2026-09-03 09:23 م

من "الحصر" إلى "الاحتواء".. هل تغيّرت معادلة السلاح في العراق قبل 30 أيلول؟

2026-09-03

فبعد أن كان "حصر السلاح بيد الدولة" بنداً واضحاً في المنهاج الحكومي، بدأت مفردات سياسية جديدة تتقدم إلى الواجهة، أبرزها "التنظيم" و"الاحتواء"، في محاولة لفتح مخرج تفاوضي يمنع الصدام، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً جوهرياً عن حدود ما تستطيع الدولة قبوله من سلاح خارج مؤسساتها.

رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ذهب بوضوح، عبر لقاء تلفزيوني يوم أمس، إلى أن مصطلح "نزع سلاح الفصائل" لم يعد مطروحاً، معتبراً أن كلمة "النزع" تحمل أثراً نفسياً سلبياً ترفضه الفصائل، وأن المقاربة الأكثر واقعية هي "تنظيم واحتواء السلاح". ووفق هذا التصور، فإن الأزمة لا تعالج بالمواجهة، وإنما من خلال الحوار والبحث عن صيغة تدريجية تتيح للدولة احتواء السلاح ومعرفة حدوده واستخداماته.

ولا يضع المالكي يوم 30 أيلول باعتباره نهاية نهائية لمسار السلاح، إذ يرى أن بقاء الفصائل والحشد الشعبي أمر واقع، وأن انتهاء المهلة لا يعني بالضرورة تسليم السلاح في ذلك التاريخ، بل يمكن أن تليها مراحل من الشرح والتفاهمات وصولاً إلى آليات أكثر تفصيلاً. وفي هذا السياق، أشار إلى وجود لجنة مشتركة مع الفصائل تبحث كيفية التعامل مع الأسلحة، بما في ذلك التمييز بين السلاح الثقيل والمتوسط والخفيف، وتحديد ما يمكن اعتباره تهديداً داخلياً أو استهدافاً خارجياً.

الأهم في طرح المالكي أنه يعكس انتقالاً في اللغة السياسية من فكرة "النزع" باعتبارها إجراءً قسرياً، إلى "التنظيم والاحتواء" باعتبارهما تسوية يمكن أن تمر عبر الحوار. كما شدد على أن مرحلة التهديد والوعيد المتبادل بين الحكومة والفصائل انتهت، لأن الصدام لن يخدم أي طرف، والحكومة، بحسب تعبيره، ليست ضعيفة لكي تُهاجم.
ويرى المحلل السياسي علاء الخطيب أن الوصول إلى حصر السلاح ليس مهمة سهلة، ويرجح في نهاية المطاف عدم حصول تسليم كامل للسلاح، بالتزامن مع عدم خروج كامل للقوات الأميركية من العراق. فواشنطن، وفق قراءته، لن تخلي العراق بالكامل وهو ما يزال ساحة مواجهة، وقد يبقى جزء من قواتها، وإن كان بطابع غير قتالي.

ويربط الخطيب بين قضية السلاح ومفهوم السيادة، معتبراً أن تسليم السلاح ليس مجرد مطلب حكومي، بل هو إرادة شعبية ومرجعية، وأن القرار في النهاية يجب أن يكون وطنياً. كما يرى أن استمرار استخدام الوجود الأميركي ذريعة لعدم تسليم السلاح لم يعد كافياً لتبرير بقاء السلاح خارج إطار الدولة.

الخطيب، في الوقت نفسه، لا ينكر دور الفصائل في قتال الإرهاب، ولا يرى في المطالبة بحصر السلاح محاولة لـ"كسر" من قاتلوا تنظيم داعش، بل يعتبرها قضية مرتبطة بشكل الدولة نفسها: "إما دولة أو لا دولة".
أما المحلل السياسي أمير الدعمي، فيرى أن التحول في الخطاب لم يعد تفصيلاً لغوياً. فاللهجة السياسية انتقلت، بحسب قراءته، من مصطلح "حصر السلاح" الذي ورد في المنهاج الحكومي، إلى ألفاظ مثل "الاحتواء" و"التنظيم". وهو يميل إلى قبول مبدأ التنظيم، لكن بشرط أن يكون التنظيم "تحت أطر الدولة"، مستحضراً التجربة اللبنانية، حيث لم تؤد الإرادة السياسية لنزع سلاح حزب الله إلى الوصول إلى نتيجة حاسمة حتى الآن.

غير أن الدعمي يضع هذا التحول في سياق إقليمي أوسع، ويربطه بزيارتي رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف وقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد. وبرأيه، فإن هذه التحركات أسهمت في تغيير الموقف، لأن إيران لا تستطيع، في تقديره، التخلي بسهولة عن ورقة الفصائل العراقية، التي تمثل بالنسبة إليها إحدى أدوات الضغط على القوات الأميركية والمصالح الأميركية في المنطقة.

ويحذر الدعمي من أن الحكومة ستجد نفسها أمام حرج متزايد، ليس فقط مع الولايات المتحدة، وإنما أيضاً مع الشركات الاستثمارية التي تعهدت لها بغداد ببيئة مستقرة وآمنة. فبقاء السلاح كعامل تهديد أو احتمال لاستهداف المصالح الأجنبية قد ينعكس على صورة العراق الاستثمارية، فضلاً عن احتمال تعرضه لعقوبات أميركية إذا اعتبرت واشنطن أن ترتيبات السلاح أو نشاط الفصائل لا تزال تسمح بتهديد مصالحها.

وبذلك، تبدو حكومة بغداد أمام معادلة شديدة الحساسية. فهي من جهة لا تريد الدخول في مواجهة داخلية مع فصائل تمتلك حضوراً سياسياً وعسكرياً، ومن جهة أخرى لا تستطيع تجاهل مطلب سيادة الدولة أو متطلبات علاقاتها مع الولايات المتحدة والاقتصاد الدولي. أما مهلة 30 أيلول، التي كان يفترض أن تكون محطة لحسم ملف السلاح، فقد تتحول إلى بداية مرحلة تفاوض جديدة إذا غلبت صيغة "التنظيم والاحتواء" على مفهوم "الحصر".

وهنا تكمن عقدة 30 أيلول: هل تكون المهلة موعداً لتنفيذ قرار الدولة، أم موعداً لإعادة صياغة القرار بما يتلاءم مع موازين القوى القائمة؟

https://arabic.anf-news.com/