2026-09-05 09:55 م

حرب ترامب ضد إيران وهجمات روسيا الهجينة... الارتدادات تضعف ألمانيا والحلفاء

2026-09-05

بعد أربعة أسابيع على حادثة الطائرة المسيرة التي سقطت في مطار لايبزيغ في ألمانيا في الرابع من أغسطس/آب الماضي، بجوار طائرة شحن تابعة لشركة أنتونوف الأوكرانية، وتبين أنها كانت تحمل عبوة ناسفة ومعدة للتفجير، أعلنت الحكومة الألمانية، الثلاثاء الماضي، أن الأدلة تثبت مسؤولية روسيا في العملية، ووجهت اتهامات للكرملين بشن الهجوم الهجين على البنية التحتية في البلاد. وتنظرألمانيا بعين الريبة لهذه الحوادث وعمليات التخريب في ظل الخشية من ضعف سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحربه ضد إيران وخسارته للمال والاستراتيجية والسلاح، ما يضعف الحلفاء في دول حلف شمال الأطلسي "ناتو" ويقلص الدعم لأوكرانيا في حربها ضد روسيا. ماذا عن تورط روسيا في هجمات ألمانيا والخيارات المتاحة لبرلين لمعاقبة موسكو، وهل تمثل هذه الارتدادات لحظة ضعف أوروبية؟

مشتبه بهما في قضية لايبزيغ
على وقع تشكيك موسكو بأدلة برلين، ذكرت تقارير ألمانية، أول من أمس الخميس، لقنوات "أن دي آر" و"دبليو دي آر" وصحيفة زود دويتشه، أن نتائج تحقيقات السلطات الأمنية تشير إلى تورط أفراد يعملون لصالح أجهزة الدولة الروسية، ومحققي المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية حددوا هوية المشتبه بهم. ووفق "زود دويتشه"، فإن التحقيقات جارية ضد شخصين، الأول مواطن روسي يحمل الجنسية اللاتفية، والثاني من بيلاروسيا ويحمل جواز سفر روسياً، وتم الحصول على عينة من حمضه النووي. وأفيد بأن للثاني سجلاً جنائياً في دول البلطيق (ليتوانيا، إستونيا، لاتفيا) وقد تمكن المحققون الألمان من تتبع تحركاته. أما صحيفة دي تسايت، فبينت أن البيلاروسي دخل منطقة شينغن بتأشيرة سياحية إيطالية صادرة أواخر شهر إبريل/نيسان الماضي عن السفارة في مينسك.

أما بخصوص دور المشتبه به الأول في الهجوم الفاشل على مطار لايبزيغ، فقد بيّنت التحقيقات أنه لعب دوراً محورياً في التحضير للهجوم حيث عمل داعماً لوجستياً ومدرباً، ودخل ألمانيا عبر مطار برلين ـ براندنبورغ، ثم توجه إلى ولاية ساكسونيا ـ انهالت بسيارة مستأجرة وغادرها جوا قبل يوم من تنفيذ الهجوم بالمسيرة على المطارالمذكور. ورغم إعلان الخارجية الألمانية، الثلاثاء الماضي، استدعاءها السفير الروسي سيرغي نيتشاييف، وأنها أمرت باغلاق القنصلية العامة في بون في 18 سبتمبر/أيلول الحالي، وإنهاء عقد "البيت الروسي" في برلين، لأنه لم يعد يخدم غرض التواصل الثقافي، وستشدد بإجراءات دخول المواطنين الروس، رأى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية توماس ستيلر مع "العربي الجديد"، أنه بات يتعين على ألمانيا ومع إمعان روسيا بتهديداتها للبنية التحتية في البلاد، كاستخدام الأجهزة الحارقة في طرود الشحن الجوي، والتجسس وتحليق المسيرات فوق المنشآت العسكرية والمطارات والقطارات بهدف زعزعة استقرار ألمانيا، أن تقدم على رد حاسم وتدفيعها ثمناً باهظاً.

وشرح ستيلر أن هناك العديد من الخيارات المتاحة، أهمها العمل على اعتقال المشتبه بهم من قبل السلطات الأمنية وبجهود استخباراتها، كما أن بإمكان وزارة الخارجية الألمانية طرد ضباط المخابرات المتخفين بزي دبلوماسيين. علاوة على ذلك، يجب رفع مستوى التعاون في القضايا الأمنية عموماً، وتفعيل دور مجلس الأمن القومي وتعيين مستشار له لتنسيق الجهود بهذا الشأن. وأكد على أهمية وضع استراتيجية لمكافحة التضليل الإعلامي ضمن آلية منظمة بين الوزارات المعنية. وذكر أن "البيت الروسي"، الذي يعدّ مقراً رسمياً ثقافياً أضحى مقراً لأغراض تجسسية.

ووفق ستيلر، يمكن لبرلين وبالتعاون مع الاتحاد الأوروبي اتخاذ المزيد من الإجراءات ضد المصارف الروسية وصادرات التكنولوجيا، والشبكة السرية (الظل) التي تستخدمها موسكو لتصدير النفط والالتفاف على العقوبات. ويعمل الاتحاد الأوروبي بنشاط على فرض مثل هذه العقوبات. رصدت السلطات الأمنية الالمانية أيضاً هجمات مخططاً لها ضد مسؤولين تنفيذيين ألمان في قطاع الأسلحة في البلاد. وبرأي ستيلر، فإنّ أوكرانيا تبقى أقوى أداة لضرب روسيا بقوة ولإضعاف قدراتها العسكرية في عمق أراضيها، وهذا ما سيكبد الكرملين خسائر أعلى. كل صاروخ دفاعي جوي إضافي يسلم لكييف يحمي مدنها والبنية التحتية فيها، ويجب ألا ننسى أنّ أوكرانيا تدافع عن أوروبا بمهاجمة روسيا، لافتاً إلى أن ألمانيا تخطط لحزمة شاملة من الإجراءات، بينها شحنات أسلحة أكبر لأوكرانيا.

في وقت اعتبر البعض أن التقاعس عن اتخاذ أي إجراء سيفسر على أنه ضعف أمام الروس، لم يتردد أرندت فرايتاغ فون لورينغهوفن، نائب رئيس الاستخبارات الفيدرالية السابق، الأمين العام المساعد السابق لحلف "ناتو"، في القول لصحيفة زود دويتشه، إن كل الدلائل تشير إلى ضرورة تفعيل المادة الرابعة من معاهدة الأطلسي، نظراً للزيادة الكمية والنوعية في الهجمات الهجينة في أنحاء أوروبا، لأن هذا أمر لا غنى عنه عملياً. وتنص المادة الرابعة على إجراء مشاورات عندما يرى الحلفاء أن السلامة الاقليمية أو الاستقلال السياسي أو أمن أي من الأطراف مهدد. وتعني المشاورات إجراء مناقشات رسمية بين الدول الأعضاء في "ناتو"، التي قد تفضي إلى قرارات أو إجراءات مشتركة.

وعن طبيعة الإجراءات التي أعلن عنها، رأى الخبيرالأمني بيتر نيومان في مقابلة مع موقع تي أونلاين الأربعاء الماضي، أنها دبلوماسية بحتة، معرباً عن اعتقاده أن روسيا سترد مبدئياً بما يسمى الإجراءات المتبادلة. وأضاف أنه يمكن أن يكون هناك تدابير أشد ضد الكرملين، بينها مثلاً المشاركة في الإجراءات التي تنفذها دول مثل بريطانيا، بإيقاف ناقلات النفط ومصادرته. وتوقع نيومان المزيد من الهجمات، ويجب استغلال هذه الحادثة فرصةً لتبنّي نهج أكثر صرامة، وإنشاء هياكل تعمل بتناسق مع مختلف الإدارات، ما يسمح بتحديد المسؤوليات بوضوح، وتتبع شبكات العملاء المأجورين بدقة.

ألمانيا وحرب أوكرانيا
ووسط إجماع في أوساط المتابعين والخبراء، على أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحاول الاستفادة من حرب الولايات المتحدة ضد إيران، التي يبدو واضحا أن نهايتها لن تكون قريبة رغم مرور أكثر من ستة أشهر على بدايتها، في حربه ضد أوكرانيا، اعتبر الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية الأوروبية ينس دوران، في حديث مع "العربي الجديد"، أن موسكو تحاول الحد من الدعم الغربي لكييف، وما يحصل سيكون له ارتدادات على ساحة المواجهة في أوروبا أولاً، لأن القوات الأوكرانية تعاني من نقص حاد في الذخيرة وشح في الإمدادات. والأصعب وفقاً له أن دولاً مثل ألمانيا ودول أوروبية أخرى مؤثرة داخل "ناتو" غير قادرة على سد النقص وهمها حماية نفسها، لا سيما أن مغامرة ترامب ضد طهران كشفت عجز دول داخل الحلف أمنياً أمام روسيا، هذا فضلاً عن التبعات السياسية والاقتصادية والأمنية. وأشار دوران إلى أن التطورات والتداعيات قد تساهم في تعزيز حضور اليمين الشعبوي، مع تزايد النقمة داخل المجتمع الأوروبي بفعل التضخم واختناق سلاسل التوريد وارتفاع أسعار مشتقات الطاقة.
في الإطار نفسه، أشارت تحقيقات استقصائية، بينها لمجموعة فونكه الإعلامية، إلى أنّ الدفاعات الجوية الأوكرانية تواجه صعوبة في صد الهجمات الروسية، وأضحت بحاجة ماسة إلى بدائل عن صواريخ باتريوت التي تكاد مخازن القوات الأوكرانية تخلو منها. كما أن الهجمات الصاروخية الباليستية الروسية تسببت في سقوط أعداد متزايدة من الضحايا المدنيين، لأنه يمكن لصواريخ باتريوت الأميركية المضادة للطائرات من طراز باك 2 وباك 3 أن تكون وسيلة فعالة لمواجهة كروز الباليستية الروسية. يكلف الصاروخ الواحد ملايين الدولارات ولا يستطيع المصنعون مواكبة الإنتاج. وفي وقت يعلن ترامب أنه كبّد طهران خسائر فادحة وفي طريقها للاستسلام، أشار دوران إلى أن عدد صواريخ "باتريوت" التي أطلقت في منطقة الشرق الأوسط، منذ بداية الهجوم الاسرائيلي الأميركي على إيران للدفاع، في 28 فبراير/شباط الماضي، ضد الصواريخ الإيرانية والمسيرات، يفوق ما أطلق خلال أربع سنوات ونصف السنة من الحرب الأوكرانية، وبالتالي فان سبب النقص ليس حرب أوكرانيا.
العربي الجديد