2026-10-01 10:21 م

محمد اشتية والسرير السوري

2026-10-01

بقلم: ابراهيم فريحات
 
صرّح رئيس الوزراء الفلسطيني السابق وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، محمد اشتية، في مناظرة له بجامعة أكسفورد، بأن الرئيس السوري أحمد الشرع "ينام في السرير نفسه مع الأميركيين والإسرائيليين. ومع ذلك يتوغّل الإسرائيليون في قلب سورية ويحتلون شرم الشيخ"، ما أثار انتقادات واسعة، وتحديداً في أوساط السوريين. وقد وقع اشتية في ثلاثة أخطاء أساسية أضعفت الحجة السياسية التي كان يحاول تقديمها.

يتعلق الخطأ الأول بالدقة، ففي معرض حديثه أشار إلى شرم الشيخ، بينما المقصود في السياق جبل الشيخ. وقد يبدو الأمر زلّة لسان عابرة، لكنه عندما يصدر في مناظرة دولية عن مسؤول فلسطيني سابق وقيادي حالي في حركة فتح، وفي سياق حديث شديد الحساسية عن الاحتلال الإسرائيلي الأراضي السورية، تصبح الدقة أكثر أهمية.

أما الخطأ الثاني فهو لغوي وسياسي في آن. التعبير الإنجليزي الشائع هو in bed with، ويُستخدم مجازياً للإشارة إلى علاقة وثيقة أو تحالف مصلحي، وغالباً ما يحمل دلالة سلبية توحي بالتواطؤ أو بعلاقة سياسية غير سليمة. أما القول إن شخصاً sleeps in the same bed with فإنه ينتقل بالتعبير من المصطلح السياسي المجازي المألوف إلى صورة أكثر مباشرة وفجاجة، وقد تفتح الباب أمام إيحاءات، جنسية مثلاً، لم تكن بالضرورة مقصودة، ولكن المسألة لا تتوقف عند الخطأ في استخدام تعبير إنجليزي، فالمشكلة الأعمق تكمن في غياب الحساسية الثقافية اللازمة عند نقل مثل هذه الاستعارات إلى سياق عربي. حتى لو كان التعبير الأصلي in bed with مألوفاً في الخطاب السياسي الإنجليزي، ولا يُفهم عادة بالمعنى الجنسي الحرفي، فإن استخدام صورة "النوم في السرير نفسه" بحق رئيس دولة عربية يحمل في الثقافة العربية وقْعاً مختلفاً تماماً. وقد رأى سوريون كثيرون فيه إساءة إلى رئيسهم وإلى كرامتهم الوطنية، بصرف النظر عن موقفهم من سياسات الرئيس الشرع نفسها. وكان يُفترض باشتية، وهو العارف بالثقافتين العربية والغربية، أن يكون أكثر إدراكاً لهذه الفوارق، خصوصاً أنه مسؤول رسمي (في حركة فتح الحاكمة) ولا يتحدّث بصفة مواطن عادي.

يتجاوز الخطأ الثالث، وهو الأهم، اللغة إلى حدود المسؤولية السياسية. ليس من مهمة مسؤول فلسطيني أن يحدد للرئيس السوري أين "ينام" ومع من. تقييم سياسات الرئيس السوري ومحاسبته وتحديد مستقبل النظام السياسي السوري، أولاً وأخيراً، مسؤولية السوريين أنفسهم. فقد دفع الشعب السوري أثماناً هائلة خلال سنوات طويلة من الحرب والصراع، ومن حقه أن يمتلك المساحة اللازمة لتقرير مستقبله ومساءلة قيادته، وفق مصالحه الوطنية.

وثمّة بعد آخر كان يستحق أن يكون حاضراً في حسابات اشتية، يتعلق بإرث حركة فتح نفسها في علاقاتها العربية، فمنذ عهد ياسر عرفات، حاولت الحركة، بدرجات متفاوتة من النجاح، وفي ظروف بالغة التعقيد، الجمع بين مبدأين: استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية. وقد دفعت الحركة ثمناً سياسياً باهظاً في مراحل مختلفة، بسبب تمسّكها باستقلال قرارها، ورفض إخضاع القضية الفلسطينية بالكامل لحسابات هذه العاصمة العربية أو تلك. ومن هنا، كان الأوْلى بعضو في لجنتها المركزية أن يحافظ على هذا التقليد، وأن يبني حجّته في أكسفورد حول جوهر المشكلة: السياسات الإسرائيلية التي تقوّض سيادة الدول العربية وفرص السلام، بدلاً من تحويل النقاش إلى توصيف شخصي لعلاقة الرئيس السوري بالولايات المتحدة وإسرائيل. وسورية اليوم تحتاج إلى مساحة تستعيد فيها الدولة والمجتمع عافيتهما بعد سنوات كارثية من الدم والعنف والتهجير والانقسام، وهي ظروفٌ مشابهة للتي مرّ بها الفلسطينيون وعليه فإن على الفلسطيني، وخصوصاً المسؤول الفلسطيني، أن يكون أكثر الناس حساسية تجاه حق الشعوب الأخرى في تقرير شؤونها بنفسها.

المشكلة الأكثر حساسية أن ثمن تصريحات المسؤولين قد لا يدفعونه أنفسهم... هناك لاجئون فلسطينيون يعيشون في سورية، وقد عانوا، مثل السوريين، سنوات قاسية من الحرب والتهجير والفقد. وأي خطاب فلسطيني رسمي أو شبه رسمي يمكن أن تكون له انعكاسات عليهم، سواء في المزاج الشعبي أو في البيئة السياسية التي يعيشون فيها. ومن غير المقبول أن يجد اللاجئ الفلسطيني نفسه مضطراً إلى تحمّل تبعات عبارة قالها مسؤول فلسطيني في منبر دولي بعيد عنه. ولهذا فالمسؤولية هنا مضاعفة: حرية المسؤول في التعبير عن رأيه لا تلغي واجبه في التفكير في العواقب المحتملة لكلماته على الفلسطينيين الذين قد يكونون أكثر عرضة لتحمّل كلفتها. وحسناً صنعت الرئاسة الفلسطينية أنها تبرّأت من تصريحات اشتيّة، واعتبرتها "مرفوضة جملةً وتفصيلاً".

والقضية هنا أكبر من تصريح في أكسفورد، إذ تقودنا هذه الحادثة إلى سؤال أوسع يتعلق بأولويات القيادة الفلسطينية، ولا يخص محمد اشتية وحده... من حيث المبدأ، من حقّ أي فلسطيني، بل ومن واجبه، أن يدافع عن القضية الفلسطينية في أكسفورد وواشنطن ولندن وغيرها من المنابر، وهي في حاجة إلى أن يكون صوتها حاضراً في الجامعات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام والدوائر السياسية في العالم، لكن السؤال بالنسبة إلى أعضاء الهيئات القيادية ليس: هل يحقّ لهم الحديث في هذه المنتديات؟ بالتأكيد يحقّ لهم. السؤال هو: أين تقع هذه الأنشطة في سلم أولويات مسؤولياتهم؟

تمرّ حركة فتح منذ سنوات بأزمة داخلية عميقة تتعلق بدورها وتنظيمها وعلاقتها بالمجتمع الفلسطيني وقدرتها على تجديد قيادتها وخطابها. ولا تخصّ هذه الأزمة الحركة وحدها، لأن حركة فتح لعبت تاريخياً دوراً مركزياً في المشروع الوطني الفلسطيني، وبالتالي يترك تراجعها آثاره على النظام السياسي الفلسطيني وعلى القضية الوطنية برمتها. ومن هنا، يتحمّل أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح المنتخبون، محمد اشتية وزملاؤه، مسؤولية أساسية في إصلاح الحركة، وتجديد مؤسساتها، وإعادة بناء صلتها بالمجتمع الفلسطيني. أما مخاطبة الجمهور الغربي، فهناك جيل فلسطيني شاب، كثير منه تخرّج في أفضل الجامعات الغربية ويتقن لغاتها وأدوات خطابها، وأثبت قدرة استثنائية على الدفاع عن القضية الفلسطينية داخل الجامعات والمجتمعات الغربية. وطلبة فلسطين في أكسفورد وغيرها خير مثال على ذلك، فالمطلوب ليس انسحاب القيادات من العالم، وإنما إعادة ترتيب الأولويات.

وهنا تظهر أهمية المساءلة داخل حركة فتح نفسها، فمن حقّ أعضاء المؤتمر العام للحركة الذين انتخبوا قيادتهم أن يسألوا أعضاء اللجنة المركزية، وليس اشتية وحده: ماذا أنجزتم منذ انتخابكم؟ ماذا فعلتم لإصلاح الحركة؟ كيف أعدتم بناء علاقتها بجمهورها؟ وكيف أسهمتم في حماية المشروع الوطني الفلسطيني في واحدة من أصعب مراحله؟ فلا توجد مؤسسة سياسية تستطيع أن تتجدد من دون مساءلة، ولا قيادة تستطيع أن تحتفظ بشرعيتها إلى ما لا نهاية من دون إنجاز.

وهناك أيضاً حقيقة أخرى، يصعب تجاهلها، وهي أن الخطاب الفلسطيني الرسمي الصادر عن القيادات الرسمية في بعض المنتديات الغربية يواجه مشكلة مصداقية لدى قطاعات من الجمهور والناشطين والباحثين. وتوجد تصورات وانتقادات متداولة تتعلق بالحوكمة والفساد وأداء المؤسسات الفلسطينية. ولا تعني الإشارة هنا إلى وجود هذه التصورات اتهام شخص بعينه بالفساد، ولا التسليم بصحة كل ما يقال. إنها تعني الاعتراف بوجود مشكلة في الصورة العامة ينبغي التعامل معها بجدّية. والإنكار لا يعالج مشكلة المصداقية، الإصلاح يعالجها. ولهذا الطريق الأكثر تأثيراً أمام قيادة حركة فتح والسلطة الفلسطينية ليس تحسين الخطاب الخارجي وحده، وإنما إجراء إصلاحات داخلية حقيقية يمكن للمواطن الفلسطيني أن يلمسها، فالمصداقية في أكسفورد تبدأ، في نهاية المطاف، من رام الله ونابلس والخليل وجنين وغزّة، لا من منصة المناظرة نفسها.

والأهم من الإصلاح المؤسّسي إعادة بناء الشرعية من الحاضنة الوطنية نفسها: الشعب الفلسطيني. ذلك أنه حين يقف المسؤول الفلسطيني إلى جانب المزارع الذي لا يستطيع الوصول إلى أرضه أو قطف محصوله بسبب اعتداءات المستوطنين، وحين يقف إلى جانب صاحب الأرض المهدّدة بالمصادرة والتوسّع الاستيطاني، وحين يشعر المواطن بأن مؤسّساته وقيادته موجودة للدفاع عنه وعن حقوقه وكرامته، تتشكّل شرعية سياسية لا تستطيع أفضل حملات العلاقات العامة في العالم صناعتها. وهذه الشرعية الداخلية هي التي تمنح المسؤول الفلسطيني صوته في الخارج. وهي التي تجعل كلمته في أكسفورد أو واشنطن أو بروكسل مسموعة ومؤثرة.

الأجدى بالقيادات الفلسطينية اليوم ألا تنشغل كثيراً بأخبار الرؤساء العرب أين ينامون ومع مَن، بل أن تعيد بناء البيت الفلسطيني نفسه، فإذا أصبح هذا البيت أكثر وحدة ونزاهة وشرعية وقدرة على حماية مواطنيه، فإن صوته سيصل إلى أكسفورد وإلى أبعد منها من دون استعارات جارحة، ومن دون التدخل في الشؤون الداخلية لأحد.

العربي الجديد