شهدتِ الساحة السوريّة موجةَ انفجاراتٍ متلاحقةٍ وغير مسبوقةٍ استهدفت مخازن الأسلحة واللوجستيات العسكرية خلال شهر أيلول الجاري، ما أثار شكوكاً عميقة تتجاوز التفسيرات التقنية المعتادة. وكان تسجيل خمسة حوادث كبرى خلال واحد وعشرين يوماً يضع الكفاءة العسكريّة لآليات التخزين، أو فرضيات التخريب الممنهج، في واجهة النزاع الاستراتيجيّ الإقليميّ. وتطرح هذه الظاهرة تساؤلات حاسمة حول مستقبل السيطرة الأمنيّة وتماسك المستودعات العسكريّة الحيويّة في ظل بيئة سياسيّة لاهبة وإعادة هيكلة شاملة لوزارة الدفاع ومؤسساتها.
سلسلة انفجارات للمستودعات
افتُتح شهر أيلول الجاري جولته الملتهبة بحادثة غامضة بتاريخ 1/9/2026، إثر انفجار سيارة شحن محملة بالكامل بالذخائر الحية عند المدخل الغربي لمدينة بنش بريف إدلب. وأسفر الحادث عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة ثمانية آخرين بجروح متفاوتة، دون أن تصدر أي جهة رسميّة أو فصيل مسلّح بياناً يوضح ملكيّة الشحنة أو طبيعة المواد المتفجرة. وتلا ذلك انفجار أكثر دمويّة بتاريخ 9/9/2026 داخل مخزن ضخم للذخيرة التكتيكيّة والصواريخ في منطقة برج النمرة بمحيط طريق سرمدا بريف إدلب الشماليّ. وأدت الانفجارات المتتالية إلى مقتل نحو 20 شخصاً وإصابة 13 آخرين، علماً أنّ الموقع كان معسكراً قديماً تسيطر عليه هيئة تحرير الشام قبل تحويله لمستودع يتبع لوزارة الدفاع.
وامتدت رقعة الحرائق جغرافيّاً نحو ريف العاصمة، وشهد يوم 12/9/2026 انفجاراً عنيفاً في مستودع عسكريّ يقع شمال غربي مدينة الضمير بريف دمشق، وبررت السلطات الأمنيّة الحادث بأنّه ناتج عن اشتعال قذائف تالفة تمّ تجميعها تمهيداً لإبطال مفعولها في منطقة نائية، ما حال دون وقوع أيّ إصابات بشريّة. ولم تكَد تهدأ جبهة ريف دمشق حتى تلقت إدارة التسليح بوزارة الدفاع ضربةً قاسيةً بتاريخ 18/9/2026، بعد تفجير مستودع ذخيرة رئيسيّ داخل ثكنة عسكريّة بمحيط بلدة عياش بريف دير الزور الغربي، ما أدى لمقتل 11 عنصراً عسكريّاً وإصابة 10 آخرين بجروحٍ خطيرةٍ جراء الشظايا المتطايرة.
واختتمت هذه السلسلة فجر الإثنين 21/9/2026 بوقوع انفجارات متتالية هزّت منطقة الهضبة قرب بلدة العيس بريف حلب الجنوبي، مستهدفةً مستودعاً مركزيّاً للجيش السوريّ، وتسبب الحادث بإصابة أربعة أشخاص كحصيلةٍ أوليّة، ما دفع قيادة الأمن الداخليّ لقطع طريق حلب دمشق الدوليّ وإخلاء المنازل السكنيّة المتاخمة للموقع خوفاً من وصول مقذوفات غير متفجرة إليها، وبوقوع حادثة العيس، يرتفع إجمالي الانفجارات الموثقة في مستودعات ومواقع الأسلحة والذخائر بمختلف المحافظات السورية منذ مطلع عام 2025 وحتى تاريخ 21/9/2026 إلى 17 حادثة مستقلة تعكسُ اختراقاً أمنيّاً أو عيباً بنيويّاً واضحاً، يتجاوز طرح الأسئلة إلى كثير من المراجعة والعمل واتخاذ تدابير أمنيّة فعّالة متعددة المستويات.
الفرضيات التقنيّة والداخليّة
أمام هذا التتابع الزمنيّ المكثف للحوادث، انقسمت آراء المراقبين والمحللين العسكريين بين شق تقنيّ لوجيستيّ وآخر أمنيّ يرتبط مباشرةً ببنيةِ المؤسسة العسكريّة السوريّة الحالية. وتستند الرواية الأولى إلى فرضية الإهمال اللوجيستيّ وسوء شروط التخزين، لاسيما مع ارتفاع درجات الحرارة ونقل كميات ضخمة من مخلّفات الحرب والذخائر القديمة والتالفة إلى مستودعات مؤقتة تفتقر لمعايير السلامة الدوليّة الصارمة. ويرى أصحاب هذا الطرح أنّ تجميع ترسانات صاروخيّة مهترئة في جغرافيا ضيّقة، مثل مستودع سرمدا بريف إدلب ومستودع الضمير بريف دمشق، يرفع احتماليّة الاشتعال الذاتيّ تلقائيّاً جراء تفاعل المواد الكيميائيّة المتفجرة.
وفي المقابل، تبرز فرضية داخليّة أعمق تربط التوقيت المتزامن لهذه الانفجارات بحالةِ التوترِ التي ترافق عمليات إعادة الهيكل الإداريّة والميدانيّة التي تجري داخل وزارة الدفاع ومؤسسات الجيش السوريّ. إذ تخوض دمشق مساراً معقّداً لدمج وحلّ التشكيلات العسكرية الرديفة والمجموعات المسلحة ضمن ملاك وزارة الدفاع والوحدات الأساسيّة للقوات المسلحة، ويفسّر خبراء عسكريون تكرار حوادث مستودعات التسليح، وخاصة تفجير عياش بدير الزور وتفجير العيس بحلب، كجزءٍ من عمليات تخريب داخليّة متبادلة تهدف لإخفاء العجز في العهدةِ العسكريّة، أو تعبير لاهب من بعض المجموعات المتضررة من قرارات الفكّ والدمج الرسميّة التي تنهي نفوذها الماليّ والميدانيّ المستقل، فيما لا تستبعد فرضية العمل الإرهابيّ أيضاً.
وتزيد هذه الفرضيات من قلق الشارع السوريّ الذي يعيش حالة ترقب مستمر في المدن الكبرى مثل حلب ومدن أخرى، وباتتِ القواعد العسكريّة القريبة من التجمعات السكنيّة تمثلُ خطراً مباشراً على حياة المدنيين. فيما يفتحُ غيابُ التوضيحات الرسمية الشفافة ونتائج التحقيقات الفنيّة من قبل اللجان المختصة البابَ واسعاً أمام الإشاعات المحليّة، ويزيد من الضغوط الشعبيّة المطالبة بضرورة إبعاد مستودعات السلاح الثقيل والصواريخ التكتيكيّة عن الأحياء المأهولة لضمان سلامةِ المواطنين ومنع تكرار مشاهد الرعب الليليّ وموجات النزوح القصيرة كما حدث في المشهد الذي شهدته بلدة العيس الاثنين الحادي والعشرين من شهر أيلول الجاري.
الأبعاد الجيوسياسيّة وخيارات الردع
تتعدى دلالات الانفجارات المتلاحقة السقوف الفنيّة والترتيبات الإدارية الداخليّة لتلتحم مباشرةً بحربِ النفوذ الاستراتيجيّ الدائرة بين القوى الإقليميّة الفاعلة فوق الجغرافيا السوريّة، وتتجه أصابع الاتهام في الأوساط السياسيّة بدمشق نحو أجهزة الاستخبارات الإسرائيليّة، كجزءٍ من استراتيجيةِ “ملاحقة الرأس” وتفكيك أيّ بنيةٍ تحتيّة عسكريّةٍ قادرة على تغذية خطوط الإمداد البديلة للمحور عقب انهيار الطرق التقليديّة. ويعزز هذا التوجه قناعة الباحثين العسكريين بأنّ حدوث ثلاثة انفجارات متتالية خلال 12 يوماً فقط بين ريف دمشق ودير الزور وحلب، يمثل عملاً أمنيّاً منظماً تقف وراءه تكنولوجيا رصد واستهداف خارجيّ، وليس مجرد مصادفةٍ فنيّةٍ ناتجة عن سوء التخزين وعدم الدقة بمراعاة تدابير السلامة.
وتتقاطع هذه الضربات الصامتة مع تمدد مسرح العمليات والصراع الصامت بين القوى الإقليميّة المتنافسة بالمنطقة، ولاسيما التنافس التركيّ ــ الإيرانيّ على صياغة الترتيبات العسكريّة والأمنيّة النهائيّة في الشمال السوريّ وحلب. من جهة أخرى، يرى مراقبون أنّ “داعش” يمثّل طرفاً مستفيداً ومحتملاً في هذه المعادلة، بسعيه لضرب ترسانات الجيش السوريّ وإضعاف مخزونه من القذائف الثقيلة والذخائر المتطورة عبر هجمات سيبرانيّة أو تسللات ميدانيّة خاطفة في البادية، استباقاً لعملياتٍ عسكريّة برية محتملة قد تستهدف جيوبه المتبقية في البادية وشرق البلاد.
وفي المحصلة، يثبت هذا النزيف المتواصل للمستودعات العسكريّة أنّ حسم الصراع بدمشق لم يُنهِ حالةَ التسييل الأمنيّ؛ فالشرق الأوسط بات يُدار بمعادلاتٍ استخباراتيّة وعسكريّة بالغة التعقيد تتجاوز مفاهيم السيطرة التقليدية للدول. وإن استهداف البنية اللوجستيّة في بنش وسرمدا وعياش وصولاً إلى العيس يضع منظومة الدفاع الوطنيّ في مواجهة تحديات وجوديّةٍ تلزمها بمراجعة عاجلة لمنظومات الحماية السيبرانيّة والفنيّة، ويؤكد أنّ الساحة السوريّة ستبقى منفتحةً على سيناريوهات مختلفة للحربِ الهجينةِ وصراعِ الأجهزة الدوليّة لإعادة رسم موازين القوى الإقليميّة.
هندسة التجريد من السلاح
تتعدى دلالات الانفجارات المتلاحقة السقوف الفنية والترتيبات الإداريّة الداخليّة لتصل إلى صلب معركة النفوذ الجيوسياسيّ، وتطرح بقوة فرضيّة وجود اختراق استخباراتيّ واسع يمتلك معلومات تفصيليّة ودقيقة حول أماكن المستودعات ونوعيّة السلاح. وفي قراءة تحليلية واكبت الحدث، أشار الباحث تشارلز ليستر، مدير برامج سوريا ومكافحة الإرهاب والتطرف في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، عبر منشور له على منصة إكس في 21/9/2026، إلى أنّ وقوع ثلاثة انفجارات في مستودعات أسلحة تابعة لوزارة الدفاع خلال أقل من أسبوعين يبدو أكثر من مجرد مصادفة، مؤكداً أنّ تلاحق هذه الحوادث يطرح تساؤلاتٍ كبيرةً حول ما يحدث خلف الكواليس.
ودفع هذا الترابط والنمط المتكرر قطاعاً واسعاً من السوريين والمراقبين إلى توجيه أصابع الاتهام مباشرة نحو أجهزة الاستخبارات الإسرائيليّة، وربط العمليات بصراع النفوذ والترتيبات العسكريّة الجارية لرسم موازين القوى الجديدة في البلاد؛ فالنظام الحركي للاستهدافات يثبت تتبعاً أمنيّاً منسّقاً يسعى لحرمان القوات النظاميّة من بناء مخزونٍ استراتيجيّ مستقلٍ قادر على الردع أو تغيير المعادلات على مسارح العمليات.
ينطوي التركيز الممنهج على تفجير مستودعات الذخيرة تحديداً، دون غيرها من المرافق العسكريّة، على دلالةٍ استراتيجيّةٍ بالغة الخطورة تؤكد انتقال معركة السيطرة الميدانية إلى طور التجريد القسري لشرايين الدولة من سلاحها النوعيّ والردعيّ. ويثبت تلاحمَ الاستهدافات في سرمدا والضمير وعياش وصولاً إلى العيس فجر الاثنين 21/9/2026، وجود بنك معلومات استخباراتي مخترق يمتلك مسوحاً تفصيلية تتبع حركة الخطوط اللوجستيّة ونوعيّة السلاح، بهدف منع بناء مخزون تسليحيّ مستقل قادر على فرض معادلات الردع في الشمال أو الشرق.
وتتقاطع هذه العمليات الصامتة عند هدفٍ جيوسياسيّ أوسع تقوده أجهزة دوليّة وإقليميّة، وفي مقدمتها إسرائيل وتركيا، لفرض نموذج “الدولة الهشّة تسليحيّاً”؛ وهي جغرافيا تشتعل فيها الحروب وتُستخدم فوق أرضها كافة أنواع المقذوفات والأسلحة الفتاكة. لكن؛ دون أن تمتلك المؤسسة العسكريّة السياديّة قرارَ التحكم بترسانتها أو تخزينها الآمن. ويؤدي هذا التدميرُ الاستباقيّ إلى تفريغ وزارة الدفاع من قدراتها النوعيّة وإجبارِ الوحدات الميدانيّة على البقاء في حالةِ اعتمادٍ دائم على إمداداتٍ لحظيّة ومقيدة من الحلفاء، ما ينهي مفهومَ القدرةِ الدفاعيّة المستقلة ويجعل الخارطة بأكملها رهينةَ لتوازناتِ القوى الخارجيّة وصراع الأجهزة الدوليّة.
وتثبت المؤشرات الصلبة أنّ استهداف الترسانات الدفاعيّة وتلاحق الانفجارات داخل المستودعات، سواء كانت تضم سلاحاً قديماً أو جديداً تكتيكياً، يحملان رسالة حاسمة ومفادها أنّ هذا السلاح يمثل خطراً داهماً ومباشراً على أرواح السوريين واستقرارهم حتى وإن لم يُستخدم في الميدان وكان قيد التخزين. وتفجير هذه المخازن القريبة من التجمعات السكانيّة، لاسيما في سرمدا وعياش والعيس، يأتي في توقيتٍ بالغِ الأهمية يتزامن مع طي صفحة أربع عشر سنة من الصراع المسلح الدامي الذي أنهك البلاد منذ عام 2011، ليعلنَ نهاية حقبة الحروب العبثيّة وضرورة انطلاق قاطرة إعادة الإعمار الشاملة.
ولا يمكن هندسة هذا التحول المصيريّ أو جذب الاستثمارات الحيويّة اللازمة لبناء المدن المهدمة وعودة اللاجئين السوريين ما لم يتم خلقُ بيئةٍ أمنيّةٍ مستقرة تماماً ومطهرة من الألغام الموقوتة للذخائر العشوائيّة، ما يفرض على الجهات المعنية الإسراع بنقل مستودعات التسليح بعيداً عن الأحياء السكنيّة والإسراع في إبطال مفعول الذخائر التالفة. إن التخلص من عبء السلاح المتراكم وتنظيم إدارته. وبين مطرقة التجريد الاستخباراتيّ الخارجيّ وسندان الإهمال اللوجستيّ الداخلي، يبقى التخلص من عبء السلاح المتراكم الضمانة الوجوديّة الوحيدة لسلامة السوريين، ومنطلق صناعة مستقبل آمنٍ يعيد رسم الخارطة الاقتصاديّة والسياسيّة اليوم.
لغز تفجير مستودعات الأسلحة في سوريا
2026-09-26

