2026-09-12 12:16 ص

انتخابات بلا ناخبين

2026-09-11

بقلم: نبهان خريشة
في أحدث ابتكارات القيادة الفلسطينية على صعيد الممارسة الديمقراطية، شهدت دولة الكويت فعالية أُطلق عليها، بثقة تثير الدهشة، اسم "انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني". كل شيء بدا جاهزا كي يمنح المشهد مظهر العملية الديمقراطية: قاعة، وفد رسمي، إجراءات، إعلان نتائج، صور تذكارية، وفائزون. كان ينقص المشهد شيء صغير فقط: الناخبون.

في الكويت جالية فلسطينية كبيرة يتجاوز عدد أفرادها ستين ألفا، وكان المنطق البسيط يقول إن الحديث عن انتخاب ممثلين لهذه الجالية يفترض، أولا وقبل كل شيء، أن يكون أبناء الجالية هم أصحاب الحق في اختيار من يمثلهم. لكن ما جرى اختصر عشرات الآلاف في مجموعة محدودة أُطلق عليها اسم "المجمع الانتخابي"، وكأن أحدهم اكتشف أخيرا الحل السحري لمشكلات الديمقراطية: لماذا نزعج الناس بالانتخابات إذا كان بالإمكان اختيار عدد محدود منهم ليختاروا نيابة عن الجميع؟

ديمقراطية سريعة، نظيفة، منظمة، ولا تحتاج إلى ناخبين كثيرين.

لكن وراء السخرية تكمن أسئلة شديدة الجدية: من اختار أعضاء هذا المجمع الانتخابي؟ وبأي معايير؟ ومن قرر أن هؤلاء يملكون حق اختيار ممثلي الجالية، بينما عشرات الآلاف من الفلسطينيين الآخرين لا يملكون هذا الحق؟ وكم كان عدد الذين شاركوا فعليا في التصويت؟ وما نسبة هؤلاء إلى مجموع الفلسطينيين المقيمين في الكويت؟

هذه ليست تفاصيل إجرائية هامشية. إنها جوهر أي عملية انتخابية.

فالانتخابات لا تصبح انتخابات لأننا أطلقنا عليها هذا الاسم، تماما كما أن المؤسسة لا تصبح ديمقراطية لأنها أصدرت بيانا يتحدث عن الديمقراطية. الانتخابات تبدأ من حق المواطن في معرفة قواعد اللعبة، ثم حقه في التسجيل والترشح والانتخاب والطعن والرقابة، وتنتهي بإعلان نتائج واضحة يمكن التحقق منها.

أما أن يجري اختيار مجموعة صغيرة، ثم يقال إنها تمثل الجالية، وبعد ذلك تختار هذه المجموعة عضوين ليقال إنهما يمثلان الفلسطينيين في الكويت، فهنا نكون أمام عملية اختيار غير مباشر تحتاج، في الحد الأدنى، إلى إجابة واضحة عن السؤال الأول: من منح المجموعة الأولى شرعيتها؟

والمفارقة أن الاعتراض لم يأت من خصوم سياسيين بعيدين عن الجالية، وإنما من داخل الجالية الفلسطينية في الكويت نفسها، حيث طُرحت تساؤلات واعتراضات بشأن الشفافية وتشكيل المجمع الانتخابي وحقيقة المشاركة. وهذا وحده كان يستوجب التوقف، ونشر جميع التفاصيل المتعلقة بالعملية، بدلا من التعامل معها باعتبارها شأنا إجرائيا انتهى بإعلان أسماء الفائزين.

لكن قضية الكويت ليست، في تقديري، سوى نموذج مصغر لمشكلة فلسطينية أكبر بكثير.

لقد أصبحت لدينا خلال السنوات الأخيرة قدرة عجيبة على الاحتفاظ بأسماء المؤسسات الديمقراطية بعد تفريغها تدريجيا من مضمونها. لدينا مجلس وطني، ومجلس مركزي، ولجنة تنفيذية، وسلطة، وحكومة، وانتخابات يُعلن عنها بين حين وآخر، ومراسيم وقوانين وقرارات، أي أن الشكل المؤسسي موجود بكامل أناقته تقريبا، بينما السؤال الحقيقي يتعلق بالمضمون: أين المواطن الفلسطيني من كل ذلك؟

من يقرر شكل المؤسسة؟ ومن يحدد قواعد عضويتها؟ ومن يختار من يحق له المشاركة؟ ومن يضع آلية التمثيل؟ ومن يمنح الشرعية لمن؟

المشكلة تبدأ عندما تكون الجهة التي تريد تجديد شرعيتها هي نفسها التي تضع قواعد تجديد هذه الشرعية، وتحدد آليات المشاركة فيها، وتقرر من يدخل العملية ومن يبقى خارجها. عندها يصبح من الصعب الحديث عن انتخابات بالمعنى السياسي للكلمة، لأن الانتخابات ليست مجرد وسيلة لإنتاج أسماء جديدة، بل وسيلة لنقل إرادة الناس إلى المؤسسات.

والأخطر أن الفلسطينيين يحتاجون اليوم إلى إعادة بناء شرعية مؤسساتهم أكثر من أي وقت مضى. فنحن نتحدث عن شعب يعيش تحت الاحتلال، وفي الشتات، ويواجه واحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث. وفي مثل هذه الظروف لا تكون مسألة التمثيل ترفا دستوريا، وإنما تصبح قضية وطنية من الدرجة الأولى.

المجلس الوطني الفلسطيني، تحديدا، ليس جمعية أهلية يمكن تشكيل مجلس إدارتها بالتوافق بين مجموعة محدودة من الأشخاص. إنه، نظريا على الأقل، البرلمان الذي يمثل الفلسطينيين في الوطن والشتات، ومنه تستمد منظمة التحرير الفلسطينية جزءا أساسيا من شرعيتها باعتبارها ممثل الشعب الفلسطيني.

فإذا أردنا إعادة بناء المجلس الوطني، يجب أن يكون السؤال الأول: كيف نعيد الفلسطيني إلى المجلس الوطني؟ لا كيف نعيد ترتيب المقاعد داخله.

هناك ملايين الفلسطينيين في الشتات. بعضهم يعيش في دول تسمح ظروفها بإجراء انتخابات أو أشكال واسعة من المشاركة، وبعضهم يعيش في دول قد تجعل قوانينها أو ظروفها السياسية ذلك صعبا أو مستحيلا. ويمكن تفهم البحث عن آليات مختلفة تتلاءم مع أوضاع كل بلد. لكن اختلاف الآليات لا يعني إسقاط المبدأ الأساسي: أوسع مشاركة ممكنة، وقواعد معلنة مسبقا، وهيئات مستقلة، وسجلات واضحة، وحق حقيقي في الترشيح والاختيار.

وإذا تعذر الاقتراع العام في بلد ما واضطررنا إلى اعتماد مجمع انتخابي، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحا: كيف يُنتخب هذا المجمع نفسه؟

لا يمكن أن يكون المجمع الانتخابي جسرا إلى الديمقراطية إذا كان هو نفسه قد جاء من خارج العملية الديمقراطية. وإلا أصبح الأمر أشبه بمن يختار الناخبين أولا، ثم يسمح لهم باختيار النتيجة لاحقا.

وهذه هي المعضلة التي تتجاوز الكويت إلى النظام السياسي الفلسطيني كله. لقد اعتدنا قلب المعادلة: بدلا من أن يمنح الشعب المؤسسات شرعيتها، أصبحت المؤسسات تتصرف أحيانا كما لو أنها هي التي تمنح الشعب حق المشاركة. تحدد له متى ينتخب، ومن ينتخب، وبأي طريقة، وفي أي مؤسسة، ثم تقدم النتيجة باعتبارها تعبيرا عن الإرادة الشعبية.

لكن الشرعية لا تُمنح بمرسوم، ولا تُصنع في قاعة فندق، ولا تنتجها صورة جماعية مهما كان عدد الابتسامات فيها.

الشرعية تأتي من الناس.

وإذا كان الهدف الحقيقي هو إعادة بناء منظمة التحرير ومؤسساتها، فإن الطريق لا يبدأ من اختيار ممثلين للفلسطينيين، بل من تمكين الفلسطينيين أنفسهم من اختيار ممثليهم. وهذا فارق جوهري بين مؤسسات تمثل شعبا ومؤسسات تمثل نفسها.

كان يمكن لما جرى في الكويت أن يشكل تجربة مهمة لو بدأت العملية بإعلان واضح لأبناء الجالية: هذه قواعد الانتخابات، وهذه شروط التسجيل، وهذه آلية اختيار المجمع الانتخابي إن تعذر الاقتراع المباشر، وهذه أسماء المرشحين، وهذه أعداد الناخبين، وهذه النتائج بالتفصيل. عندها، حتى لو اختلف البعض مع الآلية، ستكون هناك أرضية يمكن الدفاع عنها سياسيا وأخلاقيا.

أما أن يعرف كثيرون أن لهم ممثلين بعد أن يجري اختيار هؤلاء الممثلين، فهذه ليست أزمة إجراءات فقط، بل أزمة في فهم معنى التمثيل.

وربما علينا أن نسأل أنفسنا سؤالا أشد قسوة: هل نريد فعلا إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية، أم نريد إعادة إنتاج المؤسسات القديمة بأسماء جديدة؟

الفارق هائل.

إعادة البناء تعني فتح الأبواب للناس، وتجديد النخب، وقبول المنافسة، واحتمال الخسارة، والاعتراف بأن صندوق الاقتراع قد يأتي بمن لا تريده السلطة ولا التنظيم ولا القيادة. أما إعادة الإنتاج فتعني أن نحتفظ بالمقاعد والمؤسسات والقواعد القديمة، ثم نغير بعض الوجوه ونعلن أننا أنجزنا الإصلاح.

الديمقراطية ليست ضمان النتيجة، بل قبول احتمال أن تأتي النتيجة بعكس ما نريد.

ولهذا فإن ما جرى في الكويت يستحق أن يُناقش بعيدا عن أسماء من فازوا أو خسروا، فالقضية ليست في شخص العضوين اللذين جرى اختيارهما، ولا ينبغي تحويلها إلى خصومة معهما. القضية في الآلية التي أنتجتهما وفي حق الجالية التي يفترض أنهما يمثلانها في معرفة كيف ولماذا ومن اختارهما.

نحن أمام أزمة ثقة عميقة بين الفلسطيني ومؤسساته، ولا يمكن معالجة أزمة الثقة بمزيد من الغموض. كل عملية انتخابية مغلقة، وكل تعيين يُقدم باعتباره انتخابا، وكل تمثيل لا يعرف الناس كيف نشأ، يضيف حجرا جديدا إلى جدار العزلة بين المواطن والنظام السياسي.

لذلك فإن المطلوب ليس الدفاع عن "انتخابات الكويت"، بل نشر كل تفاصيلها: من شكّل المجمع الانتخابي؟ ما معايير العضوية فيه؟ كم بلغ عدد أعضائه؟ كم شخصا شارك في الاقتراع؟ كيف جرى الترشيح؟ ومن أشرف على العملية؟

إذا كانت العملية سليمة، فإن الشفافية لن تضرها، بل ستمنحها القوة والمصداقية. وإذا كانت هذه الأسئلة محرجة، فالمشكلة ليست في الذين يطرحونها.

المشكلة في الانتخابات نفسها.

فالشعب الفلسطيني ليس كومبارسا يُستدعى لإكمال المشهد الديمقراطي، ولا جمهورا مطلوبا منه التصفيق بعد إعلان النتائج. إنه صاحب الحق الأصلي في منح الشرعية وسحبها.

وإذا أردنا حقا مجلسا وطنيا فلسطينيا جديدا، فليكن وطنيا أولا، وفلسطينيا ثانيا، ومنتخبا ثالثا.

أما انتخابات الـVIP، حيث نختار بعض الناخبين كي يختاروا بعض الممثلين ثم نطلب من عشرات الآلاف الاعتراف بأن هذه هي إرادتهم، فقد تكون طريقة ممتازة لتنظيم حفل سياسي ناجح.

لكنها ليست الطريقة المناسبة لبناء ديمقراطية.