2026-09-11 03:49 م

أملاك منظمة التحرير الضائعة... البحث عن الأصول الفلسطينية في لبنان وسورية

2026-09-11

تبحث السلطة الوطنية الفلسطينية منذ سنوات عن أصول مفقودة، استملكتها منظمة التحرير في سورية ولبنان منذ عقود، غير أن قليلاُ منها لا يزال في حوزتها كما يكشف تحقيق لـ"العربي الجديد".

- بقلق بالغ، ينظر مؤسس مبادرة "فلسطينيو سورية للرقابة الشعبية - مرصد"، الباحث ماهر شاويش، إلى جهود السلطة الوطنية الفلسطينية في ملف استرجاع أملاك منظمة التحرير، سيما في سورية ولبنان.
وما يغذي هواجسه ومخاوف رفاقه خشيتهم من تجاوز العمل الجاري، أهداف الحصر والضبط والحماية، باتجاه فتح الباب أمام صفقات تُدار بعيداً عن الأعين فتتعدى غاية استرداد صلاحية التصرف في الأملاك، إلى بيعها والتخلص منها بذريعة الأزمة المالية الخانقة التي تواجهها السلطة، في ظل غموض يكتنف عمل اللجنة المشرفة على الملف، واحتمالات سوء التصرف في إرثٍ يفترض نظرياً أنه مملوك لكل فلسطيني.
لهذه الهواجس والشكوك ما يبرّرها في الواقع، خصوصاً بعد ما جرى عقب منشور للسفير الفلسطيني السابق في لبنان أشرف دبور، كتبه على "فيسبوك" في 27  نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، متناولاً تفاصيل بيع مبنى مكتب منظمة التحرير في بيروت، ما أسفر عن حالة من الشد والجذب بين من يتبنّون روايته ومن يعارضونها، لتنتهي الواقعة إلى توقيفه استناداً إلى مذكرة توقيف صادرة عن منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) بناءً على طلب دولة فلسطين تحمل الرقم A-17849/12-2025، تصف دبور بأنه "شخص هارب مطلوب للملاحقة الجزائية"، وتفيد بأن طلب الملاحقة الدولية استند إلى مذكرة توقيف رقم 542/2025 صادرة عن النيابة العامة الفلسطينية في 30 نوفمبر 2025، ما يفتح الباب أمام أسئلة من قبيل، لماذا انفجر الصراع على أملاك منظمة التحرير؟ وما هو المقصود بها وأين تتركز أو بمعنى آخر هل يمكن رصد خريطة انتشارها الحالية؟ فضلاً عن غيرها من استفهامات يحاول تحقيق "العربي الجديد" الإجابة عنها من خلال لقاء المصادر الأولية ذات الصلة في دمشق وبيروت ورام الله.
من أين جاءت الأملاك؟
تاريخياً، يتولى الصندوق القومي الفلسطيني تمويل منظّمة التحرير وفق ما تنص عليه المادة الأولى من نظامه الأساسي المقر عام 1964. وتحت بند موارد الصندوق حُددت مجموعة واسعة من المصادر، بينها رسم سنوي قدره 250 فلساً أردنيا (زهاء 0.70 من الدولار بمعدلات هذا الزمن) أو ما يعادله بالعملات الأخرى، يلتزم بدفعه كل فلسطيني تجاوز الثامنة عشرة، إلى جانب ضريبة ثابتة على التجار والملاكين والموظفين والشركات والمؤسّسات وكل المواطنين الفلسطينيين، تتراوح بين 2% و6% من مجموع الدخل الصافي. وفي القمة العربية في سبتمبر/ أيلول 1964 بالإسكندرية، وافق القادة الحضور على تخصيص ميزانية سنوية قدرها مليون دينار أردني، تسهم فيها الدول العربية بحصص داعمة للكيان الفلسطيني، لكن الأهم كان مطالبة رئيس منظّمة التحرير آنذاك أحمد الشقيري، بفرض ضريبة التحرير على الفلسطينيين أينما كانوا بنسبة تتراوح بين 3 و6% من دخولهم. وهي نسبة نجد لها نظيراً في دول أخرى كما في العراق، إذ صدر قانون استقطاع مبالغ للصندوق القومي الفلسطيني رقم 130 لسنة 1965، في 22 أغسطس/ آب 1965، ونص على اقتطاع 3% من رواتب الموظفين والمستخدمين والعمال الفلسطينيين العاملين في الدوائر الرسمية وشبه الرسمية والشركات الحكومية وغير الحكومية وأجورهم.

غير أن الحالة هنا كانت مختلفة ولم يحصر تطبيقه في من يحملون الجنسية الفلسطينية فحسب، بل شمل أيضاً من هم من أصل فلسطيني وحصلوا على جنسية أخرى. واختلف الأمر قليلاً في ليبيا، بعدما صدر في 13 يونيو/ حزيران 1970 القانون رقم 67 لسنة 1970 بشأن مساهمة الموظفين والعمّال الفلسطينيين في الصندوق القومي، ونصّ على استقطاع 6% من المرتبات والأجور وما في حكمها المستحقة للموظفين والعمال الفلسطينيين أو لمن هم من أصل فلسطيني، وتخصيص الحصيلة للصندوق القومي، ثم صدر في 17 مايو/ أيار 1979 قرار الأمانة العامة لمؤتمر الشعب العام رقم 7 لسنة 1979 بشأن رفع نسبة ضريبة التحرير المفروضة على العاملين الفلسطينيين، ما رفع قيمة الاقتطاع إلى 7% بدلاً من 6%.

ولم يقتصر الأمر على الدول السابقة، ففي الإمارات صدر القانون الاتحادي رقم 13 لسنة 1973 بشأن اقتطاع مبالغ من مرتبات الفلسطينيين ومن هم من أصل فلسطيني العاملين في الحكومة الاتحادية لحساب الصندوق القومي الفلسطيني. ونص قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 6 لسنة 1975 في البحرين على استقطاع 5% من مرتبات العاملين الفلسطينيين أو من هم من أصل فلسطيني وأجورهم لصالح الصندوق القومي الفلسطيني. وفي الكويت، أقر مجلس الأمة تشريعا في 1965 لفرض اقتطاع بنسبة 5% من دخول الفلسطينيين لصالح الصندوق القومي. فيما تشير وثائق المجلس الوطني الفلسطيني لعام 1973، إلى "ضريبة تحرير" تُجبى من الفلسطينيين العاملين في القطاع الخاص بالكويت بنسبة لا تقل عن 5%.

من الأموال إلى الأملاك
مع اتساع موارد الصندوق وتنامي مؤسّسات المنظمة، لم تعد الحاجة مقتصرة على تأمين التمويل، بل امتدّت إلى بناء قاعدة من الأصول المالية بهدف حفظ قيمة ما يجمع من الأموال وحمايتها من التقلبات الاقتصادية عبر استثمارات آمنة تقوم بشكل رئيس على العقارات، خصوصاً في البلدان التي شكّلت مراكز رئيسية لنشاط المنظمة، وفي مقدمتها لبنان وسورية، كما توضح الباحثة ربى وهبي، المهندسة المعمارية والمخططة الحضرية، التي نالت الدكتوراه في الدراسات الحضرية من معهد الدراسات السياسية (Sciences Po) في باريس عبر أطروحة وثقت حالة هشاشة الحقوق العقارية للاجئين الفلسطينيين ومنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان.

بناء على ما رصدته، تقول وهبي لـ"العربي الجديد"، وفق الترتيب السياسي والاجتماعي الذي أوجده اتفاق القاهرة عام 1969 بين السلطات اللبنانية ومنظّمة التحرير، كان للفلسطينيين حق العمل والإقامة والتنقل، وإنشاء لجان محلية في المخيمات لرعاية مصالح المقيمين فيها، ومن هنا ظهرت الحاجة إلى امتلاك الأراضي لأغراض متنوّعة ليس فقط الاستثمار الاقتصادي وإنما للتدريب الحربي وبناء المعسكرات وتخزين الأسلحة. تتابع: "في البداية، لم يكن هناك ما ينظم وصول المنظمة إلى الأراضي أو امتلاكها، كان هناك نوع من الفوضى، خصوصاً أن المنظمة لم تكن، من الناحية القانونية، تمتلك القدرة على تسجيل هذه الممتلكات باسمها، لكن بحكم الصفة الدبلوماسية لها، تمكنت من تسجيلها بأسماء منظمات وهيئات تابعة لها، مثل مؤسسة صامد (جمعية معامل أبناء شهداء فلسطين في سورية ولبنان) وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني"، وهي إحدى مؤسسات المنظمة وتتبع مباشرة لإدارة الصندوق القومي الفلسطيني، وأنشئت لتقديم الخدمات الطبية والصحية للاجئين في مخيمات الشتات عبر عدد من المستشفيات والمراكز الصحية.

لهذا بدأت المنظمة أولاً بالاستئجار، وكانت هذه العلاقة السائدة مع العقارات والأراضي. وفي وقت لاحق، كما توضح وهبي، مع توفر الأموال لدى المنظّمة، وإرهاصات الحرب الأهلية وما ترتب عليها من أزمات اقتصادية واجتماعية، منها الهجرة، صار لدى المنظّمة قدرة أكبر على الشراء، خصوصاً أن المباني التي تستأجرها كانت تكتسب هوية سياسية، وبالتالي تصير عرضة للاستهداف الإسرائيلي، لذلك بدأ ملّاكٌ كثيرون يطرحون على المنظّمة فكرة البيع، ووقتها لم يكن لديها نظام محدّد ينظم عمليات الشراء، فكانت غالباً ما تشتري مقابل وصل وإقرار من البائع من دون تسجيل. كما أن عقارات سُجلت بأسماء لبنانيين، فيما بقي بعضها الآخر مسجلاً باسم مالكه الأصلي، وعندما خرجت قيادة المنظمة وقواتها الرئيسية من لبنان عام 1982، لم يعترف بعض الحائزين السابقين بملكية المنظمة لتلك العقارات، خصوصاً أن العقود والوثائق التي تستند إليها المنظمة في إثبات ملكيتها، ليست مسجلة في الجهات الرسمية، وإنما تقتصر على إيصالات تثبت أن المنظمة دفعت مبلغا من المال مقابل تملك عقار محدد، وفي بعض الحالات كانت هناك وثائق تم إعدادها بحضور محامٍ تثبت حصول المالك على مبالغ مالية وتنازله عن حقوقه.

وفي عام 1983 الذي شهدت فيه مدينة طرابلس، شمالي لبنان، الفصل الأعنف من الاقتتالات بين قوات ياسر عرفات وفصائل فلسطينية مدعومة من سورية، وعُرفت بـ"حرب طرابلس" أو "حرب المخيمات"، وقبيل مغادرة عرفات بشهور، واحتدام المعارك التي سيطر عليها الطرف السوري، تكثفت عمليات تعاقد المنظمة على عقارات في شمال لبنان، إحداها في مخيم البداوي المتاخم شمالاً لمدينة طرابلس الذي أسسته "أونروا" عام 1955، والمحاذي لمحافظة عكار. بحسب ما تكشفه وثائق حصل عليها "العربي الجديد" تبيّن أنّ أوقاف عكار أجّرت، بتاريخ الأول من أيلول/سبتمبر 1983، لمنظمة التحرير الفلسطينية، 15 عقاراً لمدة 99 عاماً، وهي العقارات 1113، 1114، 1116، 1117، 1119، 1120، 1121، 1122، 1124، 1125، 1127، 1128، 1130، 1131 في منطقة البداوي، إضافة إلى العقار رقم 35 في منطقة المحمرة بعكار. ويكشف اختيار هذه الصيغة عن لجوء المنظمة إلى ترتيب قانوني يضمن لها الانتفاع طويل الأمد بالعقارات، مع إبقاء أصل الملكية ضمن الأوقاف، بما يحول دون التصرف بها بالبيع المباشر.

ويُعرف هذا النوع من العقود، قانونياً وفقهياً، بـ"الحِكر" أو "الإجارتين"، وهو صيغة معتمدة تاريخياً للتصرف في منفعة الأراضي الموقوفة، إذ إن الوقف الخيري لا يجوز بيعه أصلاً وفق الشرع والقانون اللبناني، فتظل رقبة الملك لأوقاف عكار، بينما ينتقل حق الانتفاع طويل الأمد إلى المستأجر. وبذلك أتاحت الصيغة للمنظمة تثبيت حقها في الانتفاع بالعقارات لعقود طويلة، من دون نقل ملكيتها أو تعريضها للبيع، فيما جعلت مدة العقد الطويلة والقابلة للتوريث هذا الحق قريباً عملياً من الملكية شبه الدائمة.

ووُجّه عقد الإيجار إلى "الصندوق القومي الفلسطيني" كما يبين العقد الذي بحوزة فريق "تحقيقات العربي الجديد"، والذي تم خلال انعقاد مجلس لدى محكمة عكار الشرعية برئاسة مفتي طرابلس والشمال حينذاك الشيخ محمد طه الصابونجي بصفته قاضياً شرعياً، على أن تكون هذه العقارات "وقفاً خيرياً لله تعالى". وبموجب هذا الإيجار، فإن لجنة أوقاف عكار والصندوق القومي الفلسطيني هما "متوليان شرعيان بالاتحاد والانفراد على هذا الوقف"، والهدف هو "استخدام هذه العقارات لبناء مساكن وخلافها لإسكان المهجّرين وفقراء المسلمين وعابري السبيل من المسلمين عامة والفلسطينيين خاصة".

وتُظهر واقعة استخدام أحد هذه العقارات لاحقاً كيف بقيت ملكيته القانونية لدى أوقاف عكار، رغم انتقال حق الانتفاع به إلى منظمة التحرير لمدة 99 عاماً، ففي 23  ديسمبر/كانون الأول 2016، بدأ الصليب الأحمر الدولي، بالتعاون مع اللجان الشعبية الفلسطينية في مخيم البداوي، أعمال تجهيز مقبرة جديدة في المخيم على العقار رقم 1121 تحديداً البالغة مساحته 1562 متراً مربعاً بحسب "إفادة عقارية" عائدة لأوقاف عكار حصل عليها "العربي الجديد"، فيما بقيت المرجعية القانونية للأرض نفسها لأوقاف عكار، في ظل غياب منظمة التحرير في ذلك التاريخ. 

تشابك أملاك المنظمة والسلطة وفتح
قانونيا، تُصنَّف أصول منظّمة التحرير أملاكاً عامة للشعب الفلسطيني، ومن المفترض أن تديرها مؤسّسات رسمية مثل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والمجلس الوطني والصندوق القومي الفلسطيني، إذ تشمل عقارات هامة مثل مقرّات وبعثات دبلوماسية وشقق ومؤسّسات، مثل المدينة التعليمية في منطقة عدرا بريف دمشق الشمالي الشرقي، ومؤسّسات صحية مثل مشفى يافا الجراحي الواقع في منطقة المزة بدمشق، وغيرها من هيئاتٍ أُنشئت لخدمة المشروع الوطني الفلسطيني بمختلف فصائله، لا حزب بعينه، كما يوضح الباحث القانوني والمحامي الفلسطيني رئيس مجموعة الحق والقانون للمحاماة والاستشارات الدولية، غاندي ربعي، مدير دائرة الرقابة على السياسات والتشريعات الوطنية في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان (ديوان المظالم) سابقاً، إلى أن هناك تداخلاً كثيراً في إدارة أملاك المنظّمة، وأملاك السلطة التي تعد أملاك دولة ينظمها القرار بقانون رقم 43 لعام 2021، ومردّ هذا التداخل أن رئيس المنظمة هو نفسه رئيس السلطة، ما أفرز ثنائية في التعامل مع أموال المنظمة والسلطة، وغياباً للرقابة الفعالة عليهما.

في المقابل، تُعد أملاك فتح حزبية خاصة تُستخدم في العملين، التنظيمي والسياسي، وتخضع لإدارة أطرها الداخلية، مثل اللجنة المركزية والمجلس الثوري، ولا تتمتع بصفة المال العام. غير أن هذا الفصل النظري بين المال العام والمال الحزبي ظل عقوداً ملتبساً على أرض الواقع، فمنذ تولي حركة فتح قيادة منظمة التحرير في أواخر ستينيات القرن الماضي، تداخلت البنى التنظيمية والإدارية بين الطرفين، وتولت كوادر "فتح" إدارة مؤسسات المنظّمة وأموالها. وبحسب مصادر التحقيق، أفرز هذا التداخل التاريخي منطقة رمادية في ملكية عقارات وأصول، سيما تلك المسجلة بأسماء شخصيات قيادية أو كيانات أخرى، ومن هنا بدأت الأزمة.

متى بدأت المشكلة وكيف؟
 
تتركز المشكلة في سورية حول أملاك حركة فتح بحسب مسؤول في منظمة التحرير الفلسطينية كان مكلفاً بمتابعة هذا الملف، وفضّل عدم الكشف عن هويته لكونه غير مخول بالتصريح لوسائل الإعلام، واللافت أن الأمر تكرّر كثيراً في أثناء العمل على هذا التحقيق، إذ قبلت بعض المصادر، بعد إلحاح، الحديث مع اشتراط إخفاء هويتها، بينما وافقت مصادر أخرى ثم تراجعت في اللحظة الأخيرة، ما يفسّر حالة الخوف والضبابية ويؤكد غياب الشفافية في التعامل مع الملف منذ عقود.
يتفق المصدر مع هذا التقييم ويكمل إن أملاك المنظمة في سورية، وعددها 13 عقاراً، وضعت تحت إدارة الصندوق القومي الفلسطيني، لذا "نجت من سطو المنشقين عن فتح عام 1983، الذين استولوا فقط على أملاك الحركة"، علماً أنهم حاولوا الاستيلاء على بعض أملاك المنظمة، لولا بعض الشخصيات الفلسطينية التي برزت في معسكر معارضة قيادة منظّمة التحرير في مراحل مختلفة، وتصدّت لذلك، أمثال خالد الفاهوم، الرئيس السابق للمجلس الوطني الفلسطيني، وطلال ناجي، القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين/ القيادة العامة، وعبد المحسن أبو ميزر، عضو اللجنة التنفيذية السابق لمنظمة التحرير، إلا أن تلك الأملاك بقيت مجمّدة من دون استخدام من أحد.
أما أملاك حركة فتح التي كنت تسجل بأسماء شخصيات سورية، فلا يوجد فعلياً منها تحت سيطرة الحركة اليوم سوى عقارين، أحدهما مقر السفارة الفلسطينية في دمشق، وقد تم الحصول عليهما من السلطات السورية الجديدة بـ"قرار سياسي"، وفق المصدر. ويتطابق ذلك مع ما يقوله شاويش أن العقارات كانت في عهد النظام السابق مسجّلة بأسماء مقربين من قيادات الفصائل، لكن فعلياً لا يمكن التصرّف بها إلا بقرار أمني من الدولة السورية، أي أن عملية بيع أو نقل ملكية تحتاج إلى موافقة أمنية رسمية عبر كتاب موجه من المنظمة إلى الأجهزة السورية. ومن هنا تمكن المنشقّون المدعومون من النظام السوري آنذاك من الاستيلاء على "اسم فتح" في سورية، ووجّهوا الكتب باسمها، وبعد خروج منظّمة التحرير من سورية في 24 يونيو 1983، وضعت العقارات تحت تصرّف فصائل، مثل الجبهة الشعبية -القيادة العامة وحركة فتح الانتفاضة بالتنسيق مع الأمن السوري، لا بهدف البيع، بل للاستغلال.
المشكلة نفسها تتجلى في لبنان، بحسب مصدر دبلوماسي في السفارة الفلسطينية في بيروت وافق على الحديث إلى معدّة التحقيق من دون ذكر اسمه، مبيناً أن "حركة فتح لجأت، في مرحلة معيّنة، إلى تسجيل عقاراتٍ كثيرة بأسماء أفراد، إلا أن هذا الخيار تسبّب لاحقاً بإشكالات معقّدة، خصوصاً بعد وفاة الذين سُجّلت الممتلكات بأسمائهم، إذ انتقلت الملكية تلقائياً إلى الورثة. ومع غياب أي مطالبة قانونية واضحة من الجهة الأصلية، أقدم بعض هؤلاء الورثة، في حالات عدة، على بيع العقارات، ما أدى إلى تسرّب جزء كبير منها إلى مالكين جدد".
في المقابل، يندرج القسم الثاني ضمن الأملاك المسجّلة في بيروت باسم منظّمة التحرير الفلسطينية باعتباره كياناً رسميّاً. وبحسب المصدر نفسه، تعدّ هذه الممتلكات أكثر وضوحاً من الناحية القانونية، إذ إن عقود البيع وصكوك الملكية الخاصة بها محفوظة ضمن سجلات الصندوق القومي الفلسطيني في عمّان، وكان جزء من هذه العقارات مسجّلاً بأسماء لبنانيين، ما أتاح في بعض الحالات استعادتها عبر تسويات هادئة وسرّية. ويفيد بأنّ "المنظمة نجحت في استرجاع عدد من هذه الأملاك بتفاهماتٍ مباشرة، منها حالة محامٍ بارز ونائب لبناني سابق كان مقرّباً من المنظمة، وقد بادر إلى التنازل عن عقار يقع إلى جانب مكتب منظمة التحرير في منطقة كورنيش المزرعة في بيروت، وأعاده إلى ملكيتها".
يضيف المصدر الدبلوماسي السابق والعامل في السفارة الفلسطينية في بيروت أن جزءاً من العقارات الأخرى تعرّض لعمليات بيع تحت الضغط خلال مراحل الانقسام داخل حركة فتح، وكانت ممتلكات المنظّمة، وفق تقديراته، تتجاوز ألفي عقار، غير أنّه لم يعد بالإمكان تحديد العدد الفعلي لها. وهي تمتد على مساحات جغرافية واسعة من عكّار شمالاً إلى العاصمة بيروت وصولاً إلى الجنوب. ففي عكّار، منح الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بعض العقارات لجهات دينية أو مؤسّسات ذات طابع خيري، مثل دار الفتوى. وفي المقابل، في الجنوب، منحت عقارات لصالح جمعيات خيرية في إطار مبادرات وُصفت حينها بأنها "لفتات دعم وردّ جميل". كما يلفت المصدر إلى وجود حالات أخرى، كان فيها أشخاص مكلّفون بحماية هذه العقارات في فترات سابقة، حيث جرت إعادة بعض الأملاك إلى المنظمة مقابل تعويضات مالية.
خريطة توزيع الأملاك في سورية ولبنان
تعزّز وجود منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عقب خروج الفصائل من الأردن بعد أحداث 1970، فانتقل ثقلها التنظيمي والسياسي إلى بيروت، حيث تركزت مكاتب المنظّمة وفصائلها في حي الفاكهاني غربي العاصمة، والذي تحوّل إلى مركز نفوذ فعلي. ومع توسّع نشاطها السياسي والمؤسسي خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، ازدادت الحاجة إلى مقار إدارية وعسكرية، إضافة إلى وحدات سكنية.
وبين عامي 1975 و1982، شهدت عمليات شراء الشقق والأراضي والمباني وتيرة متسارعة، بلغت ذروتها قبيل خروج المنظّمة من بيروت عام 1982. ولم تقتصر هذه العمليات على تلبية الاحتياجات اللوجستية، بل شملت أيضاً توجهاً استثمارياً واضحاً، إذ سعت المنظمة إلى تأمين مصادر دخل ثابتة عبر القطاع العقاري، في بلد يقوم جزء أساسي من اقتصاده على الريع، كما يقول الكاتب الفلسطيني محمد سعيد دلبح أن الجزء الأكبر من هذه الممتلكات يعود فعلياً إلى حركة فتح، وقد تمّ تمويلها عبر حملات دعم خليجية سُجّلت بمعظمها باسم كبار القيادات". ومن هذه الأملاك مؤسسة صامد، وهي جمعية إنتاجية تأسّست عام 1970 ضمن مؤسّسات حركة فتح، وبدأت نشاطها من لبنان قبل أن تتوسع لاحقاً إلى سورية، بهدف تشغيل أبناء الشهداء وتأهيل جرحى الحرب ومشوهيها، ويفيد المصدر السابق العامل في السفارة الفلسطينية بلبنان بأن جزءاً من العقارات كان يُسجَّل أيضاً بأسماء لبنانيين، وهذه الأملاك شقق سكنية تتراوح مساحتها بين 60 و200 متر مربع".
إلى ما سبق وفي سورية لدى المنظمة أملاك عديدة، لكن ملفها مليء بالعراقيل، كما يضيف قيادي فلسطيني رفيع المستوى من بين أعضاء اللجنة المكلفة بالعمل على الملف، التقاه "العربي الجديد" عرضاً في مقر السفارة الفلسطينية في لبنان، بينما كان من المفترض انعقاد اللقاء مع القسم الاعلامي، ولدى إحالتها إلى المسؤول الموجود للعمل على الملف، اشترط تجهيل اسمه للموافقة على الحديث، قائلاً إن لدى المنظمة نحو 240 عقاراً، منها أصول ذات مساحات واسعة واستخدامات تعليمية واجتماعية. وخص بالذكر أرضاً تبلغ مساحتها نحو ألف دونم تضم المدينة التعليمية لأبناء شهداء ومجاهدي فلسطين، إضافة إلى مؤسّسة للطفولة، في منطقة عدرا بمحافظة ريف دمشق، لكن هذا العقار استملكه الجيش العربي السوري، وبعد التحرير وزوال نظام الأسد، جرت محاولات للتواصل مع وزارتي الشؤون الاجتماعية والدفاع السوريتين من أجل استرداده.
تتقاطع الإفادة السابقة مع ما أدلى به نبيل السهلي، الباحث السابق في مكتب الإحصاء الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في دمشق، استناداً إلى عمله الطويل على أملاك المنظمة: "نعم عددها عشرات العقارات في دمشق، إضافة الى أراض في الديماس والصبورة ودرعا وعدرا"، وفي المقابل، 60% أو 70% من أملاك حركة فتح في سورية قد بيعت بالفعل، سواء بشكل قانوني أو جرى الاستيلاء عليها بطرق احتيالية. وعدّد السهلي بعض أملاك فتح ومنظمة التحرير في سورية، منها مركز الإحصاء الفلسطيني في دمشق، وبناء كامل في شارع الباكستان من 3 طوابق يضم وكالة "وفا" للأنباء ومكتب الرئيس ياسر عرفات، وسفارة دولة فلسطين في شارع مرشد خاطر بدمشق، ومكتب كبير إلى جانب مشفى الطلياني بدمشق، والمكتب الغربي في حي القصور بدمشق، وبناء في منطقة البرامكة بدمشق، ومركز الدراسات الفلسطينية في منطقة الروضة، ومستودعات في منطقة القدم بدمشق (باعتها فتح الانتفاضة منذ سنوات)، ومعسكر تدريب في عين ترما بريف دمشق، ومعسكر تدريب في منطقة التل بريف دمشق، ومعسكرات ومرآب سيارات في جسرين وعربين في الغوطة الشرقية، ومنشآت ومزارع أبقار على طريق دمشق-درعا، وممتلكات ومبانٍ في مخيم اليرموك، ومبانٍ وعقارات دمرت أو تضرّرت جزئياً مثل مبنى الشهيدة حلوة زيدان المرتبط بمؤسّسات منظمة التحرير في مدخل مخيم اليرموك.
كما ذكر السهلي أن هناك 14 دائرة لمنظمة التحرير في دمشق أغلبيتها ملك، وليست مستأجرة، مثل دائرتي الثقافة والشؤون الاجتماعية ومكتب المجلس الوطني الفلسطيني والصندوق القومي الفلسطيني ودائرة التربية والتعليم ومكتب أسر شهداء وجرحى فلسطين ومكتب أمانة سر منظمة التحرير والدائرة الاقتصادية، وغيرها، وجميع تلك المكاتب في وسط العاصمة السورية دمشق وعلى وجه الخصوص في منطقتي السبع بحرات والمزرعة، أي أنها في مناطق حيوية وقيمتها المالية مرتفعة.
 
ضياع 90% من الممتلكات
رسم القيادي الفلسطيني رفيع المستوى والعامل على الملف صورة شديدة التعقيد لإرث عقاري بدأ تكوينه منذ سبعينيات القرن الماضي، قائلاً إن المنظمة كانت تمتلك مئات العقارات التي سُجلت بطرق مختلفة، بعضها بأسماء أشخاص، وبعضها باسم الصندوق القومي الفلسطيني، الذراع المالية لمنظمة التحرير، أو مؤسّسة صامد قبل أن يتراجع دورها بعد إنشاء السلطة الفلسطينية عام 1994. ويصف المصدر الملف بأنه "ملخبط بشكل شائك"، مع تعدّد الجهات والأفراد الذين سُجلت الأملاك بأسمائهم، وغياب سجل مركزي مكتمل يحدّد ما بقي منها وما فُقد، موضحاً أن ما تسعى الجهات الفلسطينية إلى تتبعه اليوم لا يمثل سوى جزء محدود مما كان موجوداً أصلاً، إذ يقدر أن أكثر من 90% من الممتلكات ضاعت أو خرجت من يد المنظّمة، وأن الجهد الحالي يتركز على حصر ما تبقى قبل أن يلحق بالمفقود.
ويضيف أن استعادة الأملاك المسجلة بأسماء لبنانيين وفلسطينيين تواجه عقباتٍ كبيرة، فقلة فقط ممن سُجلت العقارات بأسمائهم تقر بأن الملكية الفعلية تعود إلى المنظمة، فيما توفي آخرون أو انتقلت الأملاك إلى ورثتهم، الأمر الذي يزيد تعقيد إثبات الحقوق القانونية.
ويتولى فريق العمل على الملف، بالتنسيق مع المستشار القانوني للرئيس الفلسطيني وائل لافي، وفق ما يكشفه المسؤول نفسه، وبدأ بتتبع وثائق ملكية عقارات وأراض متفرّقة في لبنان. ومن بين الملفات التي يجرى فحصها، بحسب روايته، قطعة أرض تبلغ مساحتها نحو  ثمانية آلاف متر مربع ومسجلة باسم جهة فلسطينية، شُيدت عليها مبانٍ تستخدمها الأمم المتحدة، منها عيادات ومدارس، كما يتحدث عن أراضٍ أخرى في بلدة الناعمة الساحلية التابعة لقضاء الشوف في محافظة جبل لبنان، والشياح جنوب بيروت، والغبيري في الضاحية الجنوبية، وعن عقارين أقامت عليهما وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) مدارس، بينما يجرى التحقق من الوضع القانوني لعقارات أخرى استُخدمت أو استؤجرت في فترات سابقة.
ويقر المصدر بأن الفريق لا يملك بعد القدرة على استعادة غالبية ما فُقد، قائلاً إنهم قد يتمكنون من استرداد 5% فقط من العقارات الضائعة، لكنه يؤكد أن الأولوية ليست لملاحقة كل ما خرج من ملكية المنظمة في العقود الماضية، بل "ملاحقة ما هو باقٍ قبل أن يضيع". ويضيف أن المشكلة الأساسية تكمن في تسجيل أملاكٍ كثيرة بأسماء أفراد، إذ يقول إن المنظمة تخشى أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى فقدان العقارات نهائياً، في ظل ما يصفها بصعوبة الحصول على تعاون رسمي لبناني لإجراء مسح شامل للأملاك.
؟
قال رئيس الصندوق القومي الفلسطيني وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، رمزي خوري، في 2019، ووقتها كان يشغل منصب مدير عام الصندوق، إنه جرى حصر الممتلكات العقارية للمنظمة في الخارج، وتم توثيقها رسمياً باعتبارها ممتلكات عامة، وقد بلغ عددها 28 عقاراً في  2005. وبشأن ما تملكه المنظمة من عقارات في سورية، شدد في تصريحات صحافية على أن ما تم تثبيت ملكيته ستة عقارات، فضلاً عن خمسة أخرى يجرى العمل على تثبيت ملكيتها باسم الصندوق القومي الفلسطيني.
وهو ما يتضارب مع حديث بقية المصادر، ولذا حاولنا مراراً التواصل مع خوري للاطلاع على آخر المعطيات التي بحوزته بشأن أملاك المنظمة في سورية، عبر السفارة الفلسطينية في عمان، دون استجابة.
على كل، لا يخفي القيادي المكلف بالعمل على الملف من رئاسة السلطة أن استعادة العقارات ليست غاية نهائية بحد ذاتها، إذ يقول إن جزءاً من الأصول التي يمكن تثبيت ملكيتها قد يُباع مستقبلاً لتوفير موارد لمؤسسات تعليمية فلسطينية. وأفاد بأن مؤسّسة محمود عباس للتعليم تنفق على آلاف الطلبة الجامعيين، معتبراً أن بعض هذه الأملاك كانت تستخدم مساكن أو لأغراضٍ شخصية، ولم تحقق، بحسب قوله، عائداً مالياً للمنظمة، ويعيد المصدر بداية الاهتمام الجدي بهذا الملف إلى عام 2005، حين أثاره الرئيس الفلسطيني، بحسب روايته، غير أنه يقول إن المحاولات السابقة لم تحقق النتائج المرجوّة، وإن مسؤولين أو وكلاء كُلّفوا بمتابعة الملف ولم يستطيعوا المضيّ فيه على نحو كاف بالرغم من توفير الإمكانات اللازمة لهم من  محامين ومكاتب قانونية، مفضلاً عدم تسمية من شاركوا في المتابعة ولم يصلوا إلى نتائج.
 
معضلة المنشقين
يستعيد مسؤول العلاقات السياسية في إقليم حركة فتح بلبنان، فيصل فرحات، تفاصيل واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في ملف أملاك منظمة التحرير الفلسطينية الضائعة، منقباً في سراديب الذاكرة عن الواقعة التي تعود إلى عام 2006، حين كُلّف برفقة رئيس الدائرة السياسية السابق في المنظمة، فاروق القدومي، بمهمّة استرجاع قطعة أرض ملاصقة لمبنى مكتب المنظمة في بيروت، كانت مسجلة بأسماء مالكين لبنانيين، فيما كان المحامي والوزير والنائب اللبناني السابق عصام نعمان يتولى وكالتها القانونية.
وأوضح فرحات لـ"العربي الجديد" أن القطعة شيّدت عليها أربعة عقارات، ونتيجة تأخير نعمان في تسجيلها اجتهد فرحات في ضبط أوراقها لضمان عدم ضياعها، قائلاً إنه استعان بصديق يعمل في قطاع العقارات، وتمكن من الحصول على تنازلاتٍ من المالكين الأصليين، ونقل العقارات إلى اسمه، مع إبقاء جزءٍ منها باسم الشخص الذي ساعده على إنجاز المعاملة. ويؤكد أن جميع المستندات المتعلقة بهذه العملية سلمت إلى الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس عام 2010، ثم إلى القاضي وائل اللافي (المستشار القانوني الحالي للرئيس الفلسطيني)، نافياً شائعات تداولها بعضهم تدعي زوراً أن غرضه كان الاستيلاء على العقار، قائلاً "لو كانت لدي نية التصرف بها للمصلحة الشخصية لسجلتها باسم الوالد".
ويعكس المثال السابق تشابكات تسلسل ملكية عقارات المنظمة وتعقيداتها، في ظل نقلها بين شخصياتٍ متعدّدة، ما يوضح حجم الالتباس والغموض في الملف. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل أخذت القضية، بحسب فرحات، منحى قضائياً بعدما فوجئ بدعوى مرفوعة ضدّه وضد من ساعده على عملية الشراء، تتهمه بالاستيلاء على الأرض، مضيفاً أن هذه القضية كبدته المثول أمام القضاء وترك لبنان 20 عاماً قضاها في تونس، ولا يزال يعمل، وفق تعبيره، على "تبييض سجله".

وفي حين امتنع فرحات عن الإفصاح عن المبلغ الذي حصل عليه مقابل التنازل عن العقار للمنظمة، نفى صحة روايات متداولة عن تقاضيه 120 ألف دولار لقاء هذا، مؤكّداً أن كلفة شراء الأرض ورسوم التسجيل والمعاملات القانونية وأتعاب المحامين تجاوزت هذا المبلغ. وأفاد بأن المساحة الكلية تبلغ نحو 1650 متراً مربعاً، وأنه تنازل عنها عام 2010 لصالح شركة أُنشئت خصيصاً لهذه الغاية تحمل اسم "اللؤلؤة"، تعود ملكيتها إلى رجل أعمال لبناني، قبل أن تباع لاحقاً، من دون أن يعرف هوية مالكها الجديد أو قيمة الصفقة.

وقد أعاد السفير الفلسطيني السابق في لبنان، أشرف دبور، إثارة هذه القضية في منشور على صفحته في "فيسبوك" في 27 نوفمبر 2025، تناول فيه تفاصيل عملية بيع مبنى مكتب منظمة التحرير في بيروت والأرض المحيطة به، مشيراً إلى أنه كان مسجلاً باسم الراحلة سلوى الحوت (المديرة العامة للصندوق القومي الفلسطيني حتى وفاتها في 10 إبريل/ نيسان 2025)، بينما سُجلت الأرض المجاورة له باسم مسؤول لبناني، ثم طلب رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير السابق (الراحل)، فاروق القدومي، من المسؤول اللبناني التنازل لشخصٍ لبناني آخر، وبحسب دبور، كلف الرئيس الفلسطيني، محمود عبّاس، لجنة لمتابعة القضية، طلبت من اللبناني الذي سُجلت الأرض باسمه التنازل، وهو ما جرى فعلاً بعد التفاوض معه.

ما سبق مثال من بين نماذج يسوقها القيادي الفلسطيني من المكلفين الأساسيين بالعمل على الملف، كان "العربي الجديد" قد التقاه في مقر السفارة الفلسطينية بلبنان، حيث أفاد بأن قطعة الأرض التي كانت مسجّلة باسم سلوى الحوت، أبدى شقيقها زياد للقائمين على الملف استعداده لإتمام تنازل رسمي عنها فور تسوية الرسوم المترتبة عليه. غير أن مشكلة أكثر تعقيداً تعترض الملف، إذ يقول المصدر نفسه إن اللجنة المكلفة بعملية الاستعادة برئاسة ياسر عباس، تواجه معضلة "المنشقين" عن حركة فتح الذين باعوا معظم الأملاك التي استولوا عليها. وكثير منها بيعت لعدة أشخاص متتابعين، أي من اشترى في المرّة الأولى أعاد البيع لآخر، وهذا باعها لغيره، وهكذا. 

إلى المحامي ظافر الخضراء، الذي عمل مع حركة فتح ومنظمة التحرير منذ الثمانينيات (توفي عام 2021) وورث ابنه مجدي أعماله، قائلاً إنه ساهم في بيع معظم الأملاك والنزاع القضائي يتركز حالياً مع مجدي لمحاولة استعادة بعض تلك الأملاك، إذ لا يعترف بوجود وثائق كانت في حوزة أبيه، ويرفض التعاون مع اللجنة الفلسطينية المكلفة باستعادة الأملاك.

في المقابل، رفض مجدي الخضراء هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، وقال لـ"العربي الجديد" إن أملاك كل من منظّمة التحرير وحركة فتح في سورية "كانت تديرها المخابرات السورية والمنشقون ولا يستطيع (والده) الوقوف بوجههم"، لافتاً إلى ضغوط شديدة مورست على والده لتسليم الأملاك للمنشقين. وأضاف أنه في عام 2018 رفعت عليه شخصياً 16 قضية من منظمة التحرير وحركة فتح اتهم فيها بأنه باع أملاكاً وقبض أموالاً، لكنهم خسروا هذه القضايا، في حين وضع الأمن العام السوري يده اليوم على هذه الأملاك كلها وطرد من كان فيها. وفي مقدور منظّمة التحرير مراجعة السجل العقاري للحصول على البيانات الكاملة للأملاك. وأفاد بأنه استصدر عشرة إخراجات قيد من السجل العقاري تتضمن بيانات ملكية تخص منظمة التحرير الفلسطينية، وسلّمها إلى السفير الفلسطيني في سورية، سمير الرفاعي.

مفاوضات مع الحكومة السورية

يقدّر المحامي مجدي الخضراء أملاك حركة فتح في سورية بـ 45 عقاراً، إضافة إلى 95 عقاراً لبقية الفصائل الفلسطينية، وضعت الإدارة السورية الجديدة يدها عليها. ووفق المصدرين: مسؤول في منظمة التحرير كان مكلفاً بمتابعة ملف الأملاك طلب حجب اسمه نظراً إلى حساسية المرحلة كما يقول، والمحامي مجدي، سيطر "المنشقّون" عن حركة فتح، (فصيل فتح الانتفاضة) بمؤازرة السلطات السورية آنذاك على أملاك "فتح" تباعاً منذ عام 1983، نظراً إلى أن معظمها كان مسجلاً باسم محمد سلامة جرادة مسؤول الشؤون المالية في حركة فتح آنذاك (توفي في 23 يوليو / تموز 2020)، الذي أجبر تحت التهديد على نقل ملكيتها إلى أشخاصٍ في "فتح الانتفاضة" أمثال أبو خالد العملة (أحد أبرز قادة الانشقاق عن فتح عام 1983، توفي عام 2012) بتوثيق من ظافر الخضراء.

ويضيف المسؤول أن المنظمة والصندوق القومي الفلسطيني بادرا إلى رفع 40 قضية في سورية لاستعادة هذه الأملاك، اعتباراً من عام 2000 الذي شهد انفراجاً سياسياً ملحوظاً واستعادة تدريجية للعلاقات بين المنظمة والنظام في دمشق، بالاستناد إلى توكيل رسمي من جرادة لمحمود عبّاس، والذي كان وقتها أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو منصب تولّاه من 1996 إلى 2004، فضلاً عن أنه رئيس دائرة العلاقات القومية والدولية في المنظمة حتى عام 2000، وبموجب التوكيل ترفع القضايا باسم الصندوق القومي الفلسطيني.

ولفت المسؤول الفلسطيني إلى أن الحكومة السورية الجديدة وضعت يدها على كل العقارات التي استولى عليها المنشقّون، وتجري مداولات مع ممثليها لبحث مصيرها، سواء عبر المكلف منها بمتابعة الملف الفلسطيني باسل أيوب (أبو عبد الرحمن) أو عبر أشخاص من وزارة الخارجية السورية، وقد عُقد اجتماعان مع ممثلي الحكومة. واكتفى باسل أيوب (فلسطيني من كوادر هيئة تحرير الشام)، بإجابات مقتضبة عن أسئلةٍ وجهها "العربي الجديد"، إذ نفى أن إجراء وضع الدولة السورية على مجمل أملاك الفصائل الفلسطينية نهائي، ما يعني عملياً شطب الوجود الفصائلي الفلسطيني في سورية، قائلاً: "هذه المعلومات غير صحيحة".
 
وفي رده على سؤال بشأن حقيقة توجه الحكومة السورية إلى التعامل مع الوجود الفصائلي في سورية، وهل سيسمح للفصائل بتملك عقارات أم ينطبق قرار حل الفصائل في سورية أيضاً على الوضع الفلسطيني، أجاب أيوب "الأمر قانوني بحت، وقد طلبنا من اللجنة المكلفة من دولة فلسطين الأوراق والإثباتات، أي ما يؤكد الملكية وجرداً تفصيلياً لتلك العقارات".
 
ويوضح المحامي مجدي الخضراء أن موضوع إثبات الملكية "سهل جداً، لأن جميع الأملاك مسجلة في السجل العقاري، إذ يمكن إرسال شخص من السفارة الفلسطينية بدمشق إلى مديرية السجل العقاري والحصول على إخراجات قيد كل الأملاك الموثقة". و"عليهم تالياً التوضيح للسلطات السورية أن الأملاك المسجلة باسم جرادة تعود ملكيتها لمنظمة التحرير الفلسطينية بالاستناد إلى الوكالة التي نظمها جرادة للرئيس محمود عبّاس بالتصرّف بهذه الأملاك كونها مسجلة باسمه صورياً فقط".
 
تبادل الاتهامات
 
يتهم المحامي الخضراء، قيادياً فلسطينياً (تتحفّظ الصحيفة على ذكر اسمه) بأنه باع 16 عقاراً في سورية حين كان رئيساً لدائرة أساسية في منظمة التحرير آنذاك، ويضيف "أن قيادياً آخر (تتحفّظ الصحيفة على ذكر اسمه أيضاً) تصرف في 13 عقاراً وباعها لرجل الأعمال السوري سليم ألتون وابنه ألتون، لكنهما لم يستطيعا تسلّم العقارات، لأنني وضعت إشارات حجز عليها". وأضاف الخضراء أن حوالي 140 مقسماً (مصطلح عقاري يشير إلى قطع أراضي دخلت حيز العمران) تابعة لجمعية أسر شهداء فلسطين كانت مسجلة باسم محمد سلامة جرادة، وقد تنازل مدير الجمعية توفيق إحسان صالحة، عنها كاملة لوزارة الدفاع السورية عامي 1985 و1986 مع الاحتفاظ بإدارة الأرض فقط، موضحاً أنه عرض الوثائق التي تثبت هذا أمام رئيس اللجنة المكلفة بحصر الأملاك ومتابعتها، ياسر عباس.
 
وفي تعليقه على كلام مجدي الخضراء، قال المسؤول في منظمة التحرير الذي كان مكلفاً بمتابعة ملف الأملاك إن التعقيدات المحيطة بالعمل تتزايد إلى درجة أن شخصاً كان يحاول بيع بعض الأملاك مستخدماً اسم القدومي، لكن الأمر لم يتم، ولم تنفذ أية عمليات بيع. وجدّد القول إن كل الأوراق الخاصة بعمليات البيع من المفترض أن تكون عند ظافر الخضراء، وإنها باتت في حوزة الخضراء. وأوضح أن سلامة جرادة نظم بالفعل وكالتين، واحدة للمنشقين تحت الضغط، وأخرى للرئيس محمود عبّاس، وبموجب الوكالة الأخيرة، ترقع منظمة التحرير دعاوى لاستعادة الأملاك باسم الصندوق القومي الفلسطيني.
ويؤكد مصدران، أحدهما السهلي، والآخر المسؤول في منظمة التحرير الذي كان مكلفاً بمتابعة هذا الملف، أن عضو المجلس الثوري لحركة فتح اللواء فؤاد الشوبكي، الذي تولّى أيضاً مسؤولية مالية في الحركة في ثمانينيات القرن الماضي، سُجّلت باسمه بعض عقارات لمنظمة التحرير وحركة فتح في سورية، من دون أن يتسنّى تحديد عددها. وقال المصدران إن الشوبكي أُجبر، بعد انشقاق مجموعة من قيادات الحركة عام 1983، على التنازل عن هذه العقارات. وكان الشوبكي قد عاد إلى الأراضي الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو، قبل أن تعتقله إسرائيل عام 2006 وتفرج عنه في مارس/ آذار 2023، ليوافيه الأجل في ديسمبر/ كانون الأول 2024. وحول عدم تحرّك منظمة التحرير وحركة فتح بفاعلية لإثبات ملكية تلك العقارات، اعتبر المسؤول أن هذا يعود إلى ضعف أداء السفير الفلسطيني في سورية سمير الرفاعي، ما اقتضى إعمال حق الرد، حيث سعى "العربي الجديد" للوصول إلى السفير عبر هاتفه أربع مرات من دون استجابة.
 
سرقة أموال التنظيم
 
هل لجأت المنظمة أو حركة فتح إلى ضمانات تحفظ حقوقها، بمعنى أن يتعهد من سُجلت باسمه بعدم الاستيلاء عليها أو التصرف بها؟ تجيب المصادر بأنهم كانوا يثبتون في صحيفة بيانات العقار إقراراً بأنه ليس ملكاً شخصياً له بل يعود للمنظمة، لكن المحامي الفلسطيني السوري، غياث دبور، يقول لـ"العربي الجديد" إن لا قيمة قانونية لمثل هذا الإقرار، إذ تكون الحجّية لمن سجل العقار باسمه، مشيراً إلى أن قيود السجل العقاري تتمتع بقوة حجية مطلقة، ولا يطعن فيها إلا بالتزوير، بينما في لبنان ترى الباحثة وهبي، التي درست أوضاع الملكيات غير الموثّقة للاجئين الفلسطينيين ومنظمة التحرير في لبنان، إلى جانب العقارات العامة والخاصة المتروكة في أحياء من وسط بيروت، أن هذه الوثائق قد تفيد في عملية المطالبة بهذه الأصول ويبقى الأمر رهناً باستجابة القضاء.
ولهذا يرى المحامي الفلسطيني، أيمن أبو هاشم، الذي عمل سنوات مع الجبهة الشعبية - القيادة العامة قبل أن ينشق عنها ويغادر سورية في بداية الثورة ضد النظام السوري، أن استعادة الأملاك مشكلة صعبة ومعقدة، ولها جوانب عسيرة. وقال لـ"العربي الجديد" أن عقارات مسجلة بأسماء مسؤولين في التنظيمات أو زوجاتهم وأبنائهم، بيع قسم منها لأطراف أخرى، وتربحوا من الملكيات من دون علم التنظيم، وهو ما يعد سرقة لا شك فيها. والمشكلة الأخرى أن بيوعات تمت وسط شبهات بوجود عمليات تزوير واحتيال في نقل الملكية، وهذه مسألة شائكة لتحديد صاحب الملكية الحقيقي وكيفية استردادها، سيما أن بعض عمليات البيع مضى عليها أكثر من 20 عاماً.

ويضيف أبو هاشم أن عقاراتٍ عديدة كان عليها إشارة حجز لـ"الضابطة الفدائية" (قسم أمني يتبع شعبة المخابرات العسكرية السورية اختص بمراقبة الفصائل الفلسطينية) ثم لصالح "فرع فلسطين" (تابع لشعبة المخابرات العسكرية سابقا)، وقد التفّ من سجلت باسمهم على إشارات الحجز بالتعاون مع ضباط من مخابرات النظام السوري السابق، لبيعها بأسعار أقل من قيمتها الفعلية، وهو ما يتطلب مراجعة تلك العمليات للوصول الى أصحاب العقارات الحقيقيين والضباط المشترين.

ماذا سيجري لما يُستعاد؟

لا يوجد اتفاق على كيفية التصرّف بالأملاك الفلسطينية في سورية، بحسب مسؤول في دائرة العلاقات العربية في المنظمة أكد أن جميع الأملاك التي يتم وضع اليد عليها واستعادة ملكيتها تسجل فوراً باسم الصندوق القومي الفلسطيني بوصفه الدائرة المالية لمنظمة التحرير، مبيناً أن أصواتاً فلسطينية سورية تطالب بإنشاء صندوق وطني تحول إليه هذه الممتلكات، ويخصّص ريعه للمساهمة في إعادة إعمار المخيمات والتجمعات التي دمرت أو تضرّرت جرّاء الحرب السورية، إضافة إلى تقديم مساعدات للحالات الصعبة من أبناء الشعب الفلسطيني في سورية ولبنان.

وفي بيان لها صدر في 27 أغسطس 2025، قالت مبادرة فلسطينيي سورية للرقابة الشعبية (مرصد) أن أملاك منظمة التحرير والفصائل في سورية "ملك عام للشعب الفلسطيني، وليست للبيع أو للمقايضة السياسية"، مشددة على أن هذه الممتلكات تمثل "ذاكرة الفلسطينيين ووجودهم في سورية، ولا يجوز تحويلها إلى ملكية خاصة أو أداة لمصالح حزبية أو شخصية". ويشير البيان إلى أن المبادرة تابعت تحركات نجل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس بإحصاء أملاك منظمة التحرير وحركة فتح في لبنان تمهيداً لبيعها، مع الإشارة إلى انتقال اللجنة لاحقاً إلى العمل على أملاك المنظمة في سورية. مؤكدة أن هذا الملف "وطني عام، لأنه يخصّ جميع الفلسطينيين وأجيالهم، وطالبت قيادة منظمة التحرير وبقية الفصائل بالكشف عن جميع الأملاك في سورية، مشدّدة على رفض أي عملية بيع أو تفريط بهذه الممتلكات، ودعا البيان إلى تشكيل لجنة رقابية مستقلة من شخصيات حقوقية واقتصادية فلسطينية في سورية لمتابعة هذا الملف.

وأفاد المحامي أبو هاشم بأن عدة مقترحات يجرى تداولها بالفعل في الأوساط الفلسطينية، مثل إيداع ريع هذه العقارات في صندوق يتولى مساعدة أهالي المعتقلين الذين عذبوا في سجون النظام السابق والفئات الأكثر فقراً وتهميشاً، أو إعادة إعمار التجمعات الفلسطينية المتضرّرة في الحرب. ولفت إلى أن قضية الصندوق تحتاج إلى إطار رسمي وقانوني بالتعاون بين الجهات الفلسطينية المعنية والدولة السورية.

خلل بنيوي