2026-09-07 05:16 م

في خطر الرهان على الانتخابات الإسرائيلية

2026-09-05

بقلم: لميس اندوني
هناك نذير بتصعيد في توحش الجيش الإسرائيلي والمستوطنين في الضفة الغربية بأغراض سياسية وأيديولوجية وانتقامية؛ فلم تعد القيادة العنصرية الحاكمة تصبر لتحقيق أهدافها بعيدة المدى، إذ يريد بنيامين نتنياهو أن يحقق نصراً حاسماً، حتى يركِّع الفلسطينيين ليخرج من أزمته الداخلية قبيل الانتخابات ويتوّج نفسه بطلاً للمشروع الصهيوني الذي يهزم المقاومة الفلسطينية بكل أشكالها.

هو لا يعترف برؤية غير رؤيته، ولا يريد أي رؤية أو حلول وتسويات يكون للفلسطينيين فيها دور أو كينونة سياسية ولو ممسوخة. إذ يعتقد أن تثبيت الوقائع بالقوة والبطش يفرض واقعاً على العالم بغضّ النظر عن العداء المتّسع لإسرائيل في الولايات المتحدة والعالم. تعلَّم الدرس من حرب الإبادة في غزّة، المستمرّة، بوتيرة أبطأ، في إبادة أجيال من قطاع غزّة. لذلك، يعتقد أن معركة الحسم ستكون في الضفة الغربية، ليقطع الطريق على أي تسوية أو مساومة سياسية، وهذا يتطلب تسريع التوسع الاستيطاني، ولذا يصعِّد ويدفع إلى مواجهة تبرّر له إطلاق حرب على أهل الضفة باسم "الدفاع عن أمن إسرائيل" في وجه انتفاضة فلسطينية يقول إنها قادمة.

الوضع الفلسطيني مهيأ للانفجار، وهو يريد إشعال الفتيل، فأي هبّة فلسطينية للدفاع عن الأرض والصمود سيعتبرها "انتفاضة"، وهذه في تعريفه ليست فعلاً جمعياً مقاوماً في وجه المحتل، بل "عدوان إرهابي" يبرّر سلسلة مجازر مرفقة بالحصار والتجويع، وقد يكون حصار بلدة قصرة اختباراً أولياً لإرادة الفلسطينيين وقدرتهم على الصمود، ويكون عقابها عبرة لجميع المدن والقرى الفلسطينية التي تختار الصمود.

يراهن نتنياهو على صمت وتواطؤ عربي وعالمي شبيه بما حدث في غزّة؛ فقد بارك العالم لـ"مجلس السلام" الاستعماري، وهو فعلياً يشرف على تغيير تضاريس غزّة وينفذ هذا، ويضمن ألا تكون هناك فرصة أو أمل بإعادة بناء مجتمع غزّة، بل يعمل على إنهاء مجتمع وتاريخ وذاكرة. لكن ضم الضفة الغربية، بما ذلك القدس، كان دائماً معيار تكملة المشروع الصهيوني، فإنهاء هوية الضفة الفلسطينية لتكون "يهودا والسامرة"، هي بالنسبة له إنهاء أي أمل بكينونة فلسطينية وقتل حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.

ما نراه في الضفة الغربية هو في الوقت نفسه انتقام من استمرار مقاومة الشعب الفلسطيني، فالصمود بحد ذاته هو مقاومة، فنتنياهو يلوم مقاومة وصمود الشعب الفلسطيني على عرقلة طموحاته الشخصية والسياسية، إذ إن "طوفان الأقصى"، في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، هز صورة إسرائيل وهيبة جيشها وسطوتها، ولن يسمح بمقاومة تتحداه في الضفة، يريد أن يكون "زعيم إسرائيل" الذي ثبّت صورتها كقلعة لا يستطيع محيطها العربي الواسع أن يتحداها.

لكن ما يحدث أيضا جزء من المشروع الصهيوني، فحتى قبل "7 أكتوبر" وحرب الإبادة ضد أهل غزّة، وصل المشروع إلى نقطة لا بد فيها أن ينتصر بدلاً من الاستمرار في التدرّج في التدمير والتهجير. ولم يكن الإسراع في الحسم قراراً بالضرورة. وإن كان واضحاً أن صعود اليمين الاستيطاني المتطرّف إلى الحكم في ذاته قرار بحسم الصراع، وليس مصادفةً أن يسمي وزير المالية سموتريتش، وهو من أشرس قادة المستوطنين، خطته التي أعلنها عام 2017 "خطة الحسم"، وهي عملياً تسريع استكمال مشروع إسرائيل الكبرى. والخطير أن الخطة تعتمد على توظيف الوحشية لتوسيع الاستيطان وتغيير معالم الضفة الغربية لفرض تهجير قسري على الفلسطينيين. والواضح أن نتنياهو قرّر أن اللحظة حانت، ليس للتهجير الفوري بالضرورة، بل لفرض واقع عن طريق تصعيد الهجمات والقمع وترويع المدن والمخيمات بحيث يغلق الطريق على أي خيار آخر، سوى القبول بالمشروع الصهيوني.

نعم، الانتخابات وتلهُّف نتنياهو لنصر انتخابي تفسر جزئياً اندفاعه؛ فهو يريد أن يفرض على صانعي القرار في أميركا، مهما كانت نتائج الانتخابات النصفية، أن إسرائيل لن تقبل تسويات أو مساومات، فمشروعها الاستعماري مستمر وهو الأساس.

لا شك أن استعجاله بتصعيد الهجمات وتوظيف وسائل همجية مثل الحصار والتجويع لفرض الخطط الاستيطانية نابع أيضاً من خوفه أن تُضعف الانتخابات النصفية في أميركا حليفه الرئيس دونالد ترامب نتيجة الصعود غير المسبوق لتيار تقدمي مؤيد للحق الفلسطيني ويعادي إسرائيل بقوة ويدعو إلى عزلها. فأصحاب المشاريع العنصرية الاستيطانية لا يجدون بديلاً عن فرض مشروعهم بتوسيع جرائمهم، فإلغاء الآخر هو الوسيلة الوحيدة، ورأينا هذا في حروب إبادة السكان الأصليين في أميركا وأستراليا ونيوزيلندا. كما كان حال الدول الكولونيالية الأوروبية، فتاريخ أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية ما زال يئن بصرخات ضحايا المجازر البشعة في حق سكانها. أي إن طبيعة هذه المشاريع لا تجد سوى سفك دماء الشعوب للتمسك بغنائم غزواتها؛ فلا بديل للمشروع الصهيوني سوى بالتمدد الاستيطاني فمشروعه إحلالي، أي لا مكان لسكان الأرض الأصليين في مخيلته أو واقعه أو مستقبله.

الإحلال يعني تقليص عدد سكان الأرض الأصليين وحصرهم في تجمعات متفرقة، وهو ما يقتضي القتل والطرد والتمدد الاستيطاني، أي القضاء على أسس قيام أي كينونة له، والأهم: أي نافذة لتحقيق حق المصير للشعب الفلسطيني. وهذا لا يعني بالضرورة أن نتنياهو سينجح، لكن الخطر محدق، ولا يوجد أي مواجهة حقيقية لمشروع ضم الضفة، لا عربيا ولا دوليا؛ فلا فائدة من الحديث عن التزام دولي بقيام دولة فلسطينية، فيما يستمر نتنياهو وحكومته في شن حرب المستوطنين لقتل الفلسطينيين وتهجيرهم والاستيلاء على سائر أرض فلسطين.

لم يكن الالتزام الدولي، وبخاصة خلال حرب الإبادة وبعدها، صادقا؛ ففي أفضل الأحوال كان مفهوم الدولة الفلسطينية ليس أكثر من نوع من الكينونة فاقدة السيادة، تقرر شكلها وحدودها إسرائيل، أي الدولة المحتلة، لتبقى إسرائيل هي الدولة المحتلة.

وفقاً للمفهوم الذي قبلته معظم الدول يغيب مفهوم التحرر والحرية والحقوق الوطنية وحق المصير، بل يعتبر قبول الفلسطينيين بكينونة تحت السيطرة الإسرائيلية تخلياً عن المطالبة بالحقوق، ومصادرة حقوق الأجيال القادمة للفلسطينيين. لكن نتنياهو والقائمين على المشروع الصهيوني لم يعودوا يكترثون بغطاء مزيف لمشروعهم الإحلالي، فإلغاء الفلسطينيين هو الحل.

المشكلة ليست نتنياهو وسموتريتش، ولا وزير الأمن بن غفير الذي يقود حملة إرهاب الفلسطينيين، بل هو المشروع الصهيوني وإسرائيل، ونقد الغرب لنتنياهو وبن غفير ما هو إلا تضليل وتهرب من مسؤولية المشاركة في مشروع إسرائيل الاستعماري.

لذا، الخوف أن يقنع الغرب نفسه، وهذا متوقع، والأهم الدول والنخب العربية، أن "الفرج" سيكون على شكل الانتخابات الإسرائيلية، فحتى لو سقطت حكومة نتنياهو فعملية ضم الضفة الغربية التي بدأت، لن تتوقف من دون ضغط، بل وبعقوبات دولية على إسرائيل. فعملية ضم الضفة قد انطلقت.. وبدأ التمهيد البنيوي والأمني والإداري لضم الضفة من خلال خطوات أهمها المباشرة بمخطط "أي 2" لتوسعة مستوطنة معاليه أدوميم بمستعمرات لتفكيك الضفة إلى "بانتوستانات" فلسطينية محاصرة. فيما قرار وضع الضفة تحت سلطة وزارة العدل والشرطة الإسرائيلية ينهي تدريجياً أي سلطة إدارية للسلطة الفلسطينية، والأهم إنهاء وضع الضفة كأراضٍ محتلة لتصبح جزءاً من دولة إسرائيل.

الخطر واضح، لكنّ التعامل العربي والدولي مع الانتخابات الإسرائيلية مخرجاً تواطؤ، أو في أحسن الأحوال وهمٌ جبان، يدفع الفلسطيني ثمنه بحياته ودمه، ويتهدد دول المحيط العربي باستقواء إسرائيل عليها واستباحة سيادتها.

المشكلة ليست نتنياهو وسموتريتش، ولا وزير الأمن بن غفير الذي يقود حملة إرهاب الفلسطينيين، بل هو المشروع الصهيوني وإسرائيل، ونقد الغرب لنتنياهو وبن غفير ما هو إلا تضليل وتهرب من مسؤولية المشاركة في مشروع إسرائيل الاستعماري.

لذا، الخوف أن يقنع الغرب نفسه، وهذا متوقع، والأهم الدول والنخب العربية، أن "الفرج" سيكون على شكل الانتخابات الإسرائيلية، فحتى لو سقطت حكومة نتنياهو فعملية ضم الضفة الغربية التي بدأت، لن تتوقف من دون ضغط، بل وبعقوبات دولية على إسرائيل. فعملية ضم الضفة قد انطلقت.. وبدأ التمهيد البنيوي والأمني والإداري لضم الضفة من خلال خطوات أهمها المباشرة بمخطط "أي 2" لتوسعة مستوطنة معاليه أدوميم بمستعمرات لتفكيك الضفة إلى "بانتوستانات" فلسطينية محاصرة. فيما قرار وضع الضفة تحت سلطة وزارة العدل والشرطة الإسرائيلية ينهي تدريجياً أي سلطة إدارية للسلطة الفلسطينية، والأهم إنهاء وضع الضفة كأراضٍ محتلة لتصبح جزءاً من دولة إسرائيل.

الخطر واضح، لكنّ التعامل العربي والدولي مع الانتخابات الإسرائيلية مخرجاً تواطؤ، أو في أحسن الأحوال وهمٌ جبان، يدفع الفلسطيني ثمنه بحياته ودمه، ويتهدد دول المحيط العربي باستقواء إسرائيل عليها واستباحة سيادتها.