2026-09-28 01:41 ص

إسرائيل تعيد رسم خريطة الضفة الغربية بـ"مجازر الزيتون"

2026-09-27

على قمة أحد التلال الممتدة في بلدة بيت ريما شمال غربي رام الله، لم تكن "أم محمد" تستعد لاستقبال الخريف بصوت هدر المعاصر أو برائحة الزيت الجديد، بل بصدمة الوجوم وهي تقف على حافة تجريف لا يرحم.

بضع ساعات صباحية كانت كفيلة بأن تحول 31 ألف متر مربع من الأراضي الزراعية الخضراء إلى ساحة من الحطام والغبار، بعدما اقتحمت معدات الجيش الإسرائيلي المنطقة وتكفلت باقتلاع أكثر من 400 شجرة زيتون كانت تشكل للمزارعين هناك ذاكرة أجيال، وسنداً اقتصادياً ينتظرونه طوال العام لسداد الديون وتأمين لقمة عيش لأبنائهم.

بالنسبة إلى أهالي بيت ريما، لم تكن هذه الأشجار مجرد جذوع خشبية ثبتت في التراب، بل أفراد من العائلة تسقى بالعرق وتورث من الآباء للأبناء. وفي لحظة واحدة، تحول هذا الحقل الذي كان يفترض أن ينبض بالحياة وحشد العائلات لقطفها، إلى شريط مجرف يروي حكاية الزيتون حين يقع ضحية لمنطق القوة، حيث تسحق الهوية والرزق والارتباط الأبدي بالأرض تحت جنح المعدات المصفحة.

ولم يكن ذلك التجريف بما يحمله من صور مؤلمة للمزارعين الفلسطينيين مع بداية موسم القطاف في بيت ريما سوى البداية، إذ تشير وثائق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية إلى أن هذه الحادثة تأتي ضمن موجة متصاعدة شملت إصدار 51 أمراً عسكرياً لإزالة الأشجار والغطاء النباتي منذ مطلع العام الحالي، مستهدفة أكثر من مليوني متر مربع من الأراضي الزراعية في الضفة الغربية، لتتحول الأوامر العسكرية إلى أداة رسمية لتفريغ الأرض وتجريدها من مقومات حياتها قبل حلول الموسم.

وكشفت هيئة البث الإسرائيلية (كان) عن توجهات وسياسات صادرة عن المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، تحمل في طياتها حظراً صريحاً على المزارعين الفلسطينيين يمنعهم من الوصول إلى الأراضي المزروعة بالزيتون والمصنفة كـ"أراضي دولة" في منطقة (ج).

ووفقاً للتقارير الصادرة عن الهيئة، يسمح للفلسطينيين بالقطاف فقط في الأراضي المملوكة ملكية خاصة والمحصورة في منطقتي (أ) و(ب). بالتوازي مع ذلك، تضمنت التوجيهات الصادرة عن وزارة الدفاع إبعاد جنود الجيش الإسرائيلي عن عمليات إخلاء البؤر الاستيطانية غير القانونية، ونقل هذه المسؤولية بالكامل إلى الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود.

مواسم متتالية
التوزيع الجديد للصلاحيات ليس مجرد إجراء تنظيمي لمنع الاحتكاك الميداني كما تسوقه وسائل الإعلام الإسرائيلية، بل هو خطوة مستحدثة ضمن مسار الضم الإداري للضفة الغربية، فحصر الوجود الفلسطيني في المنطقتين (أ) و(ب) يعزل كلياً منطقة (ج) التي تشكل نحو 60 في المئة من مساحة الضفة.

وبحسب محللي الشؤون الاستيطانية في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن هذا المنع يعتمد على آليات قانونية تاريخية، أبرزها إعادة استخدام مفاهيم "القانون العثماني للأراضي"، إذ إن منع المزارع من فلاحة أرضه وقطاف ثمارها لمواسم عدة متتالية يمنح الإدارة المدنية الذريعة القانونية لإعلان الأرض "بوراً"، ومن ثم إعادتها إلى ملكية "الدولة" وسلب حيازة الفلسطيني منها نهائياً.

ويمثل الجزء الآخر من التوجهات الإسرائيلية، المتمثل في سحب الجيش من ملف التعامل مع البؤر الاستيطانية ونقل الملف إلى الشرطة وحرس الحدود، تحولاً جوهرياً في إدارة الملف الميداني، لِمَ لا والشرطة وحرس الحدود تخضع سياسياً وإدارياً لنفوذ وزارة الأمن القومي التي يترأسها الوزير المتطرف إيتمار بن غفير، مما يعني عملياً شل قدرة هذه الأجهزة على تنفيذ أي قرارات إخلاء مستقبلي ضد البؤر الاستيطانية والرعوية.

وتظهر الأرقام والحقائق الميدانية خطورة هذا التحول، إذ تشير بيانات منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان إلى وجود أكثر من 100 إلى 140 بؤرة استيطانية عشوائية في الضفة الغربية، جزء كبير منها عبارة عن "بؤر رعوية" تعتمد على إقامة مجموعة صغيرة من المستوطنين المسلحين في منطقة جغرافية مرتفعة، وتسيير قطعان المواشي في حقول القرى المجاورة لإرهاب المزارعين ومنعهم من دخول أراضيهم.

وأظهرت تقارير صادرة من منظمة "يش دين" الإسرائيلية أن أكثر من 92 في المئة من الشكاوى التي يقدمها المواطنون الفلسطينيون في شأن اعتداءات المستوطنين على ممتلكاتهم وأراضيهم تغلق من دون تقديم لوائح اتهام ضد الجناة، مما يوفر بيئة قائمة على الحصانة المطلقة.

وبحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، سجل العام 2025 ومطلع العام الحالي حصيلة ثقيلة من الضحايا، إذ قتل ما لا يقل عن 25 فلسطينياً بنيران مباشرة من مستوطنين مسلحين في هجمات استهدفت القرى والتجمعات الريفية مثل حوارة وترمسعيا وقصرة والساوية.

شريان اقتصادي
لا تقتصر آثار هذه القرارات على الأبعاد السياسية والأمنية، بل تمتد لتضرب عمق الاقتصاد الفلسطيني المحلي، حيث تعد زراعة الزيتون العمود الفقري للاقتصاد الزراعي في الضفة الغربية.

ووفقاً للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة الزراعة الفلسطينية، يبلغ عدد أشجار الزيتون بالضفة نحو 11 إلى 13.2 مليون شجرة (منها 10 ملايين شجرة مثمرة) والمساحة المزروعة بالزيتون تبلغ أكثر من 575 ألف دونم (تشكل 85 في المئة من مساحة البستنة الشجرية) فيما تراوح الأراضي المهددة بالحرمان ما بين 96 و100 مليون متر مربع سنوياً جراء القيود العسكرية.

ويراوح إنتاج زيت الزيتون السنوي ما بين 22 ألف إلى 33 ألف طن في المواسم الجيدة، إذ تشكل مساهمة القطاع في الناتج الزراعي نحو 15 إلى 20 في المئة من إجمال قيمة الإنتاج الزراعي.

وبينت الأرقام ان ما يزيد على 100 ألف أسرة فلسطينية تعتمد عليه كمصدر دخل رئيس أو تكميلي. وتقدر الخسائر المباشرة السنوية جراء ترك الثمار من دون قطاف بأكثر من 10 إلى 15 مليون دولار سنوياً. في حين قدر عدد الأشجار المقتلعة والمحروقة منذ عام 1967 أكثر من 2.5 مليون شجرة جراء تجريف واقتلاع بين 10 آلاف و20 ألف شجرة سنوياً.

ولم تقف الخسارة عند حدود المزارع الذي يفقد محصوله، بل تتعداه لتطاول أكثر من 300 معصرة زيتون عاملة في الضفة الغربية، إضافة إلى قطاعات التعبئة والنقل والتسويق والتصدير. وهذا التراجع الحاد في العرض المحلي يؤدي تلقائياً إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار زيت الزيتون داخل السوق الفلسطينية، مما يثقل كاهل المستهلك ويحرم العائلات ذوات الدخل المحدود من مكون أساس في أمنها الغذائي اليومي.

جغرافيا مفتتة
تترجم هذه الإجراءات على أرض الواقع عبر تحويل الجغرافيا المتصلة للضفة الغربية إلى ما يشبه "المعازل" أو الجيوب السكانية المغلقة. ويوضح تقرير صادر من مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن المساحات التي يسمح للفلسطينيين بالتحرك والعمل فيها تشكل نحو 166 جزيرة جغرافية معزولة عن بعضها بعضاً، تحيط بها المنطقة (ج) من جميع الجهات لتمنع التمدد العمراني والزراعي الطبيعي.

ويوثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية وجود أكثر من 700 عائق مادي يشمل الحواجز العسكرية الدائمة، والبوابات الحديدية المقامة على مداخل القرى، والسواتر الترابية، والمكعبات الأسمنتية، التي تجعل من الوصول إلى الحقول الزراعية المتاخمة للمستوطنات أو الواقعة خلف الجدار عملية معقدة تتطلب "تصاريح أمنية" نادراً ما يجري إصدارها.

ويعزل جدار الضم والتوسع والمنطقة المسماة "منطقة التماس" قرابة 9.5 في المئة من مساحة الضفة الغربية (نحو 530 كم²). هذه المساحة تضم عشرات آلاف الدونمات من أجود الأراضي المزروعة بالزيتون، والتي يحرم أصحابها من خدمتها وتقليمها وقطافها إلا لمشاريع معدودة وفي أيام محددة سنوياً عبر بوابات زراعية محكمة الإغلاق.

مواقف وتداعيات
هذه القرارات أثارت ردود فعل متصاعدة على المستويات المحلية والدولية، حيث أكدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ووزارة الزراعة الفلسطينية في بيان أن حظر الوصول إلى "أراضي الدولة" في المنطقة (ج) يمثل إعلان ضم غير معلن لغالبية الأراضي الريفية.

ودعت السلطات الرسمية والمؤسسات الأهلية المزارعين إلى تنظيم حملات "قطاف جماعية" لتوفير الإسناد الشعبي لحماية المزارعين من الاستفراد بهم من قبل المستوطنين المسلحين، معتبرة السياسة الإسرائيلية "صورة من صور العقاب الجماعي والتطهير العرقي الزراعي".

من جهتها، تبرر المؤسسة العسكرية والإدارة المدنية الإسرائيلية الإجراءات بأنها تهدف لـ"ضبط الأمن ومنع الاحتكاك الميداني" بين المزارعين والمستوطنين خلال موسم القطاف. في المقابل يرى وزراء اليمين في الحكومة الإسرائيلية، وفي مقدمهم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، أن الأراضي المصنفة "أراضي دولة" يجب أن تخصص حصراً للتوسع الاستيطاني وتأمين البؤر الرعوية، معتبرين أن حضور المزارع الفلسطيني فيها يشكل "تهديداً أمنياً".

وحذرت المنظمات الأممية، وفي مقدمها منظمة الأغذية والزراعة ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، من أن قيود الوصول وعنف المستوطنين يهددان بنشؤ ظروف قسرية تدفع باتجاه "النقل القسري" للتجمعات السكانية الفلسطينية.

وأصدر الاتحاد الأوروبي والبعثات الدبلوماسية لدول غربية عدة بيانات دعت فيها السلطات الإسرائيلية إلى ضمان وصول المزارعين الفلسطينيين لأراضيهم ومحاسبة المستوطنين المعتدين، مذكرين بالرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية والذي أكد عدم قانونية الاستيطان والممارسات المرتبطة به.

حرب رمزية
ويرى مراقبون أن المعركة حول شجرة الزيتون تتجاوز أبعادها المادية والاقتصادية لتصل إلى صراع الرواية والرمزية. فبالنسبة إلى الفلسطينيين، شجرة الزيتون ليست مجرد كائن حي ينبت في التراب، بل هي وثيقة ملكية تاريخية حية، فالأشجار المعمرة (التي يطلق عليها الأهالي اسم "الزيتون الرومي") تمتد جذورها لمئات السنين، مما يشكل شهادة جغرافية وتاريخية على وجود المجتمع الفلسطيني واستمراريته على هذه الأرض قبل قيام إسرائيل بعقود طويلة.

ومن هنا، تنظر إسرائيل والمستوطنون إلى الشجرة باعتبارها عقبة أمام المشروع الاستيطاني، إذ إن وجود الشجرة وفلاحتها يمنعان إعلان الأرض أرضاً مواتية أو بوراً، وتجذرها يربط المزارع بأرضه ويمنحه استقلالاً غذائياً واقتصادياً يقلل من اعتماده على سوق العمل الإسرائيلية.

وبناءً عليه، تصبح محاولة اقتلاع الشجرة أو حظر الوصول إليها محاولة لمحو المظاهر العمرانية والزراعية التي تثبت ملكية الفلسطيني للمكان، وتحويل الحقول الزراعية الخضراء إلى مساحات جرداء تسهل إعادة هيكلتها جغرافياً وإدارياً.

واليوم، يقف موسم الزيتون في الضفة الغربية عند مفترق طرق حاسم، فهو لم يعد مجرد فترة حصاد زراعي ينتظرها المزارعون، خلال أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، لجمع ثمار عام كامل من التعب، بل تحول إلى ساحة مواجهة يومية يحدد فيها شكل السيطرة على الأرض ومستقبل الوجود الفلسطيني في منطقة (ج). وبينما تتواصل القرارات الإدارية والعسكرية لتنظيم حركة المزارعين وتقييد وصولهم إلى حقولهم، تبقى شجرة الزيتون الصامتة في الجبال شاهدة على صراع المزارع الفلسطيني من أجل البقاء في أرضه، حيث يتحول قطاف كل ثمرة زيتون إلى فعل صمود ومحاولة للتمسك بالبقاء على خريطة تتغير معالمها كل يوم.


المصدر: اندبندنت عربية | رغدة عتمة