2026-10-24 02:44 ص

مستقبل العرب في صناديق اقتراع الآخرين

2026-10-23

بقلم: اسامة ابو ارشيد
إن رُمتَ دليلاً على أن مستقبلنا في المشرق العربي ليس بأيدينا يكفيك أن تنظر إلى أحد أهم محاور الأخبار التي تتابعها المنطقة: الانتخابات التشريعية الإسرائيلية ثمَّ النصفية الأميركية! أما سبب أهمية هذين الحدثين الانتخابيين، في هذا المفصل التاريخي تحديداً، فيرتبط بملف الحرب مع إيران واتجاهات الأحداث، تصعيداً، أم مراوحة، أم سلماً يبدو بعيد المنال. لن يُستطرد هنا في شعور المهانة الذي قد يعتريك أنت العربي، إذ لا انتخابات عربية من المحيط إلى الخليج بإمكانها أن تثير قلقاً وترقباً دوليين، فكل انتخاباتنا، ومن دون فخر، مُتَحَكَّمٌ فيها ومعروفة النتائج سلفاً، وإن لم تكن كذلك، كما في لبنان مثلاً، فهي هامشيّة الأثر والتأثير. ليس هذا فحسب، فالعار الجلل يتمدّد ويتوسّع، عندما نقر بحقيقة أن أيّاً من انتخاباتنا العربية لا تعني الكثير، إذ إننا دول فاقدة الوزن والقدرة على الأفعال المُجَلْجِلَة. ومن ثمَّ، لا عجب أن تشتغل غرف الأخبار العربية والعالمية بالحديث عن الانتخابات الأميركية بالذات (3 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل)، والإسرائيلية (27 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري)، إذ قد يتبعها أحداث جسام في تصعيد عسكري حادٍّ مُتَوَقَّعٍ مع إيران، مع ما سيترتب على هذا من تبعات جيوسياسية واقتصادية على المنطقة برمتها والعالم. غير أنَّ ثالثة الأثافي في أنَّ هذا التصعيد المحتمل سيكون في ملعبنا، وإلى حدٍّ كبير على حساب استقرارنا وأمننا، واقتصاداتنا.

تنشغل واشنطن بحشد مزيد من الأصول والقدرات العسكرية في المنطقة استعداداً لجولة جديدة محتملة من حرب واسعة على إيران. وقبل أيام قليلة، قام وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث بزيارة لم تُعلَن مسبقاً إلى إسرائيل التقى فيها مسؤولين، في مقدّمتهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي أصدر مكتبه بياناً قال فيه: إنه ملتزم باستكمال القضاء على النظام الإيراني، وإنه ناقش الأمر مع الرئيس دونالد ترامب مرّات عدة. تتناقل وسائل إعلامنا هذه الأخبار. تستضيف محللين سياسيين وخبراء يستفيضون في الحديث والتنبؤ والاستشراف في سيناريوهات الحرب والتهدئة، في حال فاز حزب ترامب الجمهوري في الانتخابات النصفية أو خسر، وكذلك في حال فاز تحالف نتنياهو اليميني المتطرّف أو خسر. لا نقلل هنا من أثر نتائج الانتخابات الأميركية، والإسرائيلية بدرجة أقل، على استقرار منطقتنا، فهذا واقع محزنٌ نعلمه جميعاً. وترامب بعد الانتخابات سيكون أخطر منه قبلها. حينها، وبغضّ النظر، أفاز حزبه بها أم خسرها، أم تقاسمها مع الديمقراطيين في مجلس النواب والجمهوريين في مجلس الشيوخ، سيكون متحرّراً من حساباتٍ انتخابيةٍ كثيرة. الأكثر خطورة، أن الكونغرس الجديد لن يؤدي القسم إلا في 3 يناير/ كانون الثاني 2027. هذان شهران سيتعامل معهما ترامب على أنه مطلق الإرادة، فحزبه سيبقى في أغلبيته الحالية حتى حينئذ.

وسائل إعلامنا التي تُشْبِعُ الأمور بحثاً وتحليلاً إلى حدِّ التخمة، تتناقل عارضاً تهديدات إيران بأن حرباً واسعة عليها ستعني امتدادها إلى محيطها العربي، وتحديداً الخليجي، بما يشمل منشآت الطاقة والبنى التحتية فيها. تزعم إيران أن هذه الدول توفر منصات وقواعد انطلاق للهجمات الأميركية عليها. وسواء أكان هذا صحيحاً أم لا، فإن المفارقة الكارثية أن أميركا لا تستأذن الدول العربية التي ستكون في مرمى الاشتباك، ولا هي حتى تنسق معها مسبقاً، ولا إيران يهمّها التوثق من ادّعاءاتها. بمعنى آخر، لا أميركا تحترم سيادتنا ومصالحنا وأمننا القومي، ولا إيران تخشانا. أما إسرائيل فتستمر في لعب دور الفيروس الخبيث الذي يقوّض مناعة الجسم من داخله، والساحر الشرير الذي لا يتوقف عن التحريض على الحروب والدمار وسفك الدماء. لا يمكن أن تعيش إسرائيل وتزدهر إلا في محيط خرب يكون قاعاً صفصفاً. أما نحن، الذين ندرك ذلك كله، فهو يُقال عبر وسائل إعلامنا، وعبر محللين وخبراء كثيرين مُسْتَضافينَ عبرها، فلا نملك إلا الملاحظة والتدوين، دع عنك مرَّ الشكوى طبعاً.

ليس هذا فحسب، إذ ما زال بعضنا يمضي في تعزيز تحالفه مع إسرائيل، يحسبون أنهم أذكياء، في حين أنهم يشقّون طرقاً سريعة ومفتوحة لها إلى عمق مناعة أجسادهم لإفنائها، والنفاذ من خلالها إلى بقية الجسد العربي المُتداعي والواهن.

إنه واقعٌ مُخزٍ وبائسٌ هذا الذي نعيشه نحن العرب. إن مستقبلاً اخترنا أن لا نصنعه بأيدينا، ونحميه بقوتنا الذاتية، أصبح في أيدي غيرنا مقامرات لا يعنيهم إن تَهَدَّمَ، والتَّمَتْرُسِ به على أنه أضرار جانبية. لن أستطرد هنا في الحديث عن وحدة عربية على أرضية المصير الواحد والمصالح المشتركة والأمن القومي العربي، فللأسف أصبحنا نتعامل مع هذه الشعارات الضرورية والوجودية لنا أنها كليشيهات عتيقة. أيضاً، لن أقول ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب، فنحن نعيش في خضم هذا الويل. ولا حول ولا قوة إلا بالله.