2026-09-28 12:26 ص

لنحترم عقل المواطن الفلسطيني

2026-09-27

بقلم: طاهر تيسير المصري

في حال جرت الانتخابات التشريعية الفلسطينية 2026، ومع بدء تسجيل القوائم وتبلور برامجها، يعود خطاب يَعِد بإنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية، وتوحيد النظام السياسي في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، والحفاظ على الوحدة القانونية للأرض الفلسطينية المحتلة، وتعزيز السيادة ومواجهة الاحتلال. وهي أهداف وطنية مشروعة، لكن البرنامج الانتخابي يفترض أن يخبر الناخب بما تستطيع القائمة فعله إذا وصلت إلى المجلس. ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين ما يدخل فعلا في صلاحيات المجلس التشريعي وما يتجاوز اختصاصه وأدواته.

فالقانون الأساسي يعرّف المجلس في المادة (47) بأنه "السلطة التشريعية المنتخبة"، ويمنحه مهام التشريع والرقابة: سن القوانين، والرقابة على الحكومة، ومنحها الثقة أو حجبها، ومساءلة الوزراء واستجوابهم، وتشكيل لجان التحقيق، وإقرار الموازنة. كما تقضي المادة (83) باعتبار الحكومة مستقيلة فور بدء ولاية مجلس جديد، بما يمنح الانتخابات أثرا مؤسسيا مهما في إعادة ترتيب السلطة التنفيذية وإحياء المساءلة البرلمانية.

لكن استعادة انتظام المؤسسات الدستورية ليست هي إنهاء الانقسام السياسي. فانتخاب مجلس يمثل الضفة وغزة والقدس قد يكون خطوة مهمة لاستعادة مؤسسة وطنية منتخبة واحدة، لكنه لا يمنحه سلطة دستورية لتوحيد المؤسسات التنفيذية والأمنية والقضائية القائمة على الأرض؛ فهذه عملية سياسية ومؤسساتية أوسع من وظيفته التشريعية والرقابية.

وفي موضوع الوحدة القانونية، يصبح دور المجلس أوضح. فمقدمة القانون الأساسي تتحدث عن سن "التشريعات والقوانين الموحدة للوطن الفلسطيني"، كما أن قانون الانتخابات يعتبر الأراضي الفلسطينية دائرة انتخابية واحدة. ومن ثم يستطيع مجلس فاعل مراجعة التشريعات التي تراكمت خلال سنوات الانقسام وإزالة التناقض بينها وبناء منظومة تشريعية موحدة. وهذه مهمة أصيلة، لكنها تختلف عن الادعاء بأنه يستطيع وحدَهُ "توحيد النظام السياسي".

وتقدم القدس مثالا على حدود الخطاب الانتخابي. فاتفاق أوسلو (2) نص على انتخاب المجلس من الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، لكنه استبعد القدس من الاختصاص الإقليمي للمجلس باعتبارها من قضايا الوضع النهائي. فالمشاركة في انتخاب المجلس لا تعني امتلاكه ولاية سياسية أو إقليمية كاملة عليها.

وينطبق الأمر ذاته على المفاوضات ومقاومة الاحتلال. فالنظام الداخلي أنشأ لجنة سياسية للمفاوضات والعلاقات العربية والدولية، ولجنة للقدس وأخرى للأراضي ومقاومة الاستيطان، لكن وجودها لا يجعل المجلس صاحب سلطة إدارة المفاوضات أو وضع الاستراتيجية الوطنية لمقاومة الاحتلال؛ فوظيفتها برلمانية تقوم على البحث والرقابة والتقارير والتوصيات.

وهنا تظهر مسألة أوسلو. شئنا أم أبينا، المجلس التشريعي لم ينشأ باعتباره برلمان دولة مكتملة السيادة، بل في إطار ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي. ومقدمة القانون الأساسي تربط إنشاء مؤسسات السلطة بالمرحلة الانتقالية الناتجة عن اتفاق إعلان المبادئ، فيما حدد أوسلو (2) نطاق اختصاص المجلس واستثنى القدس والمستوطنات واللاجئين والحدود والعلاقات الخارجية وغيرها من قضايا الوضع النهائي.

وصحيح أن المجلس المركزي لمنظمة التحرير اتخذ في 2018 و2022 قرارات تتعلق بإنهاء الالتزام بالاتفاقات والتحلل من بعض الالتزامات المترتبة عليها، لكنها لم تعدل القانون الأساسي أو تستبدل البنية الدستورية التي تحدد اختصاص المجلس. لذلك ينبغي التمييز بين الموقف السياسي للمنظمة من أوسلو وبين الصلاحيات القانونية القائمة للمجلس التشريعي.

أما رسم السياسات الوطنية العليا لمنظمة التحرير والاستراتيجية المتعلقة بالصراع والمفاوضات والتمثيل السياسي للشعب الفلسطيني، فيتجاوز اختصاص المجلس التشريعي بصفته سلطة تشريعية للسلطة الفلسطينية. فالنظام الأساسي للمنظمة يجعل المجلس الوطني سلطتها العليا والمختص بوضع سياساتها ومخططاتها وبرامجها. وقد يشارك النائب في هذه القضايا بصفته عضوا في المجلس الوطني، لا بصفته عضوا في المجلس التشريعي.

وهذا يفتح بابا لا ينبغي أن يغيب عن البرامج الانتخابية. فإذا كانت قضايا التمثيل الوطني الشامل والاستراتيجية الوطنية تقع في إطار منظمة التحرير ومجلسها الوطني، فإن تجديد الشرعيات لا يكتمل عند انتخاب المجلس التشريعي. فالأصل، وفق النظام الأساسي للمنظمة، أن يُنتخب أعضاء المجلس الوطني بالاقتراع المباشر من الشعب الفلسطيني، مع استمرار المجلس عند تعذر إجراء الانتخابات. وقد نص مرسوم انتخابات المجلس الوطني لعام 2026 على إجراء الانتخابات "حيثما أمكن ذلك، داخل دولة فلسطين وخارجها". وهذا يعني أن انتخاب أعضاء المجلس الوطني داخل الأرض الفلسطينية المحتلة ممكن من الناحية القانونية والتنظيمية، حيث تسمح الظروف بإجراء الاقتراع. ومن الطبيعي أن توضح القوائم التي ترفع شعار الديمقراطية وتجديد الشرعيات موقفها من انتخاب المجلس الوطني أيضا، وأن تطالب بإجراء الانتخابات داخل الأرض الفلسطينية المحتلة وفي الخارج حيثما كان ذلك ممكنا، بدل أن يتحول الاستثناء أو التعيين إلى قاعدة دائمة.

أما "الحفاظ على الوحدة القانونية للأراضي الفلسطينية المحتلة"، فهذه وحدة لا تنشئها الانتخابات. فقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري في 19 تموز/يوليو 2024 أن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة تشكل وحدة إقليمية واحدة يجب الحفاظ على وحدتها وتواصلها وسلامتها. ويمكن للمجلس توحيد النظام التشريعي داخل هذه الوحدة، لكنه لا يخلق وحدتها القانونية ولا يستطيع بقرار برلماني إنهاء الاحتلال أو تحقيق السيادة الفعلية عليها.

ومن حق الناخب أن يسمع ما يستطيع المرشحون فعله فعلا: أي قوانين سيغيرون؟ كيف سيراقبون الحكومة؟ كيف سيعالجون تراكم القرارات بقوانين؟ وكيف سيستخدمون الموازنة والمساءلة لحماية الحقوق والحريات؟

والتجارب البرلمانية المقارنة لا تقيس جودة المرشح بحجم شعاراته، بل بقدرته على ممارسة وظيفته: التشريع والرقابة وحماية المال العام وتمثيل المواطنين والعمل بنزاهة واستقلال. فالنائب الجيد يعرف حدود ولايته ويستخدم أدواتها بكفاءة. وفي هذا السياق، تقع مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة ضمن المجالات التي يستطيع المجلس أن يؤدي فيها دورا حقيقيا، عبر الرقابة والمساءلة وحماية المال العام ومنع تضارب المصالح. وينبغي أن تشمل معايير النزاهة القوائم والقوى السياسية وشفافية تمويل حملاتها؛ فمن يطالب بمساءلة السلطة عليه أن يخضع للمبادئ ذاتها.

أما تقديم إنهاء الاحتلال أو تحقيق السيادة أو حسم المفاوضات أو إنهاء الانقسام باعتبارها إنجازات في متناول المجلس، فهو تحميل للمؤسسة أكثر مما يمنحها القانون. ولا ينبغي استغفال الناخب بشعارات توحي بأن صندوق الانتخابات يمنح المجلس صلاحيات لا يمنحها القانون الأساسي ولا النظام الداخلي ولا الإطار القانوني الذي نشأت فيه المؤسسة.

الانتخابات التشريعية مهمة، لكن أهميتها الحقيقية تكمن في إعادة مؤسسة تشريعية ورقابية منتخبة إلى الحياة، واستعادة المساءلة وسيادة القانون، وتوحيد التشريعات، وتعزيز النزاهة والرقابة على المال العام. وهذه مهام كبيرة بما يكفي، ولا تحتاج إلى وعود لا يملك المجلس أدوات تحقيقها. فلتحترم القوائم والمرشحون عقل المواطن الفلسطيني، وليعدوه بما يستطيعون فعله فعلا