2026-09-08 01:09 ص

لا داعي!!

2026-09-05

بقلم: يونس العموري
 لا داعي للدعاة والمدعين، ولا داعي للداعين والمدعوين، ولا داعي للدعوات والاستدعاءات والادعاءات، ولا داعي لمن يدعو إلى ما لا يفعل، ولا لمن يدعي ما لا يملك، ولا لمن يستدعي ما لا يحتاج، ولا لمن يحتاج في كل مرة إلى دعوة جديدة كي يقول لنا ما قاله بالأمس. لا داعي لكل هذا الدوران حول الكلمة، فالدعوة دعت بما يكفي، والادعاء ادعى بما يكفي، والاستدعاء استدعى ما يكفي، والمدعون قالوا ما يكفي، والداعون دعوا بما يكفي. فلا داعي لأن نزيد الكلام كلاما، ولا الادعاء ادعاء، ولا الدعوة دعوة، ولا الاستدعاء استدعاء.

لا داعي للكل.

لا داعي للتنظير، ولا داعي للتبرير، ولا داعي لاستشراق المستقبل وتحليل الحاضر، ولا داعي لهذا السيل الطويل من الكلام الذي لا ينقصه شيء سوى الحقيقة. لا داعي لكل هذا الضجيج الذي يحاول أن يقنعنا بأن شيئا ما يحدث، فيما كل شيء يحدث إلا ما يجب أن يحدث. لا داعي للقادة والقيادة. لا داعي لاعتلاء المنصات وصناعة صورة القائد، ولا داعي للصور التي تسبق أصحابها، ولا داعي للخطابات التي تملأ الشاشات ولا تغير شيئا في الواقع. لا داعي لتلميع الصورة الباهتة، ولا داعي لمحاولة إقناعنا بأن العجز مرحلة، وأن الانتظار حكمة، وأن الصمت تكتيك، وأن الفشل يحتاج إلى مزيد من الوقت كي يتحول إلى نجاح.

لا داعي لممارسة الإقناع بأننا مختلفون، وأن الاختلاف حضاري، وأن تعدد الرؤى دليل عافية، بينما الخلاف في حقيقته صار وسيلة للبقاء، وصارت المواقع أهم من المواقف، والمصالح أهم من المشروع، والكراسي أكثر صلابة من كل الشعارات التي رفعت باسم القضية. ولا داعي لمنح شهادات لبعضنا البعض. هذا وطني، وذاك مناضل، وهذا أكثر إخلاصا، وذاك أكثر حرصا، وهذا صاحب تجربة، وذاك صاحب تاريخ. يكفي أن نمنح بعضنا هذه الشهادات حتى يصبح الجميع أبرياء من كل ما حدث. يكفي أن نوزع المديح كي لا يضطر أحد إلى السؤال عن المسؤولية.

ولا داعي للفصائل والقوى والتيارات حين تصبح الأسماء أكبر من أفعالها، وحين يتحول التاريخ إلى حصانة، والشعار إلى غطاء، والراية إلى حجة. لا داعي لاستدعاء الأمس كلما طالب الحاضر بحساب اليوم. الماضي لا يمنح أحدا رخصة مفتوحة للفشل. ولا داعي للزركشات اللغوية المتعبة أصلا. لا داعي للكلمات الكبيرة حين تكون الحقيقة صغيرة إلى هذا الحد. لا داعي للخطابات التي ترفع سقف اللغة كلما انخفض سقف الفعل. لا داعي للمثقف الذي يبحث عن جملة جميلة فوق جرح مفتوح، ولا للكاتب الذي يخفف قسوة الحقيقة كي تصبح قابلة للنشر والتصفيق.

ولا داعي للتغني بالأسير والشهيد والجريح كلما احتجنا إلى جملة مؤثرة. الأسير ليس مادة خطابية، والشهيد ليس صورة في مقدمة بيان، والجريح ليس دليلا يستخدم لتثبيت شرعية أحد. ولا داعي أن نتذكرهم حين نريد أن نصفق لأنفسنا، ثم ننساهم حين يصبح السؤال عن حقوقهم ومسؤولياتنا تجاههم أكثر كلفة من الكلام عنهم. ولا داعي للإشادة بالموظف الصامد الصابر وهو يتلقى نصف الراتب منذ سنوات. لا داعي لتحويل الفقر إلى بطولة، والحرمان إلى صبر، والعجز عن دفع الراتب إلى فضيلة أخلاقية. الموظف لا يحتاج إلى قصيدة في الصبر، يحتاج إلى راتبه. ولا يحتاج إلى من يشد على كتفه ويقول له اصبر، وإنما يحتاج إلى من يسأل لماذا وصل إلى هذا الحال، ومن الذي قرر أن يصبح نصف الراتب قدرا، ومن الذي اعتاد أن يطلب من غيره الصبر بينما لا يعرف الصبر إلا من موقع المكافأة والامتياز.

ولا داعي للحث على المقاومة الشعبية لمواجهة القتل والتدمير من قبل المستوطنين، ثم ترك من يواجه وحده، وكأن المقاومة الشعبية خطاب للاستهلاك لا مسؤولية سياسية وأخلاقية. لا داعي لدعوة من يقف في وجه الخطر إلى الصمود، فيما الذين يملكون المنابر والقرار يكتفون بالبيانات والصور. لا داعي أن نطلب من الضعيف أن يكون شجاعا كي نبرر عجز القوي. ولا داعي للدعوة إلى اجتماعات المجمعات الانتخابية لممارسة أقسى درجات الكذب والتدليس، ثم تقديم المشهد على أنه اختيار وخيار وإرادة وقواعد وديمقراطية. نحن نعرف كيف سيكون الاختيار، ونعرف كيف سيكون الخيار، ونعرف قبل أن تبدأ الاجتماعات من سيدخل ومن سيخرج، ومن سيرفع يده، ومن سيصفق، ومن سيحصل على شهادة النزاهة بعد انتهاء المسرحية. فلا داعي لكل هذا التعب. لا داعي أن نسمي التعيين انتخابا، ولا أن نسمي الترتيب إرادة، ولا أن نسمي التوافق ديمقراطية.

ولا داعي لشد العضد والمثابرة وكيل المديح. لا داعي لهذه اللغة التي تخدر العجز وتمنحه اسما آخر. حين يفشل الأداء، لا ينفع شد العضد. وحين تضيق الحياة، لا يكفي المديح. وحين يتكرر الخطأ، لا تكون المثابرة فضيلة إذا كانت المثابرة هي نفسها على الخطأ. ولا داعي للعبثية، ولا داعي لتطويع النظريات واستجلاب الأفكار التي ليس لها علاقة، ولا داعي لتخريب القوانين ثم مطالبتنا بأن نصدق أن ما يحدث اجتهاد سياسي أو ضرورة مرحلية. ولا داعي للضحك على الذقون بالفرمانات الصادرة عن الباب العالي، ولا داعي لكل هذا العبث ولكل هذا الاجتهاد في إصدار الفرمانات، وكأن مجرد صدورها يجعلها قانونا، وكأن الصمت عليها يعني القبول بها. لن يعترض عليكم أحد، لا تقلقوا. لن يتعب أحد نفسه كثيرا في الاعتراض، فقد تعلم الجميع كيف يمرر القرار، وكيف يصفق له، وكيف يكتشف بعد ذلك أن عليه أن يتعايش معه.

ولا داعي لاستنفار أجهزة مكافحة الشغب الأمنية. لن يتحرك أحد بوجهكم، ولن يخرج أحد ليواجه السلطة لمجرد أنكم أصدرتم فرمانا جديدا أو عدلتم قانونا أو اخترعتم قاعدة على مقاس اللحظة. لا تخشوا أحدا، فلا داعي لقلقكم، على الأقل حاليا. افعلوا ما شئتم، فلا داعي للخوف. افتحوا الأبواب التي تريدون، وأغلقوا التي تريدون، وغيروا القواعد كما تشاؤون، وأعيدوا ترتيب المشهد بما يناسبكم. لا داعي لكل هذا القلق. فالخوف، على ما يبدو، لم يعد في مكانه الصحيح.

ولا داعي لبيانات الإدانة والاستنكار التي تحفظها الذاكرة أكثر مما تحفظ ما ترتب عليها. ولا داعي لاجتماعات الطوارئ التي تنتهي إلى لجان، ولا داعي للجان التي تنتهي إلى توصيات، ولا داعي للتوصيات التي توضع في الأدراج حتى يصبح الدرج جزءا من النظام السياسي. ولا داعي للحوار من أجل الحوار، ولا داعي للمصالحة من أجل صورة المصالحة، ولا داعي للقاءات التي تلتقط فيها الصور أكثر مما تصنع فيها القرارات. لا داعي أن نجلس حول الطاولة للمرة المئة كي نكتشف في النهاية أن الطاولة نفسها هي التي نجلس حولها منذ سنوات، وأن ما تغير فقط هو الوجوه والكلمات.

ولا داعي لمن يشرح لنا لماذا عجز، ولا داعي لمن يحمل المسؤولية للآخر، ولا داعي لمن يطلب منا أن نفهم تعقيدات المرحلة. لقد فهمنا. فهمنا أكثر مما ينبغي. فهمنا الاحتلال، والانقسام، والحصار، والظروف الإقليمية والدولية، وفهمنا المؤامرات والضغوط والتدخلات. لكن ما لم نفهمه حتى الآن هو لماذا يتحول كل ذلك إلى عذر دائم يمنع السؤال البسيط: ماذا فعلتم؟ ليس ماذا قلتم. ماذا فعلتم؟ ولا داعي للإجابة. الواقع أجاب عنكم.

ربما المشكلة أننا ما زلنا نمنح الكلام قيمة أكبر من الفعل، ونمنح الصورة أهمية أكبر من الحقيقة، ونمنح القائد فرصة جديدة كلما انتهت الفرص، ونمنح الفصيل شرعية جديدة كلما استهلك شرعيته، ونمنح الخطاب تصديقا جديدا كلما كذبته الوقائع. لذلك لا داعي. لا داعي أن تقنعونا أننا بخير. لا داعي أن تقولوا إن الأزمة مؤقتة، وإن القادم أفضل، وإن الوحدة قادمة، وإن الانتخابات ستغير كل شيء، وإن المقاومة مستمرة، وإن المشروع الوطني بخير، وإن المؤسسات صامدة، وإن الموظف صابر، وإن الأسير حاضر، وإن الشهيد حاضر، وإن القيادة تتابع، وإن الفصائل تعمل، وإن المستقبل مفتوح. لا داعي. نحن نرى. نرى ما يكفي.

ولم يعد ينقصنا خطاب جديد يشرح لنا ما نراه، ولا قائد جديد يطلب منا الثقة، ولا اجتماع جديد يعيد إنتاج الاجتماع القديم، ولا بيان جديد يعيد صياغة العجز بلغة أكثر أناقة. اتركوا الحقيقة كما هي، ولو لمرة واحدة. اتركوا الموظف يقول إنه لا يستطيع العيش بنصف راتب من دون أن تصفقوا لصبره. واتركوا من يواجه المستوطنين يقول إنه يريد حماية وفعل لا خطبة عن الصمود. واتركوا الأسير والشهيد والجريح خارج بازار المديح. واتركوا الانتخابات خارج مسرحية المجمعات المعدة سلفا. واتركوا القيادة خارج صورها وخطاباتها، كي نرى إن كان هناك شيء خلف الصورة.

فقد تعبنا من الذين يطلبون منا أن نصفق لصمودهم، بينما هم يطلبون من غيرهم أن يصمد. وتعبنا من الذين يبيعون لنا الأمل بالتقسيط، ويشترون به الوقت. وتعبنا أكثر من الذين يعرفون أنهم لا يملكون شيئا، ومع ذلك يصرون على الظهور بمظهر من يملك كل شيء. لا داعي.

فقد انتهى زمن الكلام الذي يحتاج إلى تفسير. الواقع قال كلمته. والسؤال لم يعد.. ماذا ستفعلون؟ السؤال صار.. كم من الوقت تحتاجون بعد كي تتوقفوا عن فعل لا شيء؟