2026-09-14 08:39 م

الانتخابات الإسرائيلية وحاجتنا لانتفاضة في الوعي والإدراك

2026-09-13

بقلم: زياد ابو زياد
أغلق موعد تقديم قوائم الإنتخابات الإسرائيلية وبات بالإمكان الحديث عما يمكن ان تسفر عنه الانتخابات القادمة التي تتمحور حول بقاء نتنياهو في الحكم ام استبداله. والذين يؤيدون بقاء نتنياهو يستخدمون فزاعة اليسار، وفزاعة إمكانية تشكيل حكومة تعتمد على الأصوات العربية لاستفزاز ناخبي اليمين وحثهم للتصويت لصالح الليكود الذي يتزعمه نتنياهو لمنع وصول ما يسمونه زوراً ب "اليسار".

وأما من يريدون تغيير نتنياهو فإنهم يحرصون على التأكيد بأنهم لا يقلون يمينية عن نتنياهو وان التغيير الذي يسعون اليه ليست تغييرا في منهج وايديولجية الحكم وإنما تغيير نتنياهو لفشله هو وحكومته في استشعار احداث السابع من أكتوبر 2023 والفشل في منع وقوعها. فالمعركة هي بين اليمين والأكثر يمينية.

ونحن امام احتمالين، الأول هو فشل ايزنكوت في تشكيل الحكومة سواء بسبب إصرار كل من بينيت وليبرمان بان تكون رئاسة الحكومة له بحجة ان ايزنكوت يفتقر للخبرة في الحكم وانهما أكثر دراية وخبرة منه. اوعدم تمكن ايزنكوت من تجميع 61 صوت يهودي صهيوني بالكنيست تمكنه من تشكيل حكومة لا تعتمد على الأصوات العربية ، بالائتلاف مع "بياحد" بزعامة بينيت و "يسرائيل بيتينو" بقيادة ليبرمان والأحزاب الأخرى، والضمان الوحيد لاستمرار بقاء مثل هذه الحكومة هو تبني نهج يميني لا يختلف عن نهج نتنياهو إلا في تغيير الأسماء.

والاحتمال الثاني هو محاولة تشكيل حكومة تعتمد على أصوات أعضاء كنيست عرب وهذا هو احتمال ضعيف لأن عدداً من أعضاء حزبه سيرفض ذلك حتى لو أدى الأمر الى الانسحاب من الحزب، ذلك لأن قائمة حزب "يشار" بقيادة ايزنكوت المنافس الرئيسي لنتنياهو تضم أسماء من اقصى اليمين وأسماء متطرفين يدعون لترحيل الفلسطينيين، فهي تحتوي على تناقضات أيديولوجية القاسم المشترك الوحيد بين أعضائها هو الرغبة في تغيير نتنياهو وهي عرضة للانقسامات الداخلية حتى بعد الفوز في الانتخابات وتشكيل الحكومة اذا حاول ايزنكوت ابداء أية مرونة سياسية بما في ذلك الاعتماد على الأصوات العربية في الكنيست.

ولا بد من الإشارة بأنه لو تم تشكيل حكومة بزعامة ايزنكوت فإن من المؤكد بأن يستمر نتنياهو وأعضاء حزبه في محاولات مستميتة لاختراق هذه الحكومة والتأثير على بعض أعضائها لاسقاطها.

ولعل من الملفت للنظر ان نتنياهو الذي كان عند تشكيل حكومته الحالية قبل أربع سنوات وخلال فترة حكمه يرفع شعار حكومة يمين يمين بالكامل قاصداً طمأنة ودغدغة مشاعر بن جبير وسموتريتش والتأكيد لهم بأنهم جزء أساسي من حكومته وهذا ما حدث بالفعل، أصبح اليوم يرفع شعار "حكومة يمين قومية موسعة وواسعة" ويرمز بذلك الى استعداده للائتلاف مع مع ايزنكوت وبينيت وليبرمان وفينتر وكل الأحزاب اليمينية الأخرى والتخلي عن بن جبير الذي يصعد نجمه وتتزايد قوته ويتطلع لأن يتولى رئاسة الحكومة في قادم الأيام.

ما أريد أن أقوله هو أن أية حكومة إسرائيلية سيتم تشكيلها سواء كانت بزعامة نتنياهو او ايزنكوت او غيرهما ستكون حكومة يمين سواء يمين يمين او يمين موسع، وأن جميع الأحزاب الإسرائيلية التي يمكن ان تشارك في الحكومة القادمة تعلن دون لبس او غموض بأنها لن تسمح بقيام دولة فلسطينية، ولا تزال تحلم بتهجير سكان قطاع غزة، ولا تخفي توجهاتها لانهاء وجود السلطة الفلسطينية بدءاً بالتحريض ضد الأجهزة الأمنية الفلسطينية والمطالبة بنزع سلاحها وانتهاء بتحويلها الى شكل باهت من روابط القرى الى أن يحين وقت انتهاء دورها وانهائها بالمرة..

 واستثني من هذا القول حزب الديمقراطيين بزعامة يئير جولان الذي تحدث في أكثر من مناسبة عن ضرورة القيام بمبادرة سياسية ويعتبر من أشد منتقدي سلوك المستوطنين بالضفة ويدعم تشكيل حكومة إسرائيلية بمشاركة أحزاب عربية تعترف بيهودية الدولة ويرى نفسه استمرارا لحزب العمل ويحاول مغازلة الناخبين العرب للفوز بأصواتهم، ولكنه لا يجد له حليفا في أفكاره من الأحزاب الإسرائيلية الأخرى ولا تعطيه استطلاعات الرأي أكثر من 11 – 10 مقاعد بالكنيست ولا يمكن التعويل عليه.

خلاصة القول هو ان أية حكومة إسرائيلية قادمة قد تكون أقل عنصرية وتطرفا من الحكومة الحالية ولكنها لن تشكل تغييراً جوهريا في السياسة الإسرائيلية ويجب ان نكون مهيأين نفسيا لحكومة ترفض قيام دولة فلسطينية وتعمل بكل الوسائل لمنع قيامها، وأنها لن تتراجع عن أية إنجازات استيطانية على الأرض حققتها الحكومات السابقة. وعلينا ان نتعلم من خبرتنا مع الإسرائيليين الصهاينة على مدى عدة عقود مضت بأنهم قد يختلفون في أسلوب العمل ولكنهم لا يختلفون في الجوهر وبأنهم يلتقون جميعاً من أقصى اليمين الى ما يسمى باليسار الليبرالي عند الاعتقاد بأن هذه الأرض هي أرض إسرائيل وأنه يجب عاجلاً او آجلاً تخليصها من الغزاة الفلسطينيين وأن أي انجاز تحققه أي حكومة في هذا الاتجاه لا يجوز التراجع عنه بل البناء عليه. أضف الى كل ذلك بأن ما حدث في السابع من أكتوبر وطريقة استغلاله من قبل اليمين المتطرف للتحريض ضد العرب وتعميق الحقد والكراهية ضدهم واغتيالهم معنويا وبلورة صورة نمطية سلبية للعربي أحدث تغييرا عميقا في المجتمع الإسرائيلي من غير الممكن تغييره.

واذا أدركنا بأن الإنتخابات الإسرائيلية لن تأتي بأي تغيير في واقع الحال وأن الحملة الاستيطانية مستمرة وان الحرب ضد إقامة الدولة الفلسطينية لن تتوقف وأنه في الواقع على الأرض لم يبق هناك مكان جغرافي لاقامة الدولة الفلسطينية وان تصفية وجود السلطة الفلسطينية كمشروع دولة تكاد تكون قد تحققت بفعل الاستيطان والحصار المالي والسياسي وتداعي منظومة الحكم الفلسطينية منذ شل المجلس التشريعي عام 2007 وتفشي الترهل وغياب حكم القانون وارتفاع منسوب الصراع على تحقيق المكاسب الشخصية والفوز بالوظائف والمسميات السلطوية التي أصبحت " ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخاً صورة الأسد " فما الذي يجب ان نعمل؟

هذا الادراك هو الذي يجب ان يستحوذ على تفكيرنا سواء كقيادة سياسية او كشعب. والمخيف في الأمر هو ان القيادة السياسية تعمل بهدوء واستمراية روتينية وكأن شيئاً لا يحدث من حولنا، ومنشغلة بمحاولات إعادة استنساخ نفسها كما كانت قبل عقود دون ادراك الخطرالداهم الذي يقترب منا ويكاد يلقي بكل ما عملنا من أجله وما حلمنا به الى الهاوية.

 وأما على مستوى الشعب فإننا نواجه سياسة قتل المعنويات بالقهر والإذلال والإفقار والتجويع وجعل الناس لا يفكرون إلا بمتى يُصرف نصف الراتب ومتى سيفتح هذا الحاجز او ذاك ومتى سيصل المرء الى مكان عمله ومتى يعود الى بيته، ومتى ستنتهي أزمة السولار والبنزين ومتى ستنخفض او ترتفع أسعارها وكيف سيؤثر ذلك على أسعار المواصلات العامة ورغيف الخبز الخ. فالشأن الحياتي اليومي يحاصر الأغلبية الساحقة من ابناء شعبنا ويستنزف طاقاتها ولا يترك لها وقتا للتفكير في مستقبلها والى اين هي ذاهبة من هنا.

قد تبدو هذه رؤية قاتمة للوضع ولكن بيع الوهم للناس والعيش في معزل عن الواقع ورفض رؤية الخطر الداهم هو في حد ذاته أخطر من ذلك الخطر القادم نحونا وبتسارع.

 ما نحن بحاجة اليه هو انتفاضة في الوعي والإدراك انتفاضة أشبه بالصدمة الكهربائية تفتح العقول والعيون على حقيقة أنه إن لم تتغير الأساليب والأدوات فلن يتغير الحال إلا الى الأسوأ.

abuzayyadz@gmail.com