كتب نعيم إبراهيم
بتقديري إن ما تشهده الساحة الفلسطينية من تحركات ولقاءات في القاهرة وغيرها وربما عقد تحالفات جديدة بين فصائل وقوى فلسطينية وطرح مبادرات ومشاريع، دونها عقبات عديدة داخلية وخارجية، في وقت تزداد فيه خطورة المنعطف الذي تمر به القضية الفلسطينية على الصعد كافة.
بعيدا عن المداهنات والتناقضات بكل تشعباتها إن ما يجري داخل البيت الفلسطيني هو عبارة عن شد وجذب في موضوع يقع تحت وطأة تناقضات كاشفة، في أنه لم يعد يكفي هذا الفصيل أو ذاك الطرف أن يقدم برنامجه. فهو مطالب من الشعب الفلسطيني بأن يقدم خطوات عملية واضحة نحو تحقيق حوار جاد يتمخض عنه مصالحة وطنية تؤدي بالضرورة الى وحدة وطنية ناجزة، في ظل مقتضيات الحالة الراهنة.
فإذا لم يتوحد الكل الفلسطيني الآن في ضوء إصرار الاحتلال الصهيوني على حسم الصراع الوجودي لصالحه، فمتى ستتحقق الوحدة الوطنية الشاملة ؟
المطلوب بكل موضوعية وشفافية الترفع عن النظرة الفصائلية الضيقة وعن الخلافات التي باتت مستعصية والخروج من دائرة الصراعات والتجاذبات والمماحكة السياسية وغيرها والتي تضع الجميع أمام مفترق طرق تتطلب معالجة جذرية وإغلاق صفحة الماضي والبدء بأخرى جديدة تنهي الانقسام وتحقق الوحدة الوطنية لأن المشروع الصهيوني- الامريكي، مشروع توسعي استيطاني يقود الى سياسة الضم ويستهدف وجود الشعب الفلسطيني على أرضه.
لا شك إن لقاءات القاهرة مهمة، فهي كشفت أن استمرار الانقسام أصبح أكثر كلفة على الجميع، وأن التحولات في قطاع غزة والضفة الغربية وعموم المنطقة والاقليم والتداعيات المحتملة، أعادت فرض ملف الوحدة الوطنية الفلسطينية على الطاولة. وينبغي أن تتحول هذه اللقاءات إلى مراجعة حقيقية تفتح الطريق أمام وحدة وطنية أوسع ولا تتوقف عند شكل ما من التحالفات الضيقة.
بالضرورة لا بد من إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بصورة قوية تستوعب جميع مكونات الشعب الفلسطيني، وترسخ التمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية عبر استثمار هذه الفرصة (لقاءات و حوارات القاهرة) وعدم إضاعتها في ظل الظروف والتحديات التي تواجه القضية الفلسطينية والمشروع الوطني التحرري الفلسطيني الذي يستهدف تحرير فلسطين كل فلسطين من البحر الى النهر.
لذلك تتطلب الضرورة الوطنية الان أن تكون الأولوية في المرحلة الحالية لتعزيز صمود أبناء الشعب الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها ومطالبة القيادات الحقيقية بالارتقاء فوق الخلافات واتخاذ قرارات حاسمة وإرادة سياسية وكفاحية جادة تمهد الطريق نحو وحدة وطنية أوسع وصولا الى توحيد الصف الفلسطيني صونا للمشروع الوطني الفلسطيني، على أهداف التحرير والعودة.
وبعد..
الشعب الفلسطيني ومعه الأمة العربية والإسلامية والمجتمع الدولي أمام مرحلة يختلط فيها الدم بالسياسة، ويراد للأرض أن تبتلع في الضفة و القدس ، ولغزة أن تركع تحت نار الحرب والحصار، في محاولة لفرض وقائع لا تعكس سوى منطق القوة والهيمنة الغاشمة.
فالمشاريع الأمريكية التي تقدم بلبوس "الإعمار" أو "الترتيبات الانتقالية" أو حتى "حل الدولتين" وفق المنظور الصهيوني، ليست سوى خدع سياسية هدفها إعادة صياغة الصراع الوجودي على قاعدة باطلة، أن المشكلة إنسانية أو إدارية وليست استعمارا استيطانيا إحلاليا ، بمشاركة أمريكية استراتيجية تكتب فصول المأساة الأكبر، عبر حرب إبادة تدمر الحجر والبشر، وملايين المشردين، وعشرات آلاف الشهداء والجرحى، وبنية تحتية تحولت إلى ركام في الضفة الغربية وقطاع غزة وتضمن بقاء كيان العدو الصهيوني متفوقا وتجريد الفلسطيني من مشروعه التحرري ، ومنع إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ، بينما العالم يكتفي ببيانات شجب باهتة لا تسمن ولا تغني من جوع .
إن اللحظة الراهنة لا تحتمل التردد؛ فهي لحظة وحدة وطنية فلسطينية حقيقية تتجاوز الحسابات الفصائلية الضيقة، وتطلق طاقات الشعب الفلسطيني ومعه أحرار العالم لمقاومة الاحتلال الصهيوني بكل الوسائل المشروعة، وفي المقدمة منها الكفاح المسلح.

