2026-08-29 11:39 م

الاحتلال يبني قواعد عسكرية قبالة الحدود المصرية

2026-08-29

في الوقت الذي يسيطر فيه الاحتلال على محور "فيلادلفيا" على الحدود المصرية مع قطاع غزة منذ 29 أيار/مايو 2024، وأعلنت في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، تحويل الحدود مع مصر إلى منطقة عسكرية مغلقة، اتخذ الكيان المحتل إجراءات عسكرية جديدة خطيرة قرب حدود شمال سيناء، ما اعتبره خبراء ومحللون بأنه "تدرج في بناء بنية أمنية جديدة يهدد الأمن القومي المصري".

وكشفت صور أقمار صناعية ومقطعين متداولين لمستوطن إسرائيلي عضو بمنظمة "نحالا"، عن أعمال إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية جديدة منذ تموز/يوليو الماضي على أنقاض القرية السويدية الفلسطينية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، بالقرب من ساحل البحر المتوسط وعلى مسافة 70 مترا من الحدود المصرية لشمال شبه جزيرة سيناء.
وتكشف مقاطع المستوطن الإسرائيلي تحول المنطقة من نقطة مراقبة مؤقتة إلى قاعدة عسكرية إسرائيلية نشطة متكاملة التحصينات تضم دشما وغرفا وجدران خرسانية محصنة، ورصف أرضي، ومبان خدمية، وساحة تمركز الآليات العسكرية، وأسلاك شائكة، وأبراج اتصالات، ونقاط مراقبة بامتداد الشريط الساحلي، لتعزيز الحضور العسكري الإسرائيلي على ساحل رفح.

تظهر الصور أيضا، اكتمال الإنشاءات في 2 آب/أغسطس الجاري، حيث تحول الموقع من مباني قرية السويدية الفلسطينية التي تم تدميرها عام 2024، خلال حرب الإبادة إلى إزالة المخلفات ثم إلى مبنى بطول 110 أمتار وعرض 85 مترا وتحيط به سواتر رملية ضخمة، وذلك بالتزامن مع تشييد الاحتلال ساترا ترابي جنوب رفح حوالي 2.65 كيلو متر.
وتقع القاعدة الإسرائيلية الجديدة داخل المنطقة (د) التي تمثل إحدى تقسيمات الملحق الأمني لمعاهدة كامب ديفيد، التي تحدد سيناء منزوعة السلاح إلا من قوات خفيفة في 3 مناطق (أ - ب - ج)، وتمنع إسرائيل من وضع دبابات ومدفعية وصواريخ مضادة للطائرات بالمنطقة (د)، وتسمح فقط بوجود 4 كتائب مشاة، وبحد أقصى 4 آلاف جندي، وحتى 180 ناقلة جند مدرعة، وتحصينات ومنشآت عسكرية.

ويلفت خبراء إلى أن التصرف الإسرائيلي يمثل مخالفة صريحة لمعاهدة كامب ديفيد 1979، وما تبعها من اتفاقية لاحقة حول وضع محور فيلادلفيا عام 2005، ويأتي في توقيت تتزايد فيه حملات تحريض سياسيين ومسؤولين إسرائيليين متطرفين ضد مصر، تجاه ما وصفوه بـ "إعادة تسليح وتغيير الواقع العسكري في سيناء"، بالتزامن مع حرب الإبادة بغزة.

والأحد، وفي تصريح لقناة "ILTV" العبرية، دعا الجاسوس (الإسرائيلي-الأمريكي) السابق جوناثان بولارد، تل أبيب إلى الاستعداد لمواجهات عسكرية جديدة مع مصر وتركيا، معتبرا أن البلدين قد يشكلان "الجبهة القادمة" بعد إيران، ويمثلان التهديد الاستراتيجي القادم لإسرائيل من الشمال والجنوب.

ولم يحصر بولارد تهديداته بإيران، إذ حذر من أن إسرائيل قد تجد نفسها أمام مواجهة عسكرية مع مصر وتركيا، قائلا إنه على إسرائيل إنهاء الجبهات الحالية والاستعداد للمواجهة المقبلة، محذرًا من أنه إذا لم تتمكن من "القضاء على كل هذه الجبهات الأخرى" قبل اندلاع تلك المواجهة، فإنها ستكون في "وضع رهيب ومأساوي".

كاشفة للضعف والترهل

وفي قراءته لأهداف إسرائيل من ذلك التموضع العسكري القريب جدا من سيناء، ودلالات اختيار ذلك المكان، ودلالات التوقيت أيضا في ظل مواصلتها الاعتداء على لبنان وسوريا ما قد يشي برغبتها في تنفيذ مخطط إسرائيل الكبرى، وحجم الخطر الذي قد يلحق بمصر من مثل ذلك تصرف، تحدث الخبير العسكري المصري وضابط الجيش المصري السابق، الدكتور عمرو عادل، لـ"عربي21".

وقال إن "هذه القاعدة العسكرية الجديدة ليست مقامة للخطر الكبير على مصر ولكنها كاشفة لما وصل إليه مستوى الضعف والترهل في النظام المصري"، مؤكدا أن "البداية كانت في التغير الاستراتيجي في سبعينيات القرن الماضي، بدءا من معاهدة (كامب ديفيد) ثم ما تلاها من إجراءات على مدى ما يقرب من 40 عاما من تفريط متتالي في حماية المجال الحيوي لمصر".

وأوضح أن "المقاومة الفلسطينية أدركت ذلك في 7 أكتوبر، وما فعلته يؤكد إدراكها أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه سيسرع بالسيطرة الكاملة للصهاينة علي المنطقة".

ويرى أنه لذلك "كان 7 أكتوبر نقطة تحول في السياسات الصهيونية في المنطقة؛ فغيرت من نمطها السابق لحماية مجالها الحيوي وأمنها الإقليمي، أما مصر وباقي دول الطوق فلا زالت لم تدرك بعد ما حدث ولن تدركه فقد استطاعت بالتبعية الصهيونية".

العدو الوجودي

وأكد أنه "لذلك لا يمثل إقامة قاعدة صهيونية على الحدود المصرية مباشرة مشكلة لدى النظام المصري؛ فهو فعلا في تعاون مع الجيش الصهيوني ببعض العمليات في سيناء وفي حصار قطاع غزة".

وفي رؤيته كعسكري وسياسي مصري يترأس المكتب السياسي للمجلس الثوري المصري المعارض، للتصرف الذي يجب أن تقوم به القاهرة بمواجهة تصرف الكيان، قال: "لم يعد السؤال: ماذا يجب أن تفعل القاهرة؟، بل الأزمة في طرح السؤال بالأساس والتعاون العملياتي والاستخباري معلن بين الطرفين".

ويعتقد أن "الحل المنطقي أن تعيد القاهرة رؤيتها لثوابتها حول حماية المجال الحيوي وأمنها القومي وتحول تصورها عن الكيان الصهيوني من حليف إلي عدو وجودي، وربما النظام الحالي لن يستطيع ذلك".

تحد كبير لمصر

وفي قراءته لأهداف الاحتلال من ذلك التموضع العسكري القريب جدا من سيناء، ودلالات اختيار ذلك المكان، ودلالات التوقيت أيضا في ظل مواصلتها الاعتداء على لبنان وسوريا، قال الخبير العسكري اللبناني العميد هشام جابر: "ما قامت به إسرائيل من إنشاء قاعدة عسكرية في رفح هذا لاشك وأنه تحد كبير".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أنه تحرك "يضر بأمن مصر القومي؛ لأن القاعدة العسكرية على مسافة قريبة جدا"، ملمحا إلى أنه "سبق لإسرائيل أن تجاوزت حدودها وتعدت على محور فيلادلفيا، وكانت النتيجة أن بقي اعتداؤها رغم الاحتجاجات، فهي تعتمد مبدأ القول وإذا استمر يصبح أمرا واقعا".

 ويرى رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، أن "توقيت بناء تلك القاعدة مهم بالتأكيد لأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يريد أن يحقق مكاسب في لبنان وسوريا ومصر وغزة وفلسطين كاملة، لأنه على مقربة من الانتخابات، وتشير الاحصاءات والتوقعات أنه خاسر لهذه الانتخابات، لذلك فهو يريد إنقاذ نفسه، ومن هنا جاء عدوانه على سوريا وغزة بشكل استباحي وفي جنوب لبنان كذلك".

وفي نهاية حديثه يرى العميد جابر، أنه "يجب أخذ هذا الموضوع بعين الاعتبار؛ فدائما وبحجة ما حدث في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تدعي إسرائيل أن لها الحق في أن توسع دائرة سيطرتها واحتلالاتها حتى لا تتكرر عملية طوفان الأقصى".

ما حجم خطورة القاعدة؟

الباحث في الشؤون العسكرية محمود جمال أكد أن "هذه القاعدة، من الناحية العسكرية، تُعد مصدر خطرا على الأمن القومي المصري"، وقال إن "إنشاء منشأة عسكرية ثابتة في هذه المنطقة لا ينبغي قراءته باعتباره إجراءً ميدانيًا منفصلًا عن التحولات التي شهدها مفهوم الأمن الإسرائيلي منذ حرب طوفان الأقصى، وإنما باعتباره جزءًا من تحول أوسع في طريقة إسرائيل في النظر إلى تعاملها مع الجوار مصر سوريا غزة".

وعبر موقع "إكس"، أضاف: "إذا وضعت إلى جانب التطورات اللاحقة برفح ومحور صلاح الدين، فإذا بدأ الأمر بإعلان المنطقة مغلقة، ثم تلاه انتشار عسكري، ثم إنشاء تحصينات وإنشاء مواقع أكثر ثباتًا، فإننا أمام تدرج في بناء بنية أمنية جديدة، وهذا هو ما يجعل التعامل مع كل خطوة باعتبارها إجراءً منفصلًا خطأً في التقدير".

وأكد أن "الخطورة لا تكمن فقط في القاعدة الجديدة، وإنما في احتمال أن تكون القاعدة حلقة ضمن سلسلة من الخطوات التي تهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية على الحدود المصرية–الغزية".

ويرى أنه "يمكن أن تتحول إلى محطة عمل دائمة لرصد الحدود المصرية ومراقبة ما يجري في شرق البلاد من تحركات عسكرية، بما يتيح للعدو الإسرائيلي متابعة التحركات والانتشار العسكري المصري، ليس على الحدود الشرقية فقط، بل في العمق الشرقي أيضًا".

وخلص للقول: "من الناحية القانونية، مصر لديها ما يمكنها الاستناد إليه كخطوة أولى لوقف مثل هذه المخططات والمساعي الإسرائيلية".

لماذا تفعل إسرائيل ما ترفضه لمصر؟

ورغم التنسيق الأمني والاستخباراتي الذي تعترف به سلطات القاهرة وتل أبيب، ومع تتابع التحرك الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية وبمحاذاة الحدود المصرية بالمخالفة لمعاهدة "كامب ديفيد"، هناك حديث إسرائيلي عن خرق مصر لبنودها، ورفض مسؤولين ومحللين ومراكز أبحاث، للحضور العسكري المصري بشمال سيناء، رغم أنه جاء بتوافق مع تل أبيب.

وفي كانون الثاني/يناير 2025، نشر المحلل الاستخباراتي العسكري السابق إيلي ديكيل، سلسلة تقارير حذر فيها من أن التحصينات المصرية في سيناء من قواعد جوية، ومستودعات أسلحة ووقود محصنة تحت الأرض، وشبكات أنفاق وكباري، حولت سيناء من منطقة منزوعة السلاح إلى "مسرح عمليات عسكري جاهز"، مؤكداً أن مصر تجاوزت بنود الملحق الأمني لمعاهدة السلام.

وفي آذار/مارس 2025، أصدر مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) ورقة تقدير موقف حول "مستقبل الاتفاقيات الأمنية مع مصر"، أشار فيها الباحثون إلى أن تعزيز مصر لقوات حرس الحدود والمدرعات ومستويات الاستطلاع على طول شريط فيلادلفيا وفي المنطقة (ج) يُشكل معضلة استراتيجية لتل أبيب، حيث صُنف الانتشار المكثف كعائق أمام أي ترتيبات أمنية إسرائيلية مستقبلية على حدود غزة.

الأمر ذاته صدر عن وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس في أيلول/سبتمبر 2025، الذي أعلن أن إسرائيل تراقب تحركات القوات المصرية في سيناء، وأنها لن تقبل بتحول البنود الاستثنائية للانتشار العسكري (التي سُمح بها سابقاً لمكافحة الإرهاب أو لحماية الحدود خلال حرب غزة) إلى "واقع دائم ومفروض" يخل بالملحق الأمني لاتفاقية كامب ديفيد.

وفي كانون الثاني/يناير الماضي، كتب رئيس معهد "مسغاف" للأمن القومي ورئيس مجلس الأمن القومي الأسبق مائير بن شبات، تحليلا عن أن الاستراتيجية المصرية في سيناء انتقلت من مرحلة "التأمين ومكافحة الإرهاب" إلى بناء "قدرة ردع عسكرية ثقيلة"، مشيراً إلى أن مصر استغلت الأزمات الإقليمية المتعاقبة لتثبيت تواجدها العسكري، ودعا الحكومة الإسرائيلية لإعادة فتح ملف القيود العسكرية والمطالبة بتقليص القوات المصرية في سيناء.

وحذر رئيس الموساد الأسبق أفرايم هيلفي، في أيار/مايو الماضي، من حالة الجمود السياسي والتراشق بين القاهرة وتل أبيب، مشيرا إلى أن الانتشار المكثف للجيش المصري ودخوله في حالة استنفار مستمرة بالمنطقة (ج) وفي سيناء جعل هامش المناورة الأمني الإسرائيلي معقدا، ويتطلب مراجعة شاملة لبروتوكولات السلام الأمنية منعا لأي احتكاك أو تصعيد غير محسوب.
عربي 21