منذ أن صدق رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، 13 آب/أغسطس 2025، على القانون (رقم 168 لسنة 2025) بشأن قواعد وإجراءات التصرف في أملاك الدولة الخاصة، والذي سبقه قرار حكومي يقضي بحصر جميع الأراضي المطلة على نهر النيل في محيط محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية؛ يتخوف مصريون من بيع أجمل الأراضي المطلة على نهر النيل، لمستثمرين أجانب.
وكان القانون الذي أقره البرلمان، وتقنن مواده تحركات الدولة لحصر ممتلكاتها قد حدد طرق التصرف في الأراضي بالبيع، أو الإيجار، أو الإيجار المنتهي بالتمليك، أو الترخيص بالانتفاع.
وهو الأمر الذي يبدو أنه شارف على التحقيق مع ما كشفه رئيس مجلس إدارة "صندوق التنمية الحضرية"، (حكومي) خالد صديق، الأربعاء، لموقع "الشرق بلومبرج" عن توجه الدولة لطرح 136 قطعة أرض مميزة بالقاهرة والجيزة وبدء الترويج لهما خلال شهرين، عبر لجنة من رئاسة مجلس الوزراء والصندوق تتلقى العروض ودراستها.
ليؤكد على المخاوف السابقة بإعلانه أن بين تلك الأراضي قطعا ومباني داخل القاهرة وأخرى استراتيجية مطلة على كورنيش النيل، كاشفا لموقع "البورصة" عن تلقي الصندوق طلبات من مستثمرين خليجيين من الإمارات والسعودية وقطر للحصول على قطع على كورنيش النيل، ومؤكدا على استمرار حصر بعض الأراضي على النيل بمحافظة القليوبية.
وفي حين أكد أنه ملكية تلك الأراضي لا تتركز بالكامل لدى صندوق التنمية الحضرية، وإنما تتوزع بين عدد من الجهات الحكومية، أشار إلى طرح أرض تابعة لمؤسسة "أخبار اليوم" الصحفية ودراسة عروض بعض الشركات للحصول عليها.
وكان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، قد أكد في 12 آب/أغسطس 2025، على أهمية الأراضي المطلة على نهر النيل مؤكدا أنها "غير مستغلة بالشكل الأنسب"، مشيرا إلى أن "قيمتها تقدر بعشرات المليارات من الجنيهات"، معلنا عن حصر حكومته "تلك الأراضي وتقييمها بسعر السوق، مع وضع خطط لاستخدامها كاستخدام سياحي أو سكني إداري".
حصر وإخلاء ونزع ملكية
وجرى بالفعل حصر 745 فدانا من الأراضي والمباني المطلة على كورنيش النيل في 192 موقعا بمحافظتي القاهرة والجيزة، منها 430 فدانا بأحياء: الساحل، وروض الفرج، وبولاق أبو العلا، ومصر القديمة، ودار السلام، والمعادي، بالقاهرة، وحوالي 315 فدانا بالجيزة في: الوراق، وإمبابة، والعجوزة، والدقي، وجنوب الجيزة، لإعادة استغلالها وتحويلها إلى فرص استثمارية سياحية، فندقية، وتجارية.
وقبل إقرار السيسي القانون، وإعلان مدبولي، حدثت عمليات إخلاء واسعة على ضفاف نهر النيل بالقاهرة والجيزة، ففي أيلول/ سبتمبر 2024، قرر جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة، إخلاء 70 ألف متر مربع على كورنيش النيل بجزيرة منيل الروضة، منهيا عقود انتفاع نوادي: أعضاء هيئة التدريس ومستشاري النيابة الإدارية وقضاة مجلس الدولة، وكلية السياحة والفنادق، والمسرح العائم، وحديقة أم كلثوم، ومقر شرطة المسطحات المائية.
وفي السياق، تم سحب اختصاصات وزارة الري في المناطق المحيطة بنهر النيل وإسنادها للشركة "الوطنية لحماية الشواطئ والمسطحات المائية" التابعة للجيش، إلى جانب "صندوق مصر" السيادي، الذي أصبح مالكا للأراضي السياحية والفندقية بمحيط النهر، تمهيدا للتصرف فيها.
وأثار قرار وزارة الموارد المائية والري بهدم قصر رئيس حزب "المحافظين" رجل الأعمال أكمل قرطام، المطل على نهر النيل في منطقة منيل شيحة وأبوالنمرس بمحافظة الجيزة، في أيار/مايو الماضي، جدلا واسعا حول القرار الحكومي وما قد يتبعه من طرح تلك المساحة التي تصل 14 ألف متر مربع، للبيع لاحقا.
أنظر لأي أصول تفرط
وحول ما يبقى للمصريين بعد بيع 136 قطعة أرض استراتيجية بكورنيش النيل لمستثمرين أجانب، وخطورة استمرار توجه الدولة نحو التفريط في الأراضي الاستراتيجية على سواحل البحر الأحمر والمتوسط وانتقاله لشاطئ نهر النيل، تحدث الخبير الاقتصادي والأكاديمي المصري الدكتور أحمد ذكرالله، إلى "عربي21"، كاشفا عن تقدير كبير للقيمة الاقتصادية والاستثمارية لتلك الأراضي.
رئيس قسم الدراسات الاقتصادية في "أكاديمية العلاقات الدولية"، يعتقد أن "طرح هذه الأراضي الواقعة على نهر النيل وفق التصريح المعلن مشكلته الرئيسية هو تحديد القيمة الحقيقية لتلك الأراضي، لأن قيمة هذه الأراضي الموجودة بمواقع استراتيجية بالقاهرة والجيزة تتخطى كثيرا كونها قيمة اقتصادية أو قيمة مالية، حيث أن لها قيمة عمرانية وقيمة حضارية وقيمة استراتيجية عالية للغاية، وتعبر عن مورد نادر ومحدود ولا يمكن تعويضه ببساطة".
ولفت ثانيا إلى أن "الموضوع يتعدى كونها قطعة أرض يمكن استخدامها في التطوير العقاري أو في الاستخدام السياحي والتجاري والفندقي، حيث أن تعدد استخدامات الأصل يعطيه قيمة أكبر، وأيضا قيمته الاستراتيجية وندرته تعطيه قيمة أكبر، وبالتالي ربما الحديث عن تقييم مالي فقط هو حديث يقفز بكثير على القيمة الحقيقة لهذه الأراضي".
مكمن الخطورة
وفي جانب ثالث من رؤية ذكرالله، لهذا الملف، ألمح إلى خطورة تشكيل تكتلات أجنبية في تلك المواقع الاستراتيجية، مؤكدا أن "الخطورة لا تكمن في دخول الاستثمار الأجنبي في حد ذاته؛ وإنما في احتمال تحول المستثمرين عبر عقود الملكية أو حقوق انتفاع طويلة الأجل إلى أصحاب نفوذ اقتصادي متراكم في مواقع شديدة الحساسية السياسية والجيوسياسية في القاهرة والجيزة، خاصة إذا تراكمت مساحات متجاورة في يد عدد محدود من المستثمرين أو المجموعات".
أيضا وفي نقطة رابعة أشار أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، إلى أن ذلك التوجه يأكل من رصيد الدولة المصرية ومن حقوق أجيال المستقبل في مثل تلك المواقع، موضحا أن "التصرف في هذه الأصول عبر البيع أو بحق الانتفاع طويل الأجل يعني استهلاك من ثروة الأجيال القادمة مقابل الحصول على موارد مالية آنية".
وبين أنه "لذلك يجب التمييز بين استثمار الأصل والتفريط فيه"، مؤكدا أن "الدولة تستطيع تحقيق عوائد أكبر بكثير من هذا البيع، من خلال الشراكة أو حق الانتفاع أو الإيجار طويل الأجل مع الاحتفاظ بالملكية بدلا من التخلي النهائي عن هذه الأصول الاستراتيجية".
الخبير والاستشاري المصري، وفي جانب من حديثه طرح بعض الطرق البديلة والتي قد تقلل من حجم الأزمة وتبعاتها المستقبلية، حيث أكد على "ضرورة وضع الدولة مجموعة من الاشتراطات قبل بيع هذه الأراضي"، مبينا أن "مجرد كلمة بيع دون وجود أو وضع شروط أو معايير محددة من قبل الدولة لحدود تصرف المستثمر الأجنبي سواء بشأن الشكل العقاري أو الحضاري أو المحافظة على الهيئة وما يمكن أن نسميه البيئة الحضارية والعمرانية للمكان، وغيره من الأمور المفقتد الإفصاح عنها أو الإشارة إليها من قريب أو بعيد".
اضطرار أم إضرار مقصود؟
وفي نهاية حديثه أجاب على سؤال "عربي21": هل هذا التوجه يمثل اضطرارا حكوميا في ظل أزمات الديون وعجز الموازنة وحاجة استيراد السلع الأساسية كالوقود والقمح للدولار، أم أنه تحول إلى سلوك مرضي يضر بالدولة ويواصل إضعافها؟.
وأوضح أن "القول إن هذا التوجه سببه فقط أزمة الديون أو نقص الموارد هو قول وجيه وله نسبة كبيرة من الوجاهة، وأعتقد أن ضغوط أقساط وفوائد الديون الخارجية هي من تدفع الدولة إلى التفريط في هذه الأصول".
وراح يؤكد أن "المشكلة الحقيقية ليست في الاستثمار؛ وإنما في أن تتحول الضائقة المالية الحالية إلى بيع أصول لا يمكن استعادتها، فالدين يمكن إعادة هيكلته وجدولته، والعجز المالي يمكن تخفيضه، أما الأرض الواقعة في هذه الأماكن الاستراتيجية الحساسة، وقطع الأرض النادرة على النيل في مناطق حضارية وعمرانية لها قيمتها لا يمكن إنتاج المزيد منها".
ويرى أنه "لذلك فإن أي تصرف فيها يجب أن يخضع لأعلى درجات الشفافية، وأعلى درجات التقييم العادل، ويجب أن يضمن هذا التصرف للدولة والمجتمع عائدا طويل الأجل، لا مجرد حصيلة مالية عاجلة وعابرة".
مخاوف وانتقادات مصرية
ويتزامن الحديث عن طرح 136 قطعة أرض استراتيجية على نهر النيل في القاهرة والجيزة، مع انتقادات مصريين لتوسع حكومة بلادهم في "مبادلة وتسوية المديونيات الحكومية بالأصول والأراضي الاستراتيجية"، مؤكدين أن "التفريط في الأصول لتسوية المديونيات لن يسد العجز المالي بل يحرم الشعب من أصوله السيادية ويمنع الفرص البديلة لاستثمار أفضل بإدارة الأصول".
مخاوف وانتقادات المصريين لهذا الملف تتوافق بشكل كبير مع تحذيرات معارضين من مخاطر على الأمن القومي مع صفقات يرونها غامضة وبلا شفافية، ذهبت حد التحذير من أن تكون للإمارات بشكل خاص ونظرا لعلاقاتها مع الكيان الإسرائيلي واستثمار أغلب شركاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، اليد الطولى في صفقات أراضي كورنيش النيل، كما لها اليد الطولى في أراضي سواحل البحرين المتوسط والأحمر.
ولفتوا إلى سوابق لأبوظبي في "جزيرة الوراق" في نيل القاهرة، والتي يعيش سكانها منذ 16 تموز/يوليو 2017، أزمة مطالبة الحكومة لهم بإخلاء مساكنهم وطردهم من أراضيهم الزراعية ما يفجر مواجهات أمنية متتابعة، بين الأمن والأهالي.
وبشراكة بين "KSH" للاستثمار التابعة للدائرة الخاصة للشيخ محمد بن خالد آل نهيان، و" SKGالقابضة" المملوكة للمصري صفوت القليوبي، وباستثمارات 500 مليون دولار، ينتوي التحالف الإماراتي المصري إنشاء 3 أبراج سكنية وتجارية شاهقة وفندق 5 نجوم بمساحة 20 ألف متر مربع، في أكبر الجزر النيلية بمصر.
كما يأتي توجه الدولة المصرية لطرح أراضي كورنيش النيل لأجل تدشين مشروعات سياحية وفندقية وترفيهية في وقت تتعالى فيه أصوات أثرياء مصريين أغضبتهم قرارات إدارية وإجراءات جبائية اتخذتها إدارة منتجعات سياحية تابعة لمستثمرين إماراتيين، حيث تفجرت الصيف الماضي أزمات بين الملاك المصريين للوحدات الفندقية والشاطئية بالساحل الشمالي، ومنتجع "مراسي" إحدى المشروعات الكبرى التي تمتلكها الإمارات وتنفذ مشروعا مماثلا لها على البحر الأحمر.
ويلفت محللون إلى جانب آخر، يثير قلق المصريين، وهو تزايد حجم الفقاعة العقارية في السوق العقاري المصري مؤخرا، مع رفع المطورين العقاريين أسعار الوحدات بصورة مبالغ فيها، وتأخر نسب تسليم الوحدات، وتعثر العديد من الشركات، وزيادة شكاوى المصريين من خروقات إدارية في عقود الشراء.
وتتابع صفقات الشركات والصناديق الخليجية والإماراتية على أهم وأجمل الأراضي والشواطئ المصرية على البحرين الأحمر والمتوسط.
وفي آب/أغسطس الماضي، جرى الإعلان عن صفقة استحواذ إماراتية جديدة بالساحل الشمالي الغربي البقعة الساحرة من البلاد، من المقرر أن يبرمها مستثمر إماراتي –لم يُعلن عن اسمه- قبل نهاية العام الجاري، بقيمة 135 مليار جنيه (2.7 مليار دولار)، لتدشين منشآت سياحية وفندقية في مساحة 642 فدانا بمنطقة "الجفيرة"، وبنظام المشاركة مقابل نسبة سنوية بين 20 و30 بالمئة من العوائد المستقبلية لمصر مع حصة عينية من الوحدات.
وهي الصفقة التي سبقها سلسلة من الصفقات الخليجية القديمة في الساحل الشمالي الغربي، منذ عهد الرئيس حسني مبارك كمشروع "مراسي" لرجل الأعمال محمد العبار، أو الجديدة كـ"رأس الحكمة" لصندوق أبوظبي السيادي شباط/فبراير 2024، بقيمة 35 مليار دولار مقابل حصة 35 بالمئة من الإيرادات، بجانب صفقة الديار القطرية" بمنطقة "علم الروم" في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بقيمة 29.7 مليار دولار، مقابل 15 بالمئة من الأرباح.
وفي السياق، تتسلم شركة "الديار القطرية" (الذراع العقارية لجهاز قطر للاستثمار) الشهر الجاري، من الحكومة المصرية قطعة أرض بمساحة 29 مليون متر مربع (نحو 7000 فدان) بمدينة الغردقة المصرية وذلك للبدء في الأعمال الإنشائية لمدينة سياحية على طريق "الغردقة- سفاجا" الممتد على ساحل البحر الأحمر.
عربي 21

