2026-08-22 02:28 ص

كيف أعادت حربي غزة وإيران تشكيل سوق السلاح الدفاعي في الشرق الأوسط؟

2026-08-21

تتبع تحقيق أجراه موقع "عربي بوست" التحول في أولويات الإنفاق العسكري لدى دول الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة؛ إذ اتجهت الدول التي شملها الرصد إلى الاستثمار بصورة متزايدة في منظومات الدفاع الجوي ضد المسيّرات والصواريخ الباليستية، وشراء الصواريخ الاعتراضية، والرادارات، والذخائر الدقيقة، والتصنيع المحلي، أكثر من تركيزها على المنصات العسكرية التقليدية وحدها.

وأظهرت نتائج التحقيق أن الحروب الأخيرة في المنطقة، التي تغيرت فيها طبيعة التهديدات، أعادت أيضاً تشكيل قائمة المشتريات العسكرية نفسها، بما يتوافق معها، لا سيما ما يتعلق بهجمات الطائرات المسيّرة.

واستند التحقيق إلى رصد وتحليل أبرز صفقات وبرامج التسلح في 11 دولة في منطقة الشرق الأوسط، وهي: مصر، وتركيا، والمغرب، والأردن، والجزائر، والسعودية، وقطر، والإمارات، والكويت، والبحرين، وسلطنة عُمان.

ومع غياب الكثير من المصادر الرسمية والبيانات المتاحة لدى دول المنطقة المتعلقة بصفقات التسلح الدفاعي، اعتمد التحقيق بصورة رئيسية على الإفصاحات الرسمية لشركات السلاح المصنعة عالمياً، مثل بوينغ، ولوكهيد مارتن، وداسو للطيران، وهانهوا إيروسبيس، وبايكار، وروكيتسان، وأسيلسان، والصناعات المحلية لبعض الدول، إلى جانب إخطارات وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية (DSCA)، وبيانات الجهات الحكومية المختصة، مع الاستعانة بالمصادر الدفاعية المتخصصة عندما غابت الوثائق الرسمية.

واعتمد التحقيق فترة الرصد من عام 2020 حتى مايو/ أيار 2026، وقسمها إلى فترتين مرتبطتين بفترة ما قبل حربي غزة وإيران، وفترة ما بعدهما، للمقارنة بين الفترتين في ما يتعلق بطبيعة التسلح الدفاعي والتغير الذي طرأ عليه.

وبعد جمع البيانات، صُنفت الصفقات بحسب المورد، والقيمة، وطبيعة السلاح، وما إذا كانت دفاعية أو هجومية، إضافة إلى رصد برامج التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا، وتتبع الاتجاهات الكبرى التي تحكم سوق السلاح في الشرق الأوسط.

فالتحقيق لا يجيب فقط عن سؤال "من اشترى ماذا؟"، وإنما يحاول تتبع التغير الذي طرأ على طبيعة ما تشتريه تلك الدول، لا سيما مع اختلاف طبيعة التهديدات، وتطور الطائرات المسيّرة، وتزايد تهديدات الصواريخ الباليستية، ومن هم الموردون الأكثر استفادة، وكيف انعكست الحروب الأخيرة على أولويات الإنفاق العسكري، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو بناء قدرات إنتاج محلية بالتوازي مع استمرار الاعتماد على الموردين الخارجيين.

وأظهرت البيانات التي جرى جمعها بعد حرب غزة والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أن امتلاك الطائرات أو الدبابات لم يعد وحده كافياً لتحقيق الردع أو الصمود، وأن قدرة الدول على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، والحفاظ على مخزون من الذخائر الدقيقة، وإدامة تشغيل قواتها خلال النزاعات الطويلة، أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة الأمن القومي.

تكشف بيانات صفقات الأسلحة الخاصة بدول الشرق الأوسط بين عامي 2020 و2026 أن سوق السلاح في المنطقة لم يعد يتحرك وفق المنطق التقليدي الذي حكم عقوداً من الإنفاق العسكري، حيث كانت الطائرات المقاتلة والدبابات والسفن الحربية تمثل العنوان الأبرز لصفقات التسليح.

إذ تشير بيانات الدول الـ11 مجتمعة إلى أنه، مع تصاعد دور الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والهجمات بعيدة المدى في الحروب الحديثة، بدأت أولويات الشراء تتجه بصورة متزايدة نحو الدفاع الجوي، والاعتراض، والذخائر الدقيقة.

تكشف بيانات صفقات التسليح المصرية خلال الفترة بين 2020 و2026 عن تحول تدريجي في أولويات الإنفاق العسكري، إذ لم تعد القاهرة تركز فقط على تحديث الطائرات المقاتلة والقطع البحرية، بل بدأت تمنح وزناً متزايداً لمنظومات الدفاع الجوي، والرادارات، والذخائر الدقيقة، في استجابةً واضحةً للتهديدات التي فرضتها الحروب الحديثة في المنطقة.

وتوضح البيانات أن السنوات الأولى من الفترة محل التحقيق شهدت استكمال برامج تحديث القوة التقليدية، عبر التعاقد على مقاتلات رافال الفرنسية، وفرقاطات فريم الإيطالية، وميكو A-200 EN الألمانية، إلى جانب برنامج مدافع كيه-9 ثاندر الكورية الجنوبية، ومروحيات شينوك CH-47F، وطائرات النقل سي-130 جيه سوبر هيركوليز الأمريكية.

ويعكس هذا النمط تنويعاً واضحاً لمصادر التسليح بين الولايات المتحدة وأوروبا وكوريا الجنوبية، مع غياب واضح لروسيا والصين، وهو اتجاه يتوافق مع بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري)، التي تشير إلى تراجع حصة روسيا من سوق تصدير السلاح العالمي خلال السنوات الأخيرة.

غير أن العقود الأحدث تكشف تغيراً لافتاً في طبيعة المشتريات، فقد اتجهت مصر إلى التوسع في اقتناء الذخائر الموجهة، مثل صواريخ هيلفاير AGM-114R ومنظومة القتل الدقيق المتقدمة (APKWS)، إضافة إلى تحديث زوارق الصواريخ بأنظمة قيادة وسيطرة متقدمة.

وبلغ هذا التحول ذروته مع صفقة منظومة ناسامز للدفاع الجوي، ورادارات AN/TPS-78 للإنذار المبكر، وهما من أكبر العقود الدفاعية التي أبرمتها مصر خلال الفترة المعنية.

تكشف بيانات صفقات السعودية مؤخراً عن تحوّل واضح في الشراء العسكري، من التركيز على منصات القتال التقليدية والذخائر الهجومية الدقيقة، إلى بناء طبقات دفاعية قادرة على امتصاص هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة.

ووقعت السعودية صفقة صواريخ باتريوت الأمريكية عام 2026، بقيمتها البالغة 9 مليارات دولار، ولم تكن مجرد تجديد لمخزون صاروخي، بل مؤشراً على انتقال الدفاع الجوي والصاروخي إلى مركز الثقل في التخطيط العسكري السعودي، خصوصاً بعد أن أصبحت التهديدات القادمة من إيران والجماعات المسلحة الموالية لها أكثر كثافةً وتنوعاً وكلفةً من حيث الاعتراض.

وهذا التحول بعد حربي غزة وإيران لا يعني أن الرياض تخلّت عن أدوات القوة الجوية أو الذخائر الهجومية، إذ عقدت صفقات في فبراير/ شباط 2026، لدعم مقاتلات إف-15، وصواريخ أمرام، والطائرات المسيّرة التركية.

ومنذ حرب غزة، وما تبعها من تصعيد في البحر الأحمر، أصبح التهديد غير محصور في ساحات الاشتباك التقليدية، بل امتد إلى طرق التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، وهي عناصر تقع في صلب مشروع السعودية الاقتصادي ورؤية 2030، الذي يهدف، كما تذكر الرؤية، إلى تحويل المملكة إلى قوة صناعية ومركز لوجستي عالمي.

أما التصعيد مع إيران، فقد أعاد تعريف الخطر الرئيسي بالنسبة إلى السعودية: ليس الغزو البري أو الحرب التقليدية الواسعة، بل الهجمات بعيدة المدى منخفضة الكلفة نسبياً، عبر المسيّرات، والصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، التي تستطيع استهداف المطارات، والمنشآت النفطية، ومحطات التحلية، والبنية التحتية الحيوية.

وبين 28 فبراير/ شباط و21 يوليو/ تموز 2026، رصدت السعودية ما لا يقل عن 944 صاروخاً وطائرةً مسيّرة أُطلقت باتجاه أراضيها، بينها 833 مسيّرة، و86 صاروخاً باليستياً، و9 صواريخ كروز، و16 صاروخاً لم يُحدَّد نوعها، بحسب ما ذكرته وزارة الدفاع السعودية وإحصاءات وكالة رويترز.

وتمثل هذه الأرقام الحد الأدنى المثبت، إذ لا تشمل الهجمات الحوثية التي لم تعلن السلطات عدد مقذوفاتها.

ولذلك تبدو الصفقات الدفاعية، مثل باتريوت، وأنظمة الربط التكتيكي لينك-16، وبرامج الاستدامة والتدريب، جزءاً من محاولة بناء منظومة دفاعية تربط الإنذار المبكر بالاعتراض والقيادة والسيطرة، بدلاً من الاعتماد على منظومة واحدة أو مورد واحد.

تكشف صفقات التسليح الإماراتية عن انتقال تدريجي من التركيز على امتلاك منصات التفوق الجوي إلى تحصين المجال الجوي والبنية التحتية الحيوية في مواجهة التهديدات المتنامية.

ففي السنوات التي سبقت حربي غزة وإيران، انصب الاهتمام على تعزيز القدرات الهجومية عبر السعي للحصول على مقاتلات إف-35، والتعاقد على مقاتلات رافال، إلى جانب اقتناء الطائرات المسيّرة إم كيو-9، وتوسيع مخزون الذخائر الموجهة عالية الدقة.

غير أن صفقات الفترة بين 2022 و2026 تكشف تحولاً واضحاً في الأولويات العملياتية نحو بناء دفاع جوي متعدد الطبقات.

فقد شملت العقود خلال تلك الفترة شراء منظومة ثاد لاعتراض الصواريخ الباليستية، ومنظومة إم-سام 2 للدفاع الجوي متوسط المدى، ورادار التمييز بعيد المدى لتعزيز قدرات الإنذار المبكر، إضافة إلى منظومة إف إس-ليدز للتصدي للطائرات المسيّرة الصغيرة والبطيئة ومنخفضة الارتفاع.

وبرز هذا التوجه مباشرةً بعد حرب غزة، إذ لم تعد الإمارات تواجه فقط احتمال حرب تقليدية بين جيوش، بل نمطاً من الحروب يعتمد على الصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف البنية التحتية الحيوية وطرق التجارة.

كما دفعت الحرب الأمريكية على إيران أبوظبي إلى إعادة تقييم كلفة الاعتماد على المقاتلات وحدها، فالمقاتلات المتقدمة تمنح قدرة كبيرة على الردع وتنفيذ الضربات بعيدة المدى، لكنها لا تكفي بمفردها لمواجهة هجمات تجمع بين الصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة.

ويدلل على ذلك حزمة التسليح الأمريكية المعلنة عام 2026 للإمارات، باعتبارها محاولة لسد 3 فجوات رئيسية في المنظومة الدفاعية الإماراتية:

1- صفقات الرصد والتمييز والإنذار المبكر، عبر شراء رادارات بعيدة المدى مدمجة مع منظومة ثاد، ومحطات للقيادة والسيطرة والاتصالات التابعة لمنظومة ثاد.

2- اعتراض الطائرات المسيّرة، عبر صفقات شراء منظومات ثابتة لمكافحة المسيّرات FS-LIDS، وصواريخ اعتراضية من طراز Coyote Block 2، ورادارات KuMRFS، وقواذف كايوتي، وكاميرات كهروبصرية وحرارية، ومنظومات القيادة والسيطرة FAAD C2، لتوفير قدرة متكاملة على كشف المسيّرات الصغيرة والبطيئة والمنخفضة.

3- الحفاظ على الجاهزية الجوية عبر صواريخ أمرام وذخائر إف-16.

وتعكس هذه الحزم توجهاً نحو بناء شبكة دفاع جوي مترابطة تجمع بين الرصد والاعتراض والقيادة والسيطرة قبل وصول التهديدات إلى المدن والمنشآت الحيوية.

تكشف بيانات صفقات التسليح القطرية خلال الفترة بين 2025 و2026 تحولاً واضحاً في أولويات الإنفاق العسكري مقارنة بالفترة التي سبقت حربي غزة وإيران، إذ تركزت العقود الكبرى على تعزيز منظومة الدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة، والذخائر الدقيقة، بدلاً من التوسع في شراء المقاتلات، أو السفن الحربية، أو المنصات البرية الثقيلة.

ويشير هذا النمط إلى أن الدوحة باتت تمنح الأولوية لحماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية، في ظل بيئة أمنية أصبحت تتسم بارتفاع مخاطر الصواريخ والطائرات المسيّرة أكثر من المواجهات التقليدية.

وتُظهر البيانات أن أكبر صفقة خلال الفترة محل التحقيق كانت تجديد مخزون منظومة باتريوت بقيمة تقارب 4.01 مليارات دولار، وهو ما يعكس تركيزاً على ضمان استدامة منظومة الدفاع الجوي القائمة والحفاظ على جاهزيتها التشغيلية.

وفي الوقت ذاته، كشفت صفقة 8 طائرات مسيّرة إم كيو-9، المصحوبة بذخائر ومعدات استطلاع وضربات دقيقة، التي وافقت عليها وزارة الخارجية الأمريكية في مارس/ آذار 2025، أن قطر باتت تنظر إلى المسيّرات ليس بوصفها أداة استطلاع فقط، وإنما جزءاً من منظومة متكاملة تجمع بين الاستخبارات، والمراقبة، والاستطلاع، والضربات الدقيقة، وهو ما يتوافق مع المواصفات التي تقدمها المسيّرات إم كيو-9.

كما تكشف البيانات اعتماداً شبه كامل على الولايات المتحدة مورداً لهذه الصفقات، إذ تشمل جميع العقود المرصودة منظومات أمريكية متطورة في مجالات الدفاع الجوي، والمسيّرات، والذخائر الدقيقة.

كشفت صفقات التسليح الكويتية أيضاً عن تحول واضح من التركيز على منصات القتال التقليدية إلى بناء منظومة دفاع جوي وصاروخي متعددة الطبقات.

فالعقود الأحدث بعد عام 2023 لا تستهدف إضافة قدرات هجومية جديدة بقدر ما تركز على حماية المجال الجوي، والمنشآت الحيوية، والقواعد العسكرية في مواجهة التهديدات المتزايدة.

ويظهر هذا التحول من خلال التعاقد خلال تلك الفترة على منظومة باتريوت لاعتراض الصواريخ الباليستية، ومنظومة ناسامز للدفاع الجوي متوسط المدى، ونظام القيادة والسيطرة المتكامل للدفاع الجوي، الذي يربط الرادارات ومنصات الإطلاق ومراكز القيادة في شبكة واحدة، إلى جانب أنظمة أندوريل المخصصة للتصدي للطائرات المسيّرة عبر الاعتراض الحركي والحرب الإلكترونية.

وجاء هذا التحول في ظل بيئة أمنية تغيرت بصورة متسارعة بعد حرب غزة، التي أظهرت اتساع استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة في الصراعات الإقليمية، ثم الحرب الأمريكية على إيران، التي عززت أهمية امتلاك منظومات دفاع جوي قادرة على التصدي للهجمات المركبة.

وتكشف البيانات أن الكويت باتت تمنح الأولوية لبناء شبكة دفاعية مترابطة تجمع بين الإنذار المبكر، والاعتراض، والقيادة والسيطرة، بما يعزز قدرتها على حماية منشآتها الحيوية والتعامل مع التهديدات الجوية الحديثة، أكثر من التركيز على زيادة أعداد المنصات القتالية التقليدية.

تُظهر صفقات البحرين بين 2022 و2025 مساراً مختلفاً نسبياً عن السعودية والإمارات والكويت خلال تلك الفترة ذاتها؛ إذ لا يبدو التحول نحو الدفاع الجوي الطبقي واضحاً في شكل صفقات باتريوت، أو ناسامز، أو مضادات المسيّرات الكبيرة، بل يظهر عبر إعادة توظيف السلاح التقليدي لخدمة الردع والحماية.

وبعد حرب غزة واتساع هامش التصعيد مع إيران، وبخلاف الدول الخليجية الأكبر، لا تشتري البحرين طبقات دفاعية كاملة، بقدر ما تعزز أدوات الصمود والردع السريع داخل بيئة إقليمية باتت أكثر تعرضاً للصواريخ، والمسيّرات، والضغط الإيراني.

وظهر ذلك في البيانات التي جرى جمعها، إذ أظهرت أن أكبر الصفقات تمثلت في التعاقد على 50 دبابة أبرامز المطورة بقيمة تقارب 2.2 مليار دولار، ما يعكس استمرار الاستثمار في القوة البرية الثقيلة.

كما عززت البحرين قدراتها الهجومية عبر شراء راجمات هيمارس بعيدة المدى، إلى جانب تطوير راجمات إم 270 إلى النسخة الأحدث، وهو ما يمنح القوات المسلحة قدرة أكبر على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى ورفع جاهزية المدفعية الصاروخية.

وفي المجال الجوي، ركزت الصفقات على الحفاظ على الجاهزية التشغيلية أكثر من إدخال منصات جديدة، إذ شملت برنامجاً لدعم واستدامة مقاتلات إف-16، إلى جانب تجديد مروحيات سوبر كوبرا الهجومية.

ويشير ذلك إلى أن البحرين فضلت إطالة العمر التشغيلي لقدراتها الجوية الحالية، بدلاً من الاستثمار في أساطيل جديدة مرتفعة الكلفة.

كما الحال في البحرين، لا تكشف صفقات سلطنة عُمان خلال الفترة بين 2020 و2026 عن موجة تسلح دفاعي أو انتقال واضح نحو منظومات اعتراض طبقية، بقدر ما تعكس استمرار مقاربة عسكرية محدودة تتسق مع سياسة مسقط الخارجية القائمة على الحياد وتجنب التصعيد.

وبعد حرب غزة والتصعيد مع إيران، تبدو سلطنة عُمان أقل ميلاً من جيرانها إلى شراء منظومات دفاع جوي كبرى.

وبحسب الجدول المرفق، فإن العقيدة التسليحية لسلطنة عُمان بين 2020 و2026 ركزت على "الأمن الدفاعي الذاتي المستدام"، حيث فضلت الاستثمار في توطين الصيانة، والاستطلاع الفضائي، ورفع كفاءة الأصول الحالية، بدلاً من الانخراط في سباق التسلح الإقليمي الخاص بمنظومات الدفاع الجوي الصاروخي بعيد المدى المليارية، التي ميزت صفقات بقية دول الخليج.

تكشف بيانات صفقات التسليح المغربية المرصودة خلال الفترة بين 2020 و2026 تحولاً واضحاً في أولويات الإنفاق العسكري، إذ اتجهت المملكة بصورة متزايدة إلى الاستثمار في الدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة، والذخائر الدقيقة، أكثر من التركيز على شراء المنصات العسكرية التقليدية.

وتشير طبيعة الصفقات إلى أن الهدف لم يعد يقتصر على تعزيز القدرات الهجومية، بل أصبح بناء منظومة قادرة على مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات الجوية التي فرضتها الحروب الحديثة.

وتوضح البيانات أن المغرب واصل تحديث قواته المسلحة عبر صفقات متنوعة شملت راجمات الصواريخ هيمارس، وصواريخ أتكامز بعيدة المدى، ومروحيات أباتشي AH-64E، إلا أن الجزء الأكثر أهمية من العقود اتجه إلى إنشاء شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات.

ويبرز ذلك من خلال إدراج الولايات المتحدة المغرب ضمن الدول الموافق على تصدير صواريخ باتريوت الاعتراضية PAC-3 MSE إليها، وفق تقارير، إلى جانب منظومة باراك MX الإسرائيلية، وهو ما يعكس توجهاً نحو دمج أكثر من منظومة اعتراض للتعامل مع الطائرات المسيّرة، والصواريخ الجوالة، والصواريخ الباليستية.

كما عزز المغرب قدراته في مجال الاستطلاع والهجوم الدقيق عبر التوسع في اقتناء الطائرات المسيّرة والذخائر الموجهة.

وفي المقابل، لا تظهر بيانات صفقات التسليح المغربية المرصودة خلال الفترة بين 2020 و2026 اهتماماً مماثلاً بإبرام صفقات كبيرة للدبابات، أو الفرقاطات، أو المقاتلات الجديدة، وهو ما يشير إلى تراجع وزن المنصات التقليدية مقارنة بالأنظمة التي توفر سرعة الاستجابة والدفاع المستمر.

كما تكشف البيانات أن المغرب تبنى سياسة واضحة لتنويع الموردين، فالولايات المتحدة ظلت الشريك الرئيسي في صفقات الطيران، والذخائر، ومنظومات الدفاع الجوي، بينما برزت إسرائيل مورداً مهماً في مجالات الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة، إلى جانب استمرار التعاون مع فرنسا في بعض البرامج.

ويعكس هذا التنوع سعي الرباط إلى تقليل الاعتماد على مصدر واحد.

تكشف بيانات صفقات التسليح الأردنية خلال الفترة بين 2020 و2026 أن عمّان تبنت نهجاً مختلفاً عن بقية دول المنطقة، يقوم على تعزيز الجاهزية التشغيلية للقوات المسلحة أكثر من السعي إلى امتلاك منصات قتالية جديدة.

فبدلاً من التوسع في شراء الدبابات، أو القطع البحرية، أو المقاتلات الحديثة، ركزت العقود التي أبرمتها المملكة خلال الفترة بين 2022 و2026 على تحديث سلاح الجو عبر تحديث مقاتلات إف-16، والتعاقد على مروحيات بلاك هوك UH-60M، وتعزيز قدرات النقل والإسناد، وإدخال منظومات دفاع جوي متطورة، بما يتناسب مع طبيعة التهديدات التي فرضتها الصواريخ والطائرات المسيّرة في المنطقة.

كما تكشف البيانات أن الولايات المتحدة بقيت الشريك الرئيسي في برامج الطيران، والمروحيات، والدعم اللوجستي بالنسبة إلى الأردن.

وإلى جانب تحديث الطيران القتالي، طلب الأردن في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 من الولايات المتحدة نشر منظومات باتريوت للدفاع الجوي والصاروخي على أراضيه، في ظل تصاعد المخاوف من امتداد الصراع الإقليمي واحتمالات تعرض البلاد لتهديدات صاروخية أو هجمات بطائرات مسيّرة.

كما تحدّث المسؤولون الأردنيون عن الحاجة إلى تعزيز قدرات مواجهة المسيّرات، التي أصبحت عنصراً رئيسياً في الحروب الحديثة.

على عكس العديد من دول الشرق الأوسط التي اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى توقيع عقود استيراد ضخمة لتحديث جيوشها، تكشف تجربة تركيا بين عامي 2020 و2026 عن مسار مختلف.

فبينما استمرت أنقرة في السعي للحصول على مقاتلات غربية متقدمة لتعويض التأخر في تحديث قواتها الجوية، اتجه الجزء الأكبر من استثماراتها الدفاعية نحو توسيع الإنتاج المحلي وبناء منظومات دفاع جوي وصاروخي متكاملة.

ووفق البيانات التي جرى جمعها، تتركز الصفقتان المرصودتان خلال 2024–2025 بالكامل في الطيران القتالي: صفقة مقاتلات إف-16 بلوك 70 فايبر من الولايات المتحدة، حسبما أفادت رويترز، ومذكرة تفاهم لشراء ما يصل إلى 20 مقاتلة يوروفايتر تايفون من المملكة المتحدة وشركاء برنامج يوروفايتر، وفق موقع يورونيوز.

تكشف بيانات التسلح الخاصة بالجزائر أنها اتبعت خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2026 مساراً حافظت فيه، إلى حد كبير، على نموذجها التقليدي القائم على تحديث القوة العسكرية عبر الموردين التقليديين، وفي مقدمتهم روسيا، مع انفتاح محدود على الصين وبعض الشركاء الأوروبيين.

والجدير بالذكر هنا أن الجزائر لم تتعرض، كما دول أخرى في المنطقة، إلى تهديدات مماثلة متعلقة بالمسيّرات والصواريخ الباليستية، كما أنها لا تستضيف قواعد عسكرية أمريكية.

وتشير أحدث بيانات معهد سيبري إلى أن الجزائر جاءت في المرتبة الـ21 عالمياً بين أكبر مستوردي السلاح خلال الفترة 2020–2024، إلا أن حجم وارداتها العسكرية انخفض بنسبة 73% مقارنة بالفترة 2015–2019، وهو تراجع يعزوه المعهد بصورة رئيسية إلى دورات الشراء العسكرية، وليس إلى تغيير جذري في العقيدة الدفاعية أو تقليص الإنفاق العسكري.

كما بقيت روسيا المورد الأكبر للسلاح إلى الجزائر، مستحوذة على 48% من إجمالي الواردات، تلتها الصين بنسبة 19%، ثم ألمانيا بنسبة 14%.

ويؤكد التقرير أن هذا التراجع شمل أيضاً الصادرات الروسية إلى الجزائر، التي انخفضت بنسبة 81% مقارنة بالفترة السابقة، في انعكاس للتحديات التي واجهتها الصناعة الدفاعية الروسية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

وتظهر قاعدة بيانات معهد سيبري أن أبرز عمليات التسليم للجزائر خلال الفترة محل الدراسة تركزت في 3 فئات رئيسية فقط.

الأولى كانت تسليم 9 طائرات قتالية روسية، ما يعكس استمرار أولوية تحديث سلاح الجو الجزائري.

أما الثانية، فتمثلت في تسليم 4 طائرات نقل عسكري أمريكية، في مؤشر على استمرار التعاون المحدود مع الولايات المتحدة في مجالات النقل والإسناد، بعيداً عن المنظومات القتالية الاستراتيجية.

بينما جاءت الفئة الثالثة عبر 6 طائرات مسيّرة قتالية صينية، وهو ما يعكس دخول الصين تدريجياً إلى سوق التسليح الجزائري في قطاع أصبح يحظى بأولوية متزايدة في الحروب الحديثة.

ولا تُظهر بيانات الجزائر خلال الفترة نفسها أي صفقات معلنة كبيرة لمنظومات اعتراض صاروخي أو دفاع جوي بعيدة المدى من موردين جدد.

تشير بيانات التسلح في الشرق الأوسط منذ بداية العقد الحالي إلى استمرار الهيمنة الأمريكية على الجزء الأكبر من سوق السلاح في المنطقة، وفي الوقت ذاته، سعت عدة دول إلى فتح قنوات توريد إضافية مع أطراف أخرى، في إطار تنويع محسوب لا يصل إلى مستوى فك الارتباط عن المنظومة العسكرية الغربية.

وتُظهر البيانات الإحصائية التفصيلية الصادرة عن معهد سيبري أن واردات منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة الرئيسية سجلت تراجعاً إجمالياً بنسبة 13% بين الفترتين (2016–2020) و(2021–2025)، ومع ذلك لا تزال المنطقة تستحوذ على حصة تصل إلى 26% من إجمالي واردات السلاح العالمية، مدفوعة بسباقات التسلح الإقليمية والتوترات المتصاعدة التي أدت إلى تعزيز الترسانات الدفاعية.

وبحسب معهد سيبري، استحوذت الولايات المتحدة على 54% من واردات الشرق الأوسط من الأسلحة الرئيسية خلال الفترة 2021–2025، تلتها إيطاليا بـ12%، وفرنسا بـ11%، ثم ألمانيا بـ7.3%، وفق تقرير المعهد الصادر في مارس/ آذار 2026.

في حين تبدو روسيا والصين أقل حضوراً، فقد خفضت موسكو صادراتها العالمية من السلاح بنسبة 64% خلال السنوات الماضية، ولم يذهب إلى الشرق الأوسط سوى 6.45% من صادراتها بين 2020 و2024، بينما بيّن المعهد أن الأسباب تشمل أولوية الإنتاج للحرب، والعقوبات، والضغط الغربي على المشترين.

أما الصين، فرغم أنها خامس مُصدّر عالمي خلال الفترة 2021–2025، بحصة 5.6% من الصادرات العالمية، فإنها لم تظهر ضمن كبار موردي الشرق الأوسط على مستوى الحصة الإقليمية الكلية.

خريطة الموردين حسب الدولة
يلخص الجدول التالي أبرز الموردين بحسب الدولة، اعتماداً على جدول معهد سيبري الخاص بأكبر مستوردي السلاح في منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة 2021–2025.

تفصيل الموردين وتصنيف الصفقات في خمس دول
إلى جانب الحصص الإجمالية التي يرصدها معهد سيبري، يعرض التحقيق خرائط الموردين التفصيلية لخمس من الدول المرصودة، مع تصنيف الصفقات نفسها بحسب طبيعة السلاح، بما يكشف أين تذهب أموال كل دولة فعلياً.

تكشف الصفقات في منطقة الشرق الأوسط أن المستفيد الأكبر من موجة التسلح الجديدة لم يكن دولة واحدة أو شركة بعينها، بل شبكة من الموردين الغربيين الذين تمكنوا من إعادة ترسيخ حضورهم في أسواق المنطقة، في وقت تراجع فيه الحضور الروسي بصورة ملحوظة.

وتبرز الولايات المتحدة باعتبارها الرابح الأكبر من هذه الموجة، فالشركات الأمريكية حاضرة في معظم الصفقات الكبرى التي رصدها التحقيق، بدءاً من مقاتلات إف-16 بلوك 70 للأردن وتركيا، مروراً بمنظومات ناسامز في مصر، وهيمارس في المغرب، وصولاً إلى صواريخ هيلفاير، وجافلين، وستينغر، وأمرام.

ويعني ذلك أن الشركات الأمريكية لم تعد تبيع منصات فقط، بل أصبحت تبيع منظومات متكاملة تشمل الرادارات، والذخائر، والاعتراض، والدعم اللوجستي.

وتأتي شركات مثل لوكهيد مارتن، وآر تي إكس، وبوينغ في مقدمة المستفيدين. فلوكهيد مارتن تظهر في برامج إف-16، وهيمارس، وجافلين، وهيلفاير، بينما تستفيد آر تي إكس من صفقات ناسامز، وأمرام، وستينغر، في حين تواصل بوينغ حضورها عبر الأباتشي، والشينوك، والقنابل الموجهة.

وفي المقابل، ظهرت إسرائيل مورداً لتقنيات الدفاع الجوي والمسيّرات، كما في المغرب، من خلال منظومة باراك إم إكس، وبرامج تصنيع المسيّرات محلياً.

وتكشف هذه الصفقات أن إسرائيل لم تدخل المنافسة عبر الدبابات والطائرات، بل عبر القطاعات الأسرع نمواً في سوق السلاح المعاصر.

كما تمكنت كوريا الجنوبية من تسجيل اختراق مهم عبر صفقة كيه-9 ثاندر المصرية، وهي إشارة إلى توسع الشركات الكورية في سوق السلاح الإقليمي، مستفيدة من الجمع بين التكلفة الأقل نسبياً والمرونة في نقل التكنولوجيا.

وفي المقابل، وباستثناء صفقاتها مع الجزائر، تبدو روسيا الغائب الأكبر عن البيانات التي جرى رصدها. فعلى الرغم من أن موسكو كانت خلال العقدين الماضيين أحد أبرز موردي السلاح في المنطقة، فإن الصفقات الجديدة التي تم توثيقها تكاد تخلو من حضور روسي مؤثر. وينطبق الأمر، بدرجة أقل، على الصين.

وتشير هذه النتائج إلى أن الحروب الأخيرة لم تؤد فقط إلى زيادة الطلب على السلاح، بل أعادت أيضاً توزيع الحصص داخل السوق الإقليمية.

فالولايات المتحدة ما زالت المهيمن الرئيسي، بينما توسعت إسرائيل وكوريا الجنوبية، في حين تراجع حضور الموردين التقليديين الذين واجهوا صعوبات في المنافسة أو في تلبية الطلب المتزايد على أنظمة الاعتراض والدفاع الجوي الحديثة.

من الاستيراد إلى التصنيع.. هل بدأت المنطقة بناء صناعات دفاعية محلية؟
لم تعد خريطة التسلح في الشرق الأوسط تُقرأ فقط من زاوية حجم الصفقات أو هوية المورّدين، بل باتت ترتبط أيضاً بسؤال يتصل بقدرة الدول على إنتاج السلاح، أو صيانته، أو تطويره، أو امتلاك جزء من سلاسل القيمة الصناعية والتكنولوجية المرتبطة به.

ودفعت الحروب الممتدة، وتصاعد استخدام المسيّرات والصواريخ، واضطراب سلاسل الإمداد، عدداً من دول المنطقة إلى مراجعة الاعتماد الكامل على شراء المنظومات الجاهزة من الخارج، خصوصاً في ما يتعلق بالذخائر، وقطع الغيار، والصيانة، وتحديث البرمجيات، وإدامة التشغيل خلال الأزمات الطويلة.

وفي هذا السياق، بدأت دول عدة في الخليج والشرق الأوسط إعادة صياغة علاقتها بقطاع الدفاع، من التركيز على الاستيراد المباشر إلى البحث عن صيغ مختلفة للتوطين الصناعي، أو نقل المعرفة، أو الشراكة مع مورّدين دوليين.

لكن هذا التحول لا يسير وفق نموذج واحد؛ فالسعودية تربط جزءاً كبيراً منه بأهداف رؤية 2030، والإمارات طورت مجموعة دفاعية واسعة ذات حضور خارجي، وقطر تعتمد بدرجة أكبر على الشراكات والاستثمار في التكنولوجيا، بينما تتحرك عُمان والكويت والبحرين ضمن نطاقات أضيق تتعلق بالذخائر، أو الأوفست، أو الخدمات الدفاعية.

فيما تبدو تركيا الحالة الأكثر تقدماً في بناء قاعدة دفاعية محلية متعددة القطاعات، أما مصر فتعتمد على الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا.

ويدخل المغرب هذا المجال تدريجياً عبر بوابة المسيّرات، بينما يظل الأردن أقرب إلى نموذج الصيانة والدعم الفني، وتتحرك الجزائر من خلال شراكات تسمح بالتجميع المحلي ونقل جزئي للخبرة.

أولاً: خرائط الدول الخليجية في التصنيع المحلي
لم تعد دول الخليج مؤخراً تتعامل مع السلاح باعتباره "منصة" تُشترى من الخارج فقط، بل بدأت تتعامل معه بوصفه أداة استراتيجية ورافعة حيوية لبناء قاعدة صناعية دفاعية محلية، ما يمثل انتقالاً من استراتيجية "شراء السلاح" إلى "توطين الصناعة الدفاعية".

في السابق، كانت منطقة الشرق الأوسط أكثر مناطق العالم استيراداً للسلاح، إذ استحوذت على 27% من الواردات العالمية في الفترة 2020–2024، فيما كانت السعودية وقطر والكويت والإمارات بين كبار المستوردين عالمياً خلال الفترة 2021–2025.

وبالتوازي، أظهرت هجمات المسيّرات والصواريخ على البنية التحتية السعودية، إلى جانب استمرار المخاطر الأمنية في الخليج، أهمية ألا يقتصر بناء القدرة الدفاعية على شراء المنظومات من الخارج. ويتقاطع ذلك مع استراتيجية التوطين السعودية التي تستهدف، وفق الوثائق الرسمية، تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، والجاهزية العسكرية، وبناء سلسلة إمداد محلية تشمل قطع الغيار، والذخائر، والتصنيع، والصيانة، والإصلاح، بما يقلل الاعتماد على الخارج في استدامة القدرات العسكرية.

1- السعودية
في السعودية، يمثّل التصنيع الدفاعي المحلي جزءاً مباشراً من هندسة رؤية 2030، وتشير الوثيقة الرسمية للرؤية إلى هدف "توطين أكثر من 50% من الإنفاق على المعدات العسكرية بحلول 2030"، وذلك بعد أن كانت هذه النسبة لا تتجاوز 2 إلى 4% قبل إطلاق الرؤية.

ولتنظيم هذا التحول، أُسست الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI) عام 2017 لتتولى الدور التشريعي والتنظيمي للقطاع، حيث تعمل على إصدار التراخيص للشركات المحلية والدولية، وتطوير استراتيجية الصناعة، وإدارة المشتريات العسكرية، فضلاً عن قياس وتطبيق نسب التوطين الإلزامية عبر برامج المشاركة الصناعية.

فيما تمثل الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI)، المملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، الذراع التنفيذية والتجارية لذلك.

وتقدم الشركة نفسها على أنها "تعمل كبطل وطني يهدف إلى وضع السعودية ضمن أفضل 25 شركة دفاعية عالمياً".

وتدير SAMI منظومة واسعة من 5 قطاعات حيوية:

الأنظمة الجوية
الأنظمة البرية
الأنظمة البحرية
الأسلحة والصواريخ
الإلكترونيات المتقدمة
وقامت بتعزيز قدراتها من خلال دمج كيانات، مثل المؤسسة العامة للصناعات العسكرية، واستحواذها الكامل على شركة الإلكترونيات المتقدمة (AEC) لتطوير حلول الحرب الإلكترونية والسيبرانية.

وبحلول نهاية عام 2024، أعلنت السلطات السعودية أن نسبة "توطين الإنفاق العسكري" قفزت لتصل إلى نحو 24.89%، وهو ما يمثل تقدماً مرحلياً كبيراً نحو الهدف النهائي.

وتتعدد أمثلة التوطين الفعلي في السعودية؛ ففي القطاع البحري، أنجزت الشركة مشروع "السروات" بالتعاون مع "نافانتيا" الإسبانية لإنتاج 5 طرادات، حيث جرى لأول مرة تطوير وتوطين نظام إدارة المعارك البحري تحت اسم "حزم" (Hazem).

وفي الأنظمة البرية، طورت SAMI مجمعها الصناعي البري، وأبرمت مذكرات واتفاقيات ملزمة في منتصف عام 2025 لنقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك مع شركات تركية رائدة، شملت نقل تقنية عربات 8x8 المدرعة مع (FNSS)، ومركبات 4x4 مع (Nurol Makina)، وتوطين صناعة الأبراج القتالية مع (ASELSAN).

وعلى صعيد الأنظمة الجوية، وقعت السعودية عقوداً ضخمة مع شركة بايكار التركية لا تقتصر على شراء طائرات "أكينجي"، بل تتضمن تصنيع هياكل الطائرات، والأنظمة الإلكترونية، والذخائر، ما يؤسس لقاعدة إنتاج طائرات مسيّرة وطنية.

2- الإمارات
تُعد الإمارات النموذج الخليجي الأكثر وضوحاً من حيث بنية الشركات الدفاعية المندمجة، ففي أواخر عام 2019 أُسست مجموعة إيدج (EDGE Group)، التي دمجت تحت مظلتها أكثر من 25 شركة دفاعية وتكنولوجية إماراتية، وتوسعت لاحقاً لتشمل أكثر من 35 كياناً، ضمن عناقيد رئيسية تشمل المنصات والأنظمة، والصواريخ والأسلحة، والفضاء والتقنيات السيبرانية، والتصنيع والتقنية والابتكار، والأمن الداخلي، مع قدرات تمتد من التصميم والهندسة والتصنيع إلى التحديث، والعمرة، والخدمات.

ويحظى التصنيع الإماراتي بالتنوع مقارنة بالدول الخليجية الأخرى، ففي قطاع السفن والزوارق العسكرية تبرز شركة أبوظبي لبناء السفن، التي تصنع وتسوق زوارق الهجوم والاعتراض وسفن (Falaj 3).

وفي قطاع العربات المدرعة، تنتج شركة نمر الإماراتية مدرعات عجبان، وحفيت، وجيس، ومن بينها مركبات جيس المقاومة للألغام والكمائن. ونجحت الشركة في تصدير مركباتها وإبرام اتفاقيات إنتاج ونقل تكنولوجيا خارج الإمارات، من بينها اتفاقية لتصنيع جيس محلياً في السعودية، إلى جانب عقود توريد للقوات الجزائرية.

وعلى صعيد الذخائر الذكية والمسيّرات، تمتلك مجموعة إيدج شركات مثل (Halcon)، التي تنتج ذخائر (Desert Sting) والطائرات الانتحارية الجوالة، فضلاً عن الطائرة المسيّرة القتالية (Sinyar)، المطورة حديثاً بالتعاون مع شركة (Flaris) البولندية لتوفير قدرات استطلاع وهجوم بعيدة المدى.

كما كشفت إيدج في 2025 عن رادارات NEMUS وTAWAQ، وأنظمة EO/IR من فئة MIRSAD، وحلول SKYSHIELD المضادة للمسيّرات، ومنظومة BORDERSHIELD بقدرات كشف مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب أنظمة مقاومة التشويش GPS PROTECT.

إلى ذلك، انتقلت الإمارات إلى نموذج الاستحواذ وتصدير المنتجات، من خلال الاستحواذ على حصص في شركات تكنولوجية متقدمة في أوروبا، مثل Milrem Robotics في إستونيا وFlaris في بولندا.

وأعلنت إيدج عقداً بقيمة مليار يورو لبناء كورفيتات بحرية لصالح البحرية الأنغولية عبر ADSB، ثم أعلنت في 2025 عقداً بحرياً بقيمة 9 مليارات درهم لتوريد زوارق صاروخية FALAJ3 إلى وزارة الدفاع الكويتية، ووصفت الصفقة بأنها الأعلى قيمةً في صادرات الصناعات البحرية بالمنطقة حتى الآن.

وتظهر الأرقام الرسمية للشركة أن منتجاتها وصلت إلى 91 دولة، وأن الطلبات الدولية تجاوزت 2.1 مليار دولار في 2024، ثم أصبحت الصادرات تمثل 76% من إجمالي مبيعات 2025، وفق إفصاح رسمي لاحق.

3- قطر
النموذج القطري أقل اتساعاً من النموذجين السعودي والإماراتي، لكنه منظم بوضوح حول الشراكات الدولية، والبحث والتطوير، ونقل المعرفة، وبناء قدرات نوعية داخل قطر.

وبحسب الوصف الرسمي الصادر عن واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا، تعمل برزان هولدنج بوصفها الجهة المسؤولة عن تمكين القدرات العسكرية للقوات المسلحة القطرية عبر الشراكة مع شركات ومنظمات دفاعية دولية رائدة، وتقدم نفسها بوصفها "بوابة تجارية" لصناعة الدفاع في قطر توفر فرصاً للتعاون في البحث والتطوير، وتسهيل نقل المعرفة، وابتكار تقنيات دفاع وأمن جديدة.

وفي المجالات الموثقة، وسعت برزان شراكتها عبر مشروع (BARQ) المشترك مع شركة "أسيلسان" لإنتاج الأنظمة عالية التقنية والأنظمة الكهروضوئية.

كما وقعت مذكرات تفاهم مع شركة صناعة الطيران التركية وشركة (STM) لتطوير الأنظمة المسيّرة.

وفي مجال البرمجيات الذكية، أبرمت برزان اتفاقاً مع (GA-ASI) الأمريكية لتطوير قدرات برمجية لإدارة المعارك والوعي الظرفي، بالإضافة إلى عقد اتفاقيات مع شركات كبرى مثل "بوينغ" و"لوكهيد مارتن" لتعزيز الدعم اللوجستي، والصيانة، وتطوير رأس المال البشري محلياً.

واللافت في النموذج القطري أنه يمتد إلى الاستثمار الخارجي لسد الثغرات، كما حدث في معرض ديمدكس 2026، عبر توقيع اتفاقية ثلاثية مع (Republikorp) الإندونيسية و(Poongsan) الكورية الجنوبية لتأسيس مصنع ذخائر في إندونيسيا، لضمان استدامة توريد الذخائر.

فكان النموذج القطري أقرب إلى منصة شراكات دفاعية واستثمار تكنولوجي، دون استنساخ نموذج "مجموعة دفاعية صناعية" أو منظومة التوطين.

4- سلطنة عُمان
تُعد الشركة العمانية لإنتاج الذخائر (OMPC)، التي أُسست منشأةً حكوميةً عام 2014، المثال الرسمي للتصنيع المحلي المحدود.

واستثمرت السلطنة في بناء مصنع يتمتع بشهادات الجودة العالمية (ISO 9001)، لتزويد قطاعي الدفاع والأمن الداخلي بالذخائر الخفيفة المطابقة لأعلى معايير حلف الناتو (STANAG) والمواصفات العسكرية الأمريكية.

وتشمل المنتجات ذخائر المسدسات من عيار 9x19mm، وذخائر البنادق الهجومية من عيار 5.56x45mm، بالإضافة إلى ذخائر الأسلحة المتوسطة والقناصة من عيار 7.62x51mm.

5- الكويت
اعتمدت الكويت تاريخياً سياسات الأوفست (المشاركة الاقتصادية) أداةً لربط ميزانية المشتريات الدفاعية بمشروعات تنموية في الداخل.

وأُدير برنامج الأوفست الكويتي عبر هيئة تشجيع الاستثمار المباشر (KDIPA)، التي فرضت التزاماً يعادل 35% من القيمة النقدية لعقود التوريد الدفاعي التي تتجاوز 3 ملايين دينار كويتي، والعقود المدنية التي تتجاوز 10 ملايين دينار كويتي، على أن يُستثمر هذا المبلغ في قطاعات تخدم الاقتصاد الكويتي.

ومع ذلك، وبسبب معيقات تنفيذية، أصدر مجلس الوز