وإذا حدث ذلك فإن آيزنكوت قد يحاول كسب تأييد "شاس" والحريديم بمشروع قانون تجنيد مقبول عندهم، خصوصاً أنهم ليسوا مبدئياً ضد المشاركة العربية. وإذا حدث ذلك فإن هذا يعوض عن خسارة تأييد ليبرمان. لكن مثل هذا الخيار قد يدفع ليبرمان للعودة إلى التحالف مع "الليكود" وخلط أوراق اللعبة من جديد.

أما السيناريو الثالث، فهو الاضطرار لإعادة الانتخابات كما سبق وحدث في الماضي، لكسر صيغة التعادل القائمة. ومثل هذا السيناريو مرغوب من جانب نتنياهو الذي سيبقى رئيساً لحكومة انتقالية ويستغل الزخم الذي ناله ليعزز مكانته داخل المعسكر اليميني بعد أن يُحبط خصومه. ولا يبدو أن أيا من الأحزاب المعارضة لنتنياهو ترحب بمثل هذا الخيار، لأنها لن تكون قادرة مرة أخرى على حشد جمهورها بعد أن أوصلت نسبة التصويت إلى أعلى مستوياتها.

ليس مستبعداً، خصوصاً في الحلبة الإسرائيلية التي تعرف أنه في السياسة ليست هناك عداوات دائمة ولا صداقات دائمة وإنما مصالح مشتركة، أن يتطور سيناريو يتمثل بتحطيم معسكر آيزنكوت من داخله. وهذا يعني نجاح نتنياهو في واحد من اثنين: كسب عدد من أعضاء الكنيست ممن فازوا ضمن كتلة آيزنكوت أو حتى ضمن حزبه و/أو أحزاب أخرى أو ضم حزب بكامله إليه. وكما سلف، هذا يتطلب كسر تعهدات سابقة. فالخلاف بين نتنياهو وكل من ليبرمان وبينيت شخصي أكثر مما هو سياسي. وليس مستبعداً بالمطلق أن يتراجع أحدهما أو كليهما عن سابق وعوده تحت مسمى منع إسرائيل من الوقوع تحت رحمة الصوت العربي.

 

الصوت العربي

بدا واضحاً أن نجاح القائمة المشتركة يعود أولاً إلى ما بثته من روح وحدة في الشارع العربي، خصوصاً في ظل التهديدات المعلنة من جانب كل من حزبي سموتريتش وبن غفير ضدهم. وبحسب كل التقديرات أفلحت تهديدات اليمين الفاشي والمسيحاني في دفع العرب إلى التخلي عن تحفظاتهم السابقة تجاه الانتخابات الإسرائيلية ومشاركتهم الكبيرة هذه المرة. وعلى الرغم من كثرة الادعاءات، خصوصاً من جانب اليمين، باندفاع العرب للتصويت هذه المرة، فإن نسبة التصويت عند العرب كانت عموماً أقل من نسبة التصويت عند اليهود. لكن خلافاً للمرة السابقة، ارتفعت هذه النسبة من حوالي 53% إلى ما يقارب الـ 70%، وهو ما قيل أنه رفع مستوى التصويت عموماً في إسرائيل إلى رقم قياسي. فالعرب يشكلون ما يقرب من خمس عدد الناخبين وقد صبوا أصواتهم هذه المرة بشكل أساسي لصالح القائمتين العربيتين، خصوصاً القائمة المشتركة التي تضم الجبهة والتجمع والتغيير. وكان ملحوظاً هذه المرة وبسبب اعتداءات عنصرية على مواطنين دروز عرب، خصوصاً بعد سماعهم يتحدثون اللغة العربية، ارتفاع أصوات درزية تشدد على ضرورة التصويت للأحزاب العربية.

في كل حال يبدو أن نجاح القائمتين العربيتين سيفتح الباب واسعاً في إسرائيل لنقاشات من نوع جديد. وبسبب أن إسرائيل تعيش حالياً ذروة فاشيتها اليمينية، فليس مستبعداً أن يُعزى الفشل في تشكيل حكومة قريباً إلى مكانة العرب في الانتخابات ما يقتضي محاولة تغيير مكانتهم. لذلك فإن نتائج الانتخابات الإسرائيلية وبقدر أنها لم تجلب حلولاً، فإنها ربما زادت الوضع تعقيداً داخل إسرائيل وخارجها.