2026-08-29 03:49 م

ثلاثة أسماء… وثلاث حكايات

2026-08-29

بقلم: نبهان خريشة

للاسم أحيانا حظ من صاحبه، وأحيانا يكون صاحبه هو سوء حظ الاسم. وبين ياسر وعمار وأبي عمار حكاية طويلة تبدأ في صدر الإسلام، وتمر بالثورة الفلسطينية، وتنتهي ــ حتى الآن ــ عند أبواب السلطة والحسابات المصرفية والطموحات السياسية.

الأول هو عمار بن ياسر، ابن ياسر وسمية، من السابقين إلى الإسلام ومن الذين دفعوا ثمن إيمانهم عذابا واضطهادا. بقي عمار على موقفه حتى أدركته الشيخوخة، ثم قُتل في صفين وهو يقاتل في جيش علي بن أبي طالب، على يد جيش معاوية بن أبي سفيان. وهناك استعاد الناس الحديث النبوي الشهير: :ويح عمار، تقتله الفئة الباغية”. كان الرجل قد أمضى حياته وهو يدفع ثمن ما يؤمن به، ثم دفع حياته نفسها ثمنا لموقفه.

وبعد أكثر من ثلاثة عشر قرنا، ظهر في فلسطين ياسر آخر اختار لنفسه كنية أبي عمار. كان ياسر عرفات واحدا من أبرز مؤسسي حركة فتح وقادتها، وحمل البندقية وشعار تحرير فلسطين، وطاف بالعالم باسم شعب كان يبحث عن مكان له على الخريطة. لكنه حين وصل إلى أوسلو بدأ الانتقال الكبير: من الثورة إلى السلطة، ومن التحرير إلى الحكم الذاتي، ومن فلسطين الموعودة إلى خرائط مؤقتة وحواجز وتصاريح ومفاوضات لا تنتهي.

ومهما اختلف الناس في تقييم عرفات واتفاق أوسلو، فقد انتهى الرجل محاصرا في المقاطعة، ثم خرج منها مريضا ليموت في باريس مسموما. لكن المفارقة الساخرة أن النظام الذي تركه خلفه نما وكبر، حتى أصبح في جوانب كثيرة شيئا مختلفا تماما عن الحركة التي خرجت يوما لمقاومة الاحتلال.

ثم يأتي ياسر الثالث: ياسر عباس، ابن الرئيس محمود عباس، وهنا تدخل الحكاية منطقة الكوميديا السياسية السوداء. فليس ضروريا أن يحمل الرجل بندقية أو يقضي سنوات في الجبال أو السجون حتى يصبح اسمه متداولا في السياسة؛ ففي جمهورياتنا الحديثة توجد طرق أقصر كثيرا للوصول إلى الشهرة والنفوذ.

ارتبط اسم ياسر عباس على مدى سنوات باتهامات وانتقادات تتعلق بالأعمال التجارية والاستفادة من النفوذ والاقتراب من دوائر السلطة. لكن السخرية السياسية تبدأ حين يتحول رجل الأعمال، في المخيال العام، من ابن رئيس تحيط به الأسئلة إلى رجل دخل نادي حركة فتح؛ وكأن السياسة الفلسطينية ينقصها فقط أن تكتشف فضيلة التوريث.

وهنا تصبح الأسماء لعبة تاريخية عجيبة:

عمار بن ياسر مات من أجل ما آمن به.

ياسر أبو عمار بدأ ثائرا وانتهى رئيسا لسلطة ولدت من اتفاق لم يحقق الدولة التي وعد بها شعبه.

أما ياسر عباس، فإذا قرر بالفعل أن يسلك طريق السياسة والقيادة، فسيكون أمام سؤال أكثر طرافة من سؤال الاسم: أي إرث يريد أن يرث؟.

إرث عمار الذي دفع حياته ثمنا لموقفه؟.

أم إرث أبي عمار الذي أمضى حياته بين البندقية وغصن الزيتون وانتهى محاصرا؟.

أم أن لدينا نموذجا عربيا جديدا أكثر راحة: أن يرث الابن الاسم والنفوذ والطريق إلى الكرسي، ويترك للآخرين مشقة التاريخ؟

المشكلة أن التاريخ لا يحترم تشابه الأسماء كثيرا.

ويبقى السؤال: هل يكون مصير ياسر الثالث كمصير عمار بن ياسر، أم كمصير ياسر عرفات أبي عمار؟.

الله أعلم.

لكن المؤكد أن الكنية يمكن أن تُورث، أما التاريخ فلا.