2026-08-24 11:54 م

طائرة ورقية من غزة تُربك منظومة الاحتلال

2026-08-24

بقلم: محمود كلم
 حين تتحول لعبة الأطفال إلى ذاكرةٍ تطارد المستوطنين، تصبح الأشياء الصغيرة أكبر من حجمها.

لم تكن الطائرة الورقية التي ارتفعت من بين ركام غزة تحمل قنبلة، ولا صاروخاً، ولم يكن في خيطها ما يشبه السلاح.

كانت مجرد لعبة طفل: قطعة ورق، وخيط، وعصا صغيرة، صنعها طفلٌ فقد بيته ومدرسته وأصدقاءه، لكنه لم يفقد رغبته في أن يرفع عينيه إلى السماء.

وهنا تكمن المفارقة.

في غزة، حيث تهدمت البيوت، وتراكم الركام فوق الذكريات، وفقد أطفالٌ ألعابهم ودفاترهم وأحلامهم، بقيت أشياء صغيرة تقاوم: قطعة كرتون، وخيط، وعصا رفيعة، وطفلٌ يحاول أن يصنع من الخراب شيئاً يشبه الحياة.

ما أعظم شعباً يستطيع، وسط كل هذا الموت، أن يبحث عن مساحة صغيرة للفرح.

فالطائرة الورقية ليست سلاحاً، لكنها تذكير بأن غزة لم تتحول إلى مقبرة صامتة، وأن الطفل الفلسطيني الذي حُرم من ملعبه ومدرسته وبيته، ما زال قادراً على رفع عينيه إلى السماء.

هم يملكون الطائرات الحربية، والفلسطيني يملك طائرة ورقية.

هم يرسلون الحديد والنار إلى البيوت، والطفل يرسل ورقةً إلى السماء.

ومع ذلك، يمكن لورقة معلقة بخيط أن توقظ الخوف في منظومةٍ اعتادت أن ترى نفسها محصنةً خلف الجدران والأسلاك والسلاح.

ليس لأن اللعبة قوية، بل لأن الخوف قد يجعل الأشياء الصغيرة تبدو أكبر مما هي عليه.

لقد حاول الاحتلال، طوال عقود، أن يزرع الخوف في تفاصيل الحياة الفلسطينية: في الطريق، والمدرسة، والبيت، والشجرة، والمستقبل.

لكن هناك شيئاً لا تستطيع القوة العسكرية مصادرته: القدرة على تحويل الألم إلى معنى.

لهذا تبدو الطائرة الورقية القادمة من بين الركام أكثر من قطعة ورق في السماء.

إنها صورة طفلٍ فقد البيت، لكنه لم يفقد السماء.

وصورة مدينةٍ تُقصف، ثم يخرج من بين حجارتها طفل يبحث عن خيط وورقة، كأنه يقول للعالم:

ما زلنا هنا.

والأشد قسوة أن الرد على هذا المشهد يأتي بالتهديد والتصعيد والتهجير؛ كأن المطلوب ليس فقط إخضاع الإنسان الفلسطيني، بل محو المكان الذي يعيش فيه، والذاكرة التي يحملها، وحتى المساحة الصغيرة التي يحاول أن يصنع فيها شيئاً من طفولته.

لكن التاريخ لا يُكتب دائماً بالأسلحة الثقيلة.

أحياناً تكتبه يد طفل صغيرة، تمسك خيطاً وترفع طائرة ورقية فوق مدينة مدمرة.

فالاحتلال يستطيع أن يهدم بيتاً، ويقتلع شجرة، ويقتل إنساناً؛ لكنه لا يستطيع أن يمنع طفلاً من النظر إلى السماء.

وهنا تكمن قوة المشهد كله:

حين يُنتزع من الإنسان الكثير، يصبح تمسكه بأبسط الأشياء إعلاناً بأنه لم يُهزم.

قد يسقط الركام على البيت، وقد يغيب الأب، وتُفقد الأم، وتُدفن طفولة كاملة تحت الأنقاض.

لكن من بين الحجارة قد تظهر يد صغيرة تحمل ورقةً وخيطاً، وتعيد إلى السماء شيئاً من لونها.

عندها، لا تعود الطائرة الورقية مجرد لعبة.

تصبح شاهداً على طفلٍ كان يريد أن يلعب، فوجد نفسه في مواجهة حرب.

وشاهداً على شعبٍ حاولوا أن يجعلوه يخاف، فبقي قادراً على الحلم.

وشاهداً على أن القوة، مهما بلغت، لا تستطيع أن تنتزع من الإنسان رغبته في الحياة.

من بين الركام، تطير الطائرات الورقية...

ومن بين الخوف، يولد الأمل.

لهذا تحديداً تكتسب ورقةٌ معلقة بخيط كل هذه الدلالة:

أن يبقى الفلسطيني قادراً على أن يحلم، حتى عندما لا يبقى له سوى السماء.