2026-09-24 06:58 م

الجزائر تفتح ملف الإمارات وشبكات الجريمة وغسل الأموال

2026-09-24

لم يعد تناول وكالة الأنباء الجزائرية لملفات الجريمة المنظمة وغسل الأموال المرتبطة بالإمارات مجرد مادة إخبارية عابرة، في ظل التحول الحاد الذي شهدته العلاقات بين الجزائر وأبوظبي خلال أيلول/سبتمبر الجاري، وصولا إلى قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات في 10 أيلول/سبتمبر، بعد إعلان وزارة الخارجية الجزائرية استنفاد جميع الوسائل للحفاظ على العلاقات الثنائية.

فقد نشرت الوكالة الرسمية أمس الثلاثاء تقريرا بعنوان لافت: "تقاطع الإمارات مع شبكات الجريمة المنظمة وغسل الأموال تحت منظار التحقيقات الدولية"، تحدث عن "تحقيقات دولية متقاطعة" تربط الإمارات بشخصيات مرتبطة بالجريمة المنظمة وتهريب المخدرات وغسل الأموال، وتناول استخدام شركات وواجهات تجارية في علاقات مع أشخاص متهمين أو مرتبطين بأنشطة إجرامية.

ولا تقف دلالة المادة عند مضمونها؛ فالوكالة الجزائرية ليست وسيلة إعلام خاصة تنقل موقفا فرديا، وإنما وكالة الأنباء الوطنية التي تنشر بصورة منتظمة بيانات المؤسسات الرسمية وأخبار الرئاسة والحكومة ووزارة الخارجية والدفاع. وفي الحالة الإماراتية تحديدا، يأتي هذا الخطاب بعد قرار سيادي بقطع العلاقات، وبعد سلسلة مواد نشرتها الوكالة حول القرار وتداعياته، ما يمنح تغطيتها في هذا السياق دلالة سياسية واضحة، حتى وإن لم تكن في حد ذاتها بيانا حكوميا مستقلا.

من "القطيعة الدبلوماسية" إلى فتح الملفات

يكتسب تقرير "وأج" وزنه من توقيته. فبعد عشرة أيام فقط من إعلان قطع العلاقات، انتقلت الوكالة إلى ملف مختلف ظاهريا، لكنه يضع الإمارات تحت مجهر دولي في قضايا الجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات وغسل الأموال.

وقبل تقرير 22 أيلول/سبتمبر، نشرت الوكالة في 14 أيلول/سبتمبر مادة بعنوان "الإمارات: القفص الذهبي لبارونات المخدرات وملاذ للجريمة المنظمة"، استندت فيها إلى صحيفة "إل إنديبيندينتي" الإسبانية، وتحدثت عن دبي باعتبارها مركزا لتشغيل هيكل مالي سري مرتبط بتمويل شبكات الاتجار بالمخدرات وتبييض عائداتها.

وفي 9 أيلول/سبتمبر، نشرت "وأج" كذلك مادة اتهمت الإمارات، نقلا عن "ميدل إيست آي"، بلعب أدوار في أزمات وصراعات إقليمية وأفريقية. وجاء ذلك عشية القرار الجزائري بقطع العلاقات.

وبذلك، لا تبدو مادة 22 أيلول/سبتمبر منفصلة عن سياق إعلامي وسياسي أوسع، بل تأتي ضمن سلسلة من المواد التي تقدم صورة شديدة السلبية عن الإمارات في أعقاب القطيعة الدبلوماسية.

كيناهان.. الملف الأكثر حساسية

ومن أبرز الملفات التي استندت إليها التحقيقات الدولية في السنوات الأخيرة قضية عائلة كيناهان وشبكة الجريمة المنظمة المرتبطة بها.

ففي تحقيق نشرته "بيلينغكات" في آب/أغسطس 2026، قالت المؤسسة إنها راجعت سجلات هجرة إماراتية عامة، ووجدت أن كريستوفر كيناهان الابن حصل في 20 تموز/يوليو على تأشيرة إقامة جديدة لمدة عامين في الإمارات، رغم العقوبات الأمريكية المفروضة عليه والمكافأة الأمريكية المرتبطة بمعلومات تقود إلى اعتقاله. كما أشارت إلى تجديد إقامة برنارد كلانسي في كانون الثاني/يناير، وربطت سجلات الإقامة بشركات في دبي.

وفي تحقيق لاحق في 19 أيلول/سبتمبر، قالت "بيلينغكات" إن إقامة كريستي كيناهان الأب ألغيت في 31 آب/أغسطس، وإن سجلات حكومية حددت 29 أيلول/سبتمبر موعدا نهائيا لمغادرته الإمارات. وأشارت إلى أن سبب الإلغاء لم يكن معروفا بصورة محددة.

وتكتسب القضية أهمية إضافية لأن أجهزة إنفاذ القانون في أيرلندا وبريطانيا وأستراليا وإسبانيا والولايات المتحدة والإمارات شاركت في تحقيق دولي حول أصول مرتبطة بشبكة كيناهان، بهدف تحديد الأموال والأصول التي يمكن أن تكون عرضة لإجراءات المصادرة في دول مختلفة.

لكن من المهم التفريق بين الأشخاص والسلطات الإماراتية: وجود أفراد مرتبطين بشبكات إجرامية في الإمارات أو حصولهم على إقامات عبر شركات هناك لا يثبت، بحد ذاته، تورط الحكومة الإماراتية في أنشطتهم.

دانيال كيناهان.. من الإقامة إلى التسليم

وفي المقابل، تظهر في الملف واقعة تؤكد وجود تعاون قضائي إماراتي في قضية كيناهان نفسها.

ففي آب/أغسطس 2026، أعلنت وزارة العدل الإماراتية تسليم دانيال كيناهان إلى السلطات الأيرلندية، تنفيذا لحكم صادر عن محكمة التمييز في دبي وبموجب اتفاقية تسليم المجرمين بين البلدين. وقالت الإمارات وأيرلندا إن الخطوة تعكس سيادة القانون والتعاون القضائي في مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود والاتجار بالمخدرات والقتل.

ويواجه دانيال كيناهان اتهامات جنائية في أيرلندا، فيما تؤكد التقارير أن كريستي كيناهان الأب لم يواجه، حتى أيلول/سبتمبر، اتهامات جنائية مرتبطة بالكارتل، رغم ملاحقته في سياقات أمنية ومالية دولية.

هذه التفاصيل تجعل الصورة أكثر تعقيدا من توصيف الإمارات باعتبارها طرفا مباشرا في الجريمة؛ فالسجلات والتحقيقات تكشف وجود شخصيات وشركات ومسارات مالية محل اهتمام أجهزة دولية، في حين تظهر في ملفات أخرى إجراءات إماراتية للتعاون مع سلطات أجنبية.

أموال المخدرات والعملات المشفرة

ولا يقتصر التدقيق الدولي على قضية كيناهان. ففي الهند، أعلنت إدارة الإنفاذ التابعة لوزارة المالية في أيلول/سبتمبر 2026 تقديم شكوى اتهام إضافية ضد خمسة أشخاص في قضية تتعلق بتهريب مخدرات وغسل أموال عبر الحدود. وقالت السلطات الهندية إن نحو 3.9 كرور روبية هندية من عائدات الجريمة جرى توليدها منذ 2016، وإن جزءا من الأموال مر عبر النظام المصرفي ووُجّه إلى دبي، حيث حُوّل إلى عملة "يو إس دي تي" قبل استخدامه، بحسب ادعاءات التحقيق، في شراء المخدرات عبر "الدارك ويب".

وهنا أيضا يجب التمييز بين مرور أموال مرتبطة بملف جنائي عبر دبي وبين اتهام الدولة الإماراتية أو مؤسساتها الرسمية بالتورط؛ فالمعلومات الهندية تتعلق باتهامات موجهة إلى أشخاص وشبكات محددة، وليس بحكم قضائي يثبت مسؤولية السلطا الإماراتية.

الإمارات في مواجهة سجل غسل الأموال

في المقابل، لا يمكن تناول هذا الملف دون الإشارة إلى الجهود التي أعلنتها الإمارات في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ففي شباط/فبراير 2024، أعلنت مجموعة العمل المالي "فاتف" إزالة الإمارات من قائمة الدول الخاضعة للمراقبة المتزايدة، بعد أن خلصت إلى أن الدولة حققت تقدما في معالجة أوجه قصور استراتيجية في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مع تأكيد استمرار الحاجة إلى تطوير المنظومة.

كما أعلنت الإمارات استراتيجية وطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار الأسلحة لعام 2024-2027، عقب خروجها من قائمة «فاتف».

وبالتالي، فإن التحقيقات الحالية لا تعني أن الإمارات مصنفة حاليا من قبل «فاتف» باعتبارها دولة غير متعاونة، لكنها تكشف في المقابل استمرار تدقيق أجهزة إنفاذ القانون الدولية في استخدام شركات ومسارات مالية داخل الإمارات من قبل شبكات إجرامية عابرة للحدود.

ماذا تقول الجزائر فعليا؟

في ضوء هذه الوقائع، تبدو أهمية تقرير "وأج" في سياقه السياسي قبل أن تكون في مضمونه الجنائي.

فالجزائر لم تكتف بإعلان قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، بل شهدت منصتها الإعلامية الرسمية خلال الأسابيع التالية سلسلة من المواد التي تقدم القرار بوصفه دفاعا عن الأمن الوطني والمصالح الاستراتيجية للدولة، إلى جانب نشر مواقف الأحزاب والمنظمات المؤيدة له.

وعليه، فإن نشر تقرير يضع الإمارات في سياق ملفات الجريمة المنظمة وغسل الأموال بعد أيام من القطيعة الدبلوماسية يمكن قراءته باعتباره جزءا من الخطاب الرسمي الجزائري الأوسع تجاه أبوظبي، وإن كان من الأدق صحفيا عدم وصف التقرير نفسه بأنه "بيان حكومي".

فالفرق مهم: الموقف الرسمي المباشر هو قرار قطع العلاقات الذي أعلنته وزارة الخارجية الجزائرية؛ أما اختيار وكالة الأنباء الوطنية نشر تحقيق بهذا العنوان والمضمون، فيحمل دلالة سياسية وإعلامية قوية ضمن السياق نفسه.

وفي المقابل، لا تسمح الملفات التي تناولتها التحقيقات الدولية بإثبات أن الدولة الإماراتية أو مؤسساتها الرسمية تدير شبكات الجريمة المنظمة أو تشارك في غسل الأموال. ما تثبته المواد المنشورة هو وجود أشخاص وشركات ومسارات مالية مرتبطة بقضايا جنائية وجدت في الإمارات، ولا سيما دبي، مساحة للحركة أو الإقامة أو التعامل التجاري، بالتوازي مع إجراءات إماراتية معلنة في بعض الملفات للتعاون مع سلطات أجنبية.

وهكذا ينتقل ملف الإمارات، في الخطاب الجزائري بعد القطيعة، من خلاف دبلوماسي وسياسي إلى ساحة أوسع لإعادة توصيف الدور الإماراتي، تستحضر فيها الجزائر ملفات الجريمة المنظمة والمال والمخدرات والتحقيقات الدولية كجزء من الصورة التي تقدمها عن الدولة الخليجية.

وفي تصريحات خاصة لـ "عربي21"، قال الخبير الأمني الجزائري كريم مولاي إن العلاقات بين النظامين الجزائري والإماراتي مرشحة لمزيد من التصعيد، معتبرا أن القطيعة الدبلوماسية لا تمثل بالضرورة نهاية المسار، وإنما قد تكون بداية مرحلة أكثر حدة تتداخل فيها الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية.

وأوضح مولاي أن أسباب الخلاف لا تختزل في العلاقات الإماراتية المغربية أو في دعم أبوظبي للموقف المغربي من قضية الصحراء، رغم أهمية هذا الملف بالنسبة إلى الجزائر، مشيرا إلى أن أحد أكثر الملفات حساسية يتمثل في احتضان الإمارات لفرحات مهني، رئيس "حركة استقلال منطقة القبائل" التي تصنفها السلطات الجزائرية تنظيما إرهابيا، وما تعتبره الجزائر دعما إماراتيا له. وأضاف أن هذا الملف، من وجهة نظره، يتصل مباشرة بالأمن الداخلي الجزائري، ولذلك تتعامل معه السلطات باعتباره تجاوزا للخطوط الحمراء وليس مجرد خلاف في السياسة الخارجية.

وأشار مولاي كذلك إلى البعد الاقتصادي في التوتر، معتبرا أن الحضور الإماراتي في الجزائر لم يعد يُنظر إليه من جانب السلطات باعتباره استثمارات اقتصادية منفصلة عن الحسابات السياسية والأمنية، بل بات موضع تدقيق في ظل توسع الاستثمارات الإماراتية في قطاعات استراتيجية، ولا سيما الموانئ والبنية التحتية، فضلا عن مشاريع واستثمارات أخرى. ويرى أن ميناءي الجزائر وجيجل وغيرهما من المجالات التي يرتبط بها الحضور الاقتصادي الإماراتي تكتسب حساسية إضافية بسبب طبيعتها الاستراتيجية، ما يجعل ملف الاستثمارات جزءا من النقاش الأوسع حول حدود النفوذ الإماراتي داخل الجزائر.

وبحسب مولاي، فإن تداخل الملفات المغربية والصحراوية، ودعم فرحات مهني، والحضور الاقتصادي الإماراتي في قطاعات استراتيجية، إلى جانب الخلافات الإقليمية الأوسع في الساحل وشمال أفريقيا، يجعل الأزمة بين الجزائر وأبوظبي أعمق من مجرد خلاف دبلوماسي عابر، ويفتح الباب أمام استمرار التصعيد على مستويات سياسية وأمنية واقتصادية مختلفة، وفق تعبيره.
عربي 21