2026-09-25 10:53 م

ما بعد القرار 2797: لماذا تظل مخيمات تندوف الاختبار الحقيقي في ملف الصحراء ؟

2026-09-25

بقلم الصحفي سعيد الشريف
أسابيع قليلة تفصلنا عن عن عودة مجلس الأمن الدولي لمناقشة ملف الصحراء الغربية حيث تنتهي الولاية الحالية لبعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) في 31 أكتوبر 2026 ويسبق ذلك تقديم  المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ، ستيفان دي ميستورا، إحاطة لأعضاء المجلس حول نتائج لقاءاته الأخيرة ومساعيه الرامية الى إحياء المفارضات بين طرفي النزاع ( المغرب وجبهة البوليساريو) بحضور الدول المجاورة ( الجزائر وموريتانيا) ، وحينها سيتضح ما اذا كان القرار 2797 قد دشن فعلا مرحلة جديدة ، أم بقي مجرد ورقة بلا أثر على أرض الواقع.
إن النتائج المحرزة حتى الآن مشجعة؛ إذ عقدت الأطراف المعنية خلال الأشهر القليلة الماضية ثلاث جولات من المفاوضات المباشرة شارك فيها كل من المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا،  وصفها المبعوث الأممي بأنها الأولى منذ سبع سنوات ،معتبرا أن "زخما حقيقيا" أخذ يتشكل. 
خلال هذه الجولات الثلاث، قدم المغرب عرضا مفصلا لمبادرة الحكم الذاتي، تتلخص في وثيقة مكونة من أربعين صفحة وتعد بديلا عن عن مقترح الحكم الذاتي لعام 2007 المختصر، كما شكلت هذه اللقاءات الثلاثة  أرضية لبحث بعض الجوانب العملية  لإدارة الإقليم وطبيعة البنية السياسية الملائمة لتنزيل بنود مقترح الحكم الذاتي الموسع وكيفية ادراج مبدأ تقرير المصير في أي اتفاق دون المساس بجوهر المقترح المغربي.
وفي المقابل وأمام هذا الزخم الذي أحدثته الديناميكية الأممية، لا تزال الصورة  القادمة من مخيمات تندوف قاتمة.  ففي العاشر من سبتمبر، أوضح السفير المغربي لدى جنيف السيدعمر زنيبر وأمام المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أنه رغم قيام المجتمع الدولي بتعبئة ما يقارب 90 مليون دولار لتلبية احتياجات مخيمات تندوف منذ عام 2021، الا أن الأوضاع الإنسانية داخلها عرفت تدهورا كبيرا خلال الفترة نفسها تمثلت في ارتفاع حاد لمعدلات سوء التغذية وتراجع القدرة على الاعتماد الاقتصادي على الذات، وترافق ذلك مع استمرار حظر الوصول إلى سوق العمل، ودعا الى ضرورة التفكير الجاد للانتقال من مرحلة إدارة النزاع الى إيجاد حلول دائمة.
وفي الشهر نفسه، تحدثت منظمة «ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان»  أمام الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان حول الاعتقالات التعسفية وأعمال التعذيب والقيود المفروضة على الاحتجاج السلمي داخل مخيمات تندوف، محذرةً المجتمع الدولي من استمرار الجهات القائمة على هذه المخيمات من منع المفوضية السامية لحقوق الإنسان والخبراء الأمميين من دخولها، الأمر الذي يحول دون إجراء أي تقييم مستقل.
وفي السادس عشر من الشهر ذاته، ورد من مخيمات تندوف خبرا يختزل دلالات كبيرة بالرغم من كونه لايرتبط في جوهره بالسياسة. اذ أعلن عن إفلاس شركة «إنفرافيست» للمقاولات والاستثمار التي كانت تعمل في المخيمات منذ 2022، واختفاء مديرها التنفيذي المدعو سلامو أبا علي بعد استيلائه على ملايين الدولارات  من المستثمرين والسكان الذين أغراهم بوعود الربح السريعة وحلم الثراء ، ليفر بهذه الأموال الى جهة مجهولة خارج المنطقة . ما أدى الى احتشاد عدد كبير من المودعين أمام مقرها في الرابوني مطالبين باسترداد أموالهم،  ولا أحد يعلم عدد المتضررين أو القيمة الدقيقة لهذه الخسائر، لأن البنية المؤسسية والقانونية المنظمة لهذا النشاط داخل المخيمات تظل قضية سياسية شديدة الحساسية.
لا يزال الغموض يكتنف أعداد اللاجئين في مخيمات تندوف. إذ تشير الارقام المعتمدة لدى المفوضية السامية للاجئين إلى وجود ما يقرب 90 ألف شخص يعيشون في هذه  المخيمات و يعانون من الهشاشة والعوز وهو الرقم الذي أكدت عيه المفوضية في أكتوبر الماضي مشيرة إلى أنها ستواصل اعتماد هذا العدد "إلى حين إجراء عملية تسجيل كاملة." 
لا يزال هذا العدد، الذي اعتمدته المفوضية  السامية للاجئين بعيدا عن الأرقام المتداولة داخل أروقة الأمم المتحدة والدول المانحة والتي تقدر عدد هؤلاء اللاجئين بنحو 173 الفا. وتستند  هذه التقديرات إلى دراسات دراسات أجرتها هيئات متخصصة سنة 2018، معتمدة على تقديرات الحكومة الجزائرية وجبهة البوليساريو. وهنا تجد الإشارة إلى أنه سبق وأن أعلنت الجزائر في مناسبات عدة عن تقديراتها لأعداد اللاجئين في المخيمات الصحراوية والتي قدرتها ب165ألف لاجئ. ويعود هذا التضارب في أعداد اللاجئين إلى محاولات الدول المعنية بإدامة هذا النزاع  "تسييس هذه الإحصاءات."
لا ينبغي النظر الى هذا التضارب في الأرقام على أنه مجرد أختلاف إحصائي فحسب، فالفارق  يمثل تقريبا الضعف وهو الفارق الذي تعتمده المنظمات الدولية المعنية في تحديد الحصص الغذائية والمدرسية والدوائية ويؤثر مباشرة في هذه الحصص. وقد سعت المفوضية السامية للاجئين وفي مناسبات عدة الى الدعوة الى إجراء تعداد شامل لساكنة المخيمات، وذلك أعوام 1977 و2003 و2005 و2015، كما دعت قرارات مجلس الأمن المتعاقبة الى ضرورة حصر تعداد ساكنة المخيمات،  إلا أنه وبالرغم من جميع هذه الدعوات  لم يكتب لهذا الإحصاء أن يرى النور ويتحقق على أرض الواقع  لغاية يومنا هذا. وهنا تتجلى أمامنا مفارقة عجيبة حيث لا يعرف العالم مكان لجوء آخر استمر نصف قرن دون ان يحصى عدد قاطنيه!
وفي هذا الصدد، أشار تحقيق أجراه المكتب الأوروبي لمكافحة الغش (OLAF) خلال الفترة ما بين عامي 2003 و2007 والذي ولم يُرفع عنه الحجب إلا سنة 2015 ، إلى وجود تحويل منظّم وطويل الأمد للمساعدات الموجهة لهذه الفئة الهشة، وعزا ذلك صراحةً إلى غياب التسجيل والإحصاء وضعف آلية الرقابة.
واليوم، وبعد مرور عشرات السنين على هذا النزاع، و على الرغم من استمرار المساعدات الأممية لساكنة المخيمات، فلا تزال الأرقام تشير الى وجود نحو 30% من الساكنة يعانون من انعدام الأمن الغذائي، و58% من هذه الساكنة مهددون به.
إننا لسنا هنا بصدد الخوض في جدال قانوني حول تعريف من هو "اللاجئ"  وهل تنطبق صفة "اللاجئ" على المواطن الصحراوي المقيم  في مخيمات تندوف، بل نرى أنه من الأجدى تجاوز هذا النقاش والتركيز على الحقوق الأساسية التي يجب أن يتمتع بها الإنسان الصحراوي داخل هذه المخيمات. 
لقد وسعت اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لعام 1969 وإعلان قرطاجنة لسنة 1984 مفهوم "اللاجئ"  ليشمل الأشخاص الفاررين من النزاع المسلح أو الاحتلال أو الاضطرابات العامة، دون اشتراط تعرّضهم للاستهداف الفردي. وبالتالي فإن اكتساب صفة "اللاجئ" يصبح ممكنا وفقا لهاتين الاتفاقيتين، وهو ما يقودنا الى طرح السؤال التالي: ما هي الحقوق التي ينبغي أن يتمتع بها "اللاجئ" الصحراوي في مخيمات تندوف؟
الحق في حرية التنقل.
نصت المادة 26 من اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين على أن الدولة المتعاقدة تمنح اللاجئين الموجودين بصورة قانونية في إقليمها الحق في اختيار محل إقامتهم والتنقل بحرية داخل الإقليم، مع الخضوع للقواعد التي تطبق على الأجانب عموماً في الظروف نفسها.
الحق في الحصول على بطاقة هوية.
ألزمت  المادة 27 من اتفاقية 1951 الدول المتعاقدة بإصدار وثائق هوية لكل لاجئ موجود في إقليمها ولا يحمل وثيقة سفر سارية.
الحق في الحصول على وثائق السفر؛ 
نصت المادة 28 من اتفاقية 1951، كقاعدة عامة، على أن الدول المتعاقدة تصدر للاجئين المقيمين بصورة قانونية في إقليمها وثائق سفر تسمح لهم بالسفر خارج الإقليم، مع الاستثناء المتعلق بأسباب قاهرة تتصل بالأمن القومي أو النظام العام.
"الطابع المدني والإنساني للجوء"
أكدت اللجنة التنفيذية لبرنامج المفوض السامي في استنتاجها (استنتاج رقم 94 لسنة 2002) أن  مخيمات اللاجئين والمستوطنات ينبغي أن تكون ذات طابع مدني وإنساني حصراً، وأن منح اللجوء هو عمل سلمي وإنساني.
كما اعتبرت اللجنة أن وجود العناصر المسلحة داخل مخيمات أو مستوطنات اللاجئين، أو قيام القوات المسلحة أو الجماعات المسلحة بالتجنيد والتدريب داخلها، يهدد الطابع 
المدني والإنساني للجوء ويعرض اللاجئين، ولا سيما النساء والأطفال، للخطر. 
الحلول الدائمة الثلاثة: العودة الطوعية، أو الاندماج المحلي، أو إعادة التوطين 
"تعترف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بثلاثة حلول دائمة تقليدية لأوضاع اللاجئين: العودة الطوعية إلى بلد المنشأ، والاندماج المحلي في بلد اللجوء، وإعادة التوطين في دولة ثالثة. وفيما يتعلق بالعودة الطوعية على وجه الخصوص، تؤكد معايير المفوضية واستنتاجات لجنتها التنفيذية أن القرار يجب أن يكون فردياً وحراً ومستنيراً، وأن يستند إلى معلومات كاملة ودقيقة وموضوعية، وأن تتم العودة في ظروف من الأمان والكرامة."
كما أكدت استنتاجات اللجنة التنفيذية لبرنامج المفوض السامي للاجئين  (ExCom Conclusions) بوضوح أن الدولة المضيفة تتحمل المسؤولية الأساسية عن ضمان الطابع المدني والإنساني للجوء، بما في ذلك الحفاظ على النظام العام، والحد من تدفق الأسلحة إلى المخيمات، ونزع سلاح العناصر المسلحة، وتحديد المقاتلين وفصلهم عن اللاجئين.
وتتحمل الجزائر، باعتبارها دولة لجوء وطرفاً في اتفاقية عام1951 وبروتوكول عام 1967 واتفاقية عام 1969، المسؤولية القانونية الأولى عن ضمان هذه الحقوق. ولا يعفي التفويض الإداري من هذه المسؤولية.
لماذا الآن؟ لأن نافذة التفاوض ليست مفتوحة إلى الأبد.. الهجوم الصاروخي الذي نفدته البوليساريو قرب السمارة في الخامس من مايو دفع دي ميستورا — وهو الذي يتجنب عادة التعليق على الحوادث الميدانية — إلى التأكيد أن الوقت وقت حوار لا تصعيد. فيما تتصاعد في واشنطن أصوات تطالب بتفكيك المخيمات، وقد تحدثت تقارير في أبريل عن طلب أميركي إلى الجزائر بهذا المعنى.
يدرك الجانب المغربي بوضوح أن تفكيك هذه المخيمات بقرار فوقي ليس حلاً، بل نسخة أخرى من المشكلة نفسها؛ فمن يُرحَّل دون أن يُسأل، كمن يُحتجز دون أن يُسأل. الحل الوحيد المتسق مع القانون ومع أطروحة الحكم الذاتي هو أن يُسأل كل بالغ، منفرداً وبحماية دولية، عما يريد.
إذن ما هو المنتظر من قرارات مجلس الأمن في جلساته المقبلة؟
مجلس الأمن مطالب بالحسم في بعض المطالب العاجلة، مطالب قابلة للقياس والتحقق:
إجراء تسجيل فردي شامل تشرف عليه المفوضية بجدول زمني محدّد، تنفيذاً لطلباتها المتكررة منذ 1977.
إصدار وثائق هوية وسفر لكل مسجَّل، عملاً بالمادتين 27 و28.
حضور دائم ومستقل للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين ولمفوضية حقوق الإنسان، مع وصول غير مشروط للإعلام والمنظمات.
تدقيق شفاف في مسار المساعدات مع نشر النتائج.
اختيار فردي حرّ ومستنير بين العودة الطوعية بضمانات دولية أو البقاء — دون عقوبة في الحالتين.
لا شك أن القرار 2797 قد أطلق دينامية حقيقية في مسار القضية الصحراوية بعد جمود استمر لنصف قرن حيث نتج عنه  ثلاث جولات تفاوض، وثيقة مغربية مفصّلة، وحضور جزائري إلى الطاولة بعد قطيعة، وتراجع متواصل في الاعترافات بالجمهورية المعلنة — آخرها تأكيد غانا هذا الشهر سحبَ اعترافها.
لكن، يجب ألا ننسى بأن كل هذا يجري بعيداً عن ساكنة مخيمات تندوف التي تعاني من الهشاشة، ساكنة لا نعرف عددها بدقة بل حتى لا نملك وسيلة لسؤالها.. فأي تسوية سياسية مؤسسة على مجهول ستظل هشة وفاقدة لضمانات الاستقرار.