2026-09-11 10:22 م

الانتخابات الفلسطينية: بين تجديد شرعية السلطة واستعادة الشرعية الوطنية

2026-09-11

بقلم: بسام عليان
في الوقت الذي يجري فيه الحديث عن ترتيبات جديدة للانتخابات الفلسطينية، وعن اجتماعات ولقاءات تشاورية في القاهرة وغيرها، تبدو القضية في ظاهرها وكأنها استجابة طبيعية لمطلب ديمقراطي طال انتظاره: إعادة الشرعية إلى المؤسسات الفلسطينية، وترتيب البيت الداخلي، وتجديد التمثيل السياسي.

لكن، وكما يقال دائمًا، هناك «لكن» كبيرة لا يجوز تجاوزها.

فالصورة التي يجري تسويقها بوصفها استحقاقًا ديمقراطيًّا بدهيًّا تصبح أكثر تعقيدًا حين توضع في سياق الواقع الفلسطيني الحقيقي: شعب يعيش تحت الاحتلال، وأرض تتعرض للابتلاع والاستيطان، وقطاع غزة خرج من واحدة من أكثر مراحل الحرب والدمار والتهجير قسوة، و القدس خارج السيطرة الفلسطينية، واللاجئون موزعون في المنافي والمخيمات، والضفة الغربية مقسّمة ومحاصرة، فيما تتراجع القدرة الفلسطينية على التأثير في شروط الوجود الوطني نفسه.

في مثل هذه الظروف، ينبغي ألا يكون السؤال الأول: من سيفوز في الانتخابات؟ بل ينبغي أن نسأل قبل ذلك: ماذا ننتخب؟ وأي كيان سياسي سنمنحه شرعية جديدة؟ ومن الذي سيُعاد إنتاجه من خلال هذه الانتخابات؟ وهنا تحديدًا تبدأ القضية الحقيقية. سلطة أم مشروع وطني؟

منذ اتفاق أوسلو نشأت في الحالة الفلسطينية إشكالية سياسية ووطنية عميقة نتيجة وجود كيانين مختلفين في الوظيفة والمكانة.

هناك منظمة التحرير الفلسطينية التي يفترض، من حيث نشأتها وتاريخها ووظيفتها الوطنية، أن تمثل الشعب الفلسطيني أينما وجد، في الوطن والشتات، وأن تكون الإطار السياسي الجامع للشعب الفلسطيني وحركته التحررية.

وفي المقابل، هناك السلطة الفلسطينية التي نشأت بموجب اتفاقات سياسية انتقالية لإدارة شؤون السكان في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، ضمن حدود وصلاحيات ومجالات عمل حددتها الاتفاقيات، بينما بقيت القضايا الجوهرية، كالقدس واللاجئين والحدود والمستوطنات والسيادة، خارج سلطتها الفعلية. وهكذا نشأت سلطة تمتلك مظاهر الدولة، لكنها لا تمتلك مقومات الدولة.

رئيس وحكومة ووزارات وأجهزة ومؤسسات ومجلس وانتخابات، لكن من دون سيادة حقيقية على الأرض أو الحدود أو المعابر أو المجال الجوي أو الموارد الطبيعية.

ومع مرور الوقت، حدث تحول خطير في الوعي السياسي الفلسطيني: تراجعت منظمة التحرير الفلسطينية، التي يفترض أن تكون الإطار الوطني الأعلى والأوسع، وأصبحت السلطة الفلسطينية هي المركز الفعلي للحياة السياسية الفلسطينية.

وهذا لم يكن مجرد تغيير إداري لقد أصبح الفلسطيني يعيش، بصورة متزايدة، داخل وهم الدولة قبل قيام الدولة، وجود رئيس لا يعني بالضرورة وجود سيادة، وجود حكومة لا يعني وجود دولة، وجود مجلس منتخب لا يعني امتلاك السلطة على الأرض.

ووجود مؤسسات تحمل أسماء المؤسسات الوطنية لا يعني أنها قادرة على ممارسة الوظائف الوطنية التي يفترض بها القيام بها.

فالسلطة تستطيع إدارة بعض شؤون السكان، لكنها لا تملك المجال السياسي والجغرافي الذي يجعل من هذه الإدارة سيادة وطنية ذات نفوذ.

ومن هنا، فإن تجديد مؤسسات السلطة بالانتخابات قد يمنحها شرعية جديدة بوصفها سلطة إدارية وسياسية، لكنه لا يحولها إلى دولة، ولا يحول الفلسطينيين الخاضعين لقيود الاحتلال إلى مواطنين في دولة ذات سيادة، وهذا هو جوهر المسألة.

عندما تتحول الانتخابات من وسيلة إلى غاية

لا أحد يستطيع أن يعترض، من حيث المبدأ، على الانتخابات والديمقراطية وتجديد المؤسسات الشعبية. فالانتخابات ليست وهمًا في ذاتها، ولا تصبح عديمة القيمة لمجرد أنها تجري تحت الاحتلال. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الانتخابات من وسيلة في خدمة المشروع الوطني إلى غاية قائمة بذاتها.

حين يصبح الحديث عن القوائم والمقاعد والتحالفات والحصص والأسماء والمرشحين هو مركز الحياة السياسية، فيما تتراجع الأسئلة الوطنية الكبرى المتعلقة بالتحرر والسيادة والاحتلال ووحدة الشعب الفلسطيني ومستقبل منظمة التحرير. عندها تصبح السياسة الفلسطينية سياسة إدارة للواقع القائم، بدلًا من أن تكون سياسة لتغييره. وهنا يكمن الخطر؛ لأن شعبًا يخوض معركة تحرر وطني لا يجوز أن تتحول قضيته إلى مجرد صراع على إدارة المؤسسات القائمة، ولا يجوز أن يصبح السؤال: من يحكم السلطة؟ بدلًا من السؤال: كيف نحرر الإرادة الوطنية من الاحتلال ومن التبعية ومن الارتهان للترتيبات التي فرضتها اتفاقات أوسلو؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الفلسطيني في الضفة وغزة إلى مجرد «مواطن» في سلطة لم تتحول إلى دولة، بينما تتراجع صفته الأساسية بوصفه عضوًا في شعب يخوض صراعًا تاريخيًّا من أجل التحرر والعودة والسيادة.

منظمة التحرير أم السلطة؟

المشكلة الأساسية ليست في وجود السلطة الفلسطينية، بل في انقلاب العلاقة السياسية بين السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية.

فمن الناحية الوطنية والتاريخية، يفترض أن تكون منظمة التحرير هي الإطار الوطني الجامع الذي يمنح السلطة موقعها ووظيفتها وحدودها.

لكن ما جرى عمليًّا هو العكس ،أصبحت السلطة، بما تمتلكه من موارد ومؤسسات وأجهزة وعلاقات دولية، هي المركز الأقوى، بينما جرى تهميش منظمة التحرير وإضعاف مؤسساتها وتحويل كثير من أطرها إلى مؤسسات شكلية أو محدودة الفاعلية.

والخطر الأكبر اليوم هو أن تتحول عملية إعادة بناء المجلس الوطني الفلسطيني إلى عملية يتم من خلالها توسيع نفوذ السلطة داخل منظمة التحرير، بدلًا من إعادة استقلال المنظمة عن السلطة، وهذا فارق جوهري. فالمطلوب ليس أن تصبح منظمة التحرير امتدادًا للسلطة بل المطلوب أن تستعيد المنظمة دورها بوصفها الإطار الوطني الأعلى الذي يمثل الشعب الفلسطيني كله، ويحدد وظيفة السلطة، ويضع استراتيجيتها، ويعيد الاعتبار لمشروع التحرر الوطني.

إن منظمة التحرير ينبغي ألا تكون دائرة سياسية تابعة للسلطة. وينبغي ألا يصبح المجلس الوطني الفلسطيني مجرد مؤسسة يجري تشكيلها وفق موازين القوى التي تنتجها السلطة ومؤسساتها.

لأن منظمة التحرير تمثل الفلسطيني في غزة، وفي الضفة، وفي القدس، وفي مخيمات لبنان وسورية، وفي الأردن، وفي الشتات البعيد، وفي كل مكان يوجد فيه فلسطيني يحمل ذاكرة الوطن وحق العودة والانتماء إلى القضية.

انتخابات التشريعي ليست انتخابات للشعب الفلسطيني كله

وهنا يجب التمييز بوضوح بين انتخابات السلطة وبين التمثيل الوطني الفلسطيني. فالانتخابات التشريعية، مهما كانت أهميتها، تخص في الأصل المجال السياسي والإداري للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

أما الشعب الفلسطيني فهو أكبر من الضفة وغزة، هناك ملايين الفلسطينيين في الشتات، هناك اللاجئون، هناك فلسطينيون يعيشون خارج نطاق السلطة ولا يشاركون في انتخاب مؤسساتها وهؤلاء ليسوا هامشًا في القضية الفلسطينية.

إنهم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني ومن حقه في تقرير مصيره ومنظمة التحرير هي، من حيث المبدأ، الإطار الذي يفترض أن يمثلهم.

وأنا، بوصفي فلسطينيًّا من الشتات، لست معنيًّا بالمنافسة على مقاعد المجلس التشريعي ولا أدخل في الحسابات الانتخابية الخاصة بالسلطة.

لكنني معني مباشرة بالسؤال الأكبر: من يمثلني فلسطينيًّا؟ فأنا واحد من الفلسطينيين الذين يفترض أن تمثلهم منظمة التحرير الفلسطينية، ومع ذلك أجد نفسي، كما يجد ملايين الفلسطينيين في الشتات، خارج المجال الذي يجري فيه تقرير شكل تمثيلنا الوطني، وهنا تصبح القضية أكثر خطورة من مجرد انتخابات. إنها قضية حق الفلسطيني في أن يكون شريكًا في تحديد من يمثله ومن يتحدث باسمه ومن يقرر مصيره الوطني.

المجلس الوطني الفلسطيني ليس ملحقًا بالمجلس التشريعي

إن الحديث عن نظام انتخابي جديد للمجلس الوطني الفلسطيني، وعن تركيبة محددة لعضويته بين الداخل والشتات، وعن إدخال أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين تلقائيًّا ضمن عضوية المجلس الوطني، يطرح سؤالًا بالغ الأهمية:

هل نحن نعيد بناء منظمة التحرير الفلسطينية، أم نعيد إنتاج السلطة داخل منظمة التحرير؟ هذا السؤال لا يجوز تجاهله. لأن إدخال مؤسسات السلطة بصورة تلقائية في عملية تشكيل المؤسسة الوطنية الأوسع قد يؤدي عمليًّا إلى قلب العلاقة بين الطرفين.

بدلًا من أن تكون السلطة جزءًا من منظمة التحرير، تصبح منظمة التحرير مجالًا جديدًا لتوسيع حضور السلطة ونفوذها السياسي. وهذا بالضبط ما يحتاج إلى نقاش وطني صريح. فمنظمة التحرير الفلسطينية ليست برلمانًا للسلطة، والمجلس الوطني ليس مجلسًا تشريعيًّا موسّعًا؛ إنه، من حيث المفهوم الوطني، برلمان الشعب الفلسطيني كله.

وإذا جرى التعامل معه باعتباره مؤسسة يمكن إعادة تشكيلها من خلال موازين القوى الداخلية للسلطة، فإننا نكون أمام خطر حقيقي يتمثل في إعادة تعريف التمثيل الفلسطيني نفسه.

من يمثل الشعب الفلسطيني؟

إن القضية اليوم ليست مجرد انتخابات، بل قضية شرعية وتمثيل وطني.

ومن المؤسف أن يجري في هذه المرحلة التعامل مع بعض القوى والفصائل الفلسطينية باعتبارها مجرد أدوات لتجميل مشهد التوافق، بينما يتم تجاهل المبادرات السياسية الجدية التي تطرح أسسًا واضحة للوحدة الوطنية وإعادة بناء البيت الفلسطيني.

لقد أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين رؤيتها وخارطة طريق للوحدة الوطنية والتوافق الفلسطيني، وهي رؤية تستحق النقاش الوطني الجاد، سواء اتفقنا معها بالكامل أم اختلفنا معها في بعض التفاصيل.

لكن السؤال هو: لماذا يجري التعتيم على المبادرات الجادة؟

ولماذا يتم تجاوز القوى التي تمتلك تاريخًا وطنيًّا وحضورًا سياسيًّا، لصالح لقاءات شكلية وتشاورات مع قوى محدودة التأثير الشعبي؟

هل المطلوب بالفعل الوصول إلى وحدة وطنية حقيقية؟

أم المطلوب صناعة صورة سياسية توحي بوجود توافق، بينما يجري عمليًّا الإبقاء على مركز القرار مغلقًا ومحتكرًا؟ إن الوحدة الوطنية لا تبنى عبر دعوة بعض القوى إلى طاولة، ثم اتخاذ القرار مسبقًا، ولا تبنى عبر توزيع المقاعد والحصص. ولا يمكن أن تكون وحدة وطنية إذا كان طرف واحد يحدد شروطها وسقفها ونتائجها.

الوحدة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بأن الشعب الفلسطيني أكبر من أي حزب، وأكبر من أي سلطة، وأكبر من أي فصيل، وأكبر من أي رئيس أو قائد؛ وأكبر من أي شخص.

أزمة الشرعية ليست مجرد أزمة انتخاب

لقد مرّ وقت طويل على آخر استحقاقات انتخابية فلسطينية حقيقية، وأصبحت المؤسسات الفلسطينية تعاني أزمة واضحة في تجديد الشرعيات والتمثيل. لكن اختزال أزمة الشرعية في مجرد الدعوة إلى انتخابات جديدة هو اختزال مضلل للمشكلة.

لأن أزمة الفلسطينيين ليست فقط أزمة مؤسسات انتهت مدتها القانونية أو السياسية، إنها أزمة مشروع وطني، أزمة قيادة، أزمة تمثيل، أزمة علاقة بين السلطة ومنظمة التحرير، أزمة علاقة بين الداخل والشتات، أزمة رؤية سياسية لمستقبل القضية الفلسطينية ولا يمكن لورقة انتخابية وحدها أن تحل كل ذلك.

فالانتخابات قد تجدد الأشخاص، وقد تعيد توزيع المقاعد، وقد تنتج تحالفات جديدة. لكنها لن تحرر الأرض ولن تعيد اللاجئين ولن تنهي الاحتلال ولن تستعيد القدس ولن توقف الاستيطان ولن تعيد تلقائيًّا بناء المشروع الوطني الفلسطيني.

ما لم تكن جزءًا من رؤية سياسية أشمل هل نرتب أثاث البيت أم ننقذ البيت؟ في الواقع الفلسطيني الراهن، يبدو الانشغال بالانتخابات وحدها وكأنه محاولة لإعادة ترتيب أثاث بيت يجرفه الفيضان.

غزة تعرضت للدمار والتهجير. الضفة الغربية تتعرض للاستيطان والاقتحامات والتقسيم. القدس تواجه التهويد. اللاجئون ما زالوا خارج وطنهم. الشتات الفلسطيني خارج المشاركة الحقيقية في القرار الوطني.

والانقسام الفلسطيني لم يعالج بصورة جذرية.

في ظل كل ذلك، يصبح السؤال عن المقاعد الانتخابية أقل أهمية من السؤال: ما هو المشروع الوطني الذي ستخدمه هذه المقاعد؟

المؤسسات مهمة، نعم. والديمقراطية مهمة، نعم. والانتخابات مهمة، نعم.

لكن الشعب الذي يريد التحرر يحتاج أوّلًا إلى أن تكون مؤسساته تعبيرًا عن مشروعه الوطني، لا بديلًا عنه. وهذا هو الفارق بين الانتخابات باعتبارها وسيلة، والانتخابات باعتبارها غاية.

خطر التدجين السياسي

الخطر الحقيقي لا يكمن في الانتخابات ذاتها. بل في إمكانية استخدامها لنقل مركز الاهتمام السياسي الفلسطيني من التحرر الوطني إلى إدارة الواقع. من شعب تحت الاحتلال إلى سكان يحتاجون إلى إدارة.

ومن قضية سيادة إلى قضية مؤسسات. ومن شعب يسعى إلى تقرير مصيره إلى ناخبين يتنافسون على اختيار من يدير سلطة محدودة الصلاحيات، وهنا يبدأ التدجين السياسي. حين يصبح الفلسطيني منشغلًا بمن يدير المؤسسة، بينما السؤال الحقيقي هو:

ماذا بقي من الوطن الذي يفترض أن تديره هذه المؤسسة؟

وحين تصبح القضية هي نقص الشرعية الانتخابية، بينما المشكلة الأعمق هي غياب السيادة الوطنية.

وحين يشعر الفلسطيني بأن لديه دولة لأنّه يمتلك مؤسسات تحمل أسماء الدولة، في الوقت الذي تتآكل فيه الأرض والسيادة والقدرة السياسية على تقرير المصير.

إن أخطر ما يمكن أن تنتجه الانتخابات، إذا وضعت خارج سياق مشروع التحرر الوطني، هو منح الفلسطيني شعورًا بالاستقرار السياسي في الوقت الذي يكون وجوده الوطني نفسه تحت التهديد.

وماذا عن "إسرائيل"؟

ليس ضروريًّا أن نفترض وجود مؤامرة إسرائيلية لكل ما يجري. فالوضع الفلسطيني، بصراحة، لا يحتاج دائمًا إلى مؤامرات خارجية كي يتعرض للتفتيت.

فالانقسام والاحتكار السياسي وتغليب المصالح الفئوية كافية أحيانًا لإنتاج نتائج تخدم الاحتلال، حتى من دون اتفاق مباشر بين الأطراف.

"إسرائيل" قد ترى خطرًا حقيقيًّا في ظهور قيادة فلسطينية موحدة ذات تفويض شعبي واسع، تمثل الشعب الفلسطيني كله، وتعيد منظمة التحرير إلى وظيفتها الأصلية بوصفها ممثلًا سياسيًّا للشعب الفلسطيني أينما وجد.

مثل هذه القيادة ستعيد إلى الواجهة قضايا الاحتلال والسيادة واللاجئين والقدس والحدود وحق تقرير المصير.

أما كيان فلسطيني محدود الوظائف، محكوم بسقف سياسي وجغرافي وأمني محدد، فإن التعامل معه أسهل بكثير.

ومن هنا، فإن الخطر ليس في وجود المؤسسات الفلسطينية، بل في أن تصبح هذه المؤسسات جزءًا من واقع سياسي يكرس التجزئة بدلًا من مواجهتها.

لا للوراثة السياسية ولا لاحتكار القرار الوطني

إن أخطر ما أصاب الحياة السياسية الفلسطينية خلال العقود الماضية هو تحول بعض المؤسسات إلى دوائر مغلقة، واحتكار القرار الوطني داخل نطاق ضيق، وتراجع مبدأ التداول الديمقراطي والمشاركة الحقيقية.

ولا يجوز أن تتحول القيادة الفلسطينية إلى ملكية سياسية. ولا يجوز أن يُنظر إلى مواقع القيادة باعتبارها امتيازًا عائليًّا أو إرثًا شخصيًّا أو حقًّا قابلًا للتوريث. فالقضية الفلسطينية ليست شركة عائلية. وليست مؤسسة خاصة. وليست سلطة يمتلكها أفراد أو مجموعات، إنها قضية شعب.

ومن حق هذا الشعب أن يرفض كل أشكال التوريث السياسي، وكل محاولات صناعة أدوار قيادية خارج الإرادة الوطنية والمؤسسات الشرعية الحقيقية.

كما أن على كل القوى الفلسطينية أن ترفض لغة الاستفزاز السياسي والمهاترات والإساءات الشخصية، وأن تعود إلى لغة الحوار الوطني المسؤول.

فالشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى أبواق سياسية.

يحتاج إلى عقول وطنية.

ولا يحتاج إلى مزيد من الانقسام اللفظي.

يحتاج إلى مشروع وطني جامع.

ماذا نريد؟

إن السؤال الذي يجب أن يسبق كل انتخابات وكل اجتماع وكل مؤتمر وكل حوار هو:

كيف يستعيد الفلسطينيون قدرتهم على الظهور شعبًا سياسيًّا واحدًا؟

هذا هو السؤال المركزي. نريد منظمة تحرير فلسطينية مستقلة عن السلطة. نريد مجلسًا وطنيًّا يمثل الشعب الفلسطيني كله. نريد مشاركة حقيقية للشتات. نريد إعادة الاعتبار للمقاومة والتحرر الوطني بوصفهما جوهر المشروع الفلسطيني.

نريد إنهاء احتكار القرار. نريد تجديد القيادات من خلال آليات وطنية وديمقراطية حقيقية. نريد برنامجًا سياسيًّا واضحًا يعيد تعريف العلاقة مع الاحتلال ومع اتفاقات أوسلو. نريد وحدة وطنية تقوم على الشراكة، لا على الإلحاق. نريد حوارًا فلسطينيًّا شاملًا لا يستثني أحدًا من القوى الوطنية والشخصيات المستقلة والاتحادات والمنظمات الشعبية والكفاءات الفلسطينية.

فالقرار الفلسطيني ليس ملكًا للفصائل وحدها. هناك مثقفون وكتاب وباحثون وأكاديميون وشخصيات وطنية مستقلة وفعاليات شعبية، ينبغي أن يكون لها دور في صياغة الرؤية الوطنية الفلسطينية. ولا يجوز اختزال الشعب الفلسطيني في مجموعة من التنظيمات، مهما كان تاريخها ودورها.

الاستحقاق الحقيقي

إن الانتخابات يمكن أن تكون خطوة وطنية مهمة، ولكن بشرط واحد:

أن تكون جزءًا من مشروع لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس وطنية وديمقراطية شاملة.

أما إذا كانت الانتخابات مجرد عملية لإعادة تدوير المؤسسات القائمة، وتجديد شرعية السلطة، وتوسيع نفوذها داخل منظمة التحرير، وإعادة إنتاج الطبقة السياسية ذاتها، فإن من حق الفلسطينيين أن يتوقفوا طويلًا أمامها.

بل إن رفضها في هذه الحالة لا يصبح رفضًا للديمقراطية. بل يصبح دفاعًا عن الديمقراطية الحقيقية وعن التمثيل الوطني الحقيقي. فالديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط. الديمقراطية تعني أن يكون للشعب الحق في اختيار من يمثله؛ وتعني أن تكون المؤسسات خاضعة للمساءلة؛ وتعني ألا يحتكر شخص أو تيار أو حزب القرار الوطني.

وتعني ألا يتم تحويل منظمة التحرير إلى ملحق سياسي للسلطة. وتعني، قبل كل شيء، أن يبقى الشعب الفلسطيني شعبًا واحدًا، مهما تعددت أماكن وجوده.

خاتمة

إن الفلسطينيين اليوم لا يحتاجون فقط إلى انتخابات. إنهم يحتاجون إلى استعادة السياسة الفلسطينية من حالة الإدارة إلى حالة التحرر. يحتاجون إلى إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها بيتهم الوطني الجامع. يحتاجون إلى إنهاء الخلط بين السلطة والدولة.

ويحتاجون إلى إنهاء الخلط بين شرعية المؤسسات وشرعية المشروع الوطني. فالانتخابات قد تكون ضرورة. لكنها ليست المشروع الوطني.

والسلطة قد تكون مؤسسة قائمة. لكنها ليست الوطن. ومنظمة التحرير قد تكون بحاجة إلى إصلاح جذري، لكن إصلاحها لا يكون بإخضاعها لمؤسسات السلطة، بل بإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين:

الشعب الفلسطيني كله في غزة والضفة والقدس وفي مخيمات اللجوء.

وفي المنافي والشتات، وفي كل مكان يوجد فيه فلسطيني ما زال يقول:

إن فلسطين ليست سلطةً نبحث عمن يديرها، بل وطنٌ نبحث كيف نستعيده. وهنا، فقط، يصبح السؤال الانتخابي سؤالًا وطنيًّا حقيقيًّا.

أما قبل ذلك، فإن كل الحديث عن الانتخابات يبقى ناقصًا ما لم يسبقه السؤال الأكبر:

أي مشروع وطني نريد؟ وأي منظمة تحرير نريد؟ ومن يمثل الشعب الفلسطيني حقًّا؟