بقلم: فريد مرة
لا يمكن النظر إلى المقرر الدراسي بوصفه مادة مستقلة يمكن إعدادها أو تعديلها أو إلغاؤها بمعزل عن السياق التربوي الذي أنتجها؛ فالمقرر هو نتاج لمنظومة تربوية متكاملة، تبدأ من الرؤية الوطنية الكبرى، وتنتهي بالممارسة التعليمية والتقويم والتطوير المستمر.
وتتدرج هذه المنظومة بصورة منطقية ومترابطة على النحو الآتي:
أولًا: الخطة الاستراتيجية الوطنية العامة
تنطلق المنظومة من التوجهات والأولويات التي تحددها الخطة الاستراتيجية الوطنية، وما تتضمنه من تصورات لمستقبل المجتمع والدولة واحتياجاتها التنموية.
ثانيًا: الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم
تُبنى الاستراتيجية التربوية على ضوء الاستراتيجية الوطنية العامة، وتحدد أولويات قطاع التربية والتعليم واتجاهاته وأدواره في تحقيق الغايات الوطنية.
ثالثًا: تحديد الرؤية التربوية
في ضوء الاستراتيجية التربوية تتحدد الرؤية التي تجيب عن السؤال: أي نوع من التربية نريد، وأي إنسان نريد أن تسهم المدرسة في بنائه؟
رابعًا: تحديد الفلسفة التربوية
وبناءً على هذه الرؤية تتشكل الفلسفة التربوية التي تتناول الأسئلة الكبرى المتعلقة بالتربية والتعلم، ودور المدرسة، وطبيعة المعرفة، ودور المعلم والمتعلم، والقيم والاتجاهات التي ينبغي أن تتشكل لدى المتعلم.
خامسًا: تحديد معايير التعليم والتعلم الجيد وملامح المتعلم المستهدف
انطلاقًا من الفلسفة التربوية، يتم تحديد معايير التعليم والتعلم الجيد، وتحديد خصائص المتعلم الذي نريد إعداده، من حيث المعارف والمهارات والقيم والاتجاهات والكفايات.
سادسًا: بناء المنهاج
في ضوء ذلك كله، يُبنى المنهاج بناءً علميًا وتكامليًا، بحيث تتوزع مكوناته بصورة متدرجة ومترابطة بين المراحل التعليمية المختلفة، وبين المباحث والموضوعات، بما يضمن تحقيق الأهداف العامة للمنظومة وتجنب التكرار أو الفجوات أو التعارض بين مكوناتها.
سابعًا: إعداد المقرر الدراسي
يأتي المقرر الدراسي بوصفه إحدى الحلقات التنفيذية لهذه المنظومة. ولذلك ينبغي أن يُعد من قبل متخصصين يمتلكون الكفاءة العلمية والفنية، ولديهم وعي كامل بالخطة والاستراتيجية والرؤية والفلسفة والمعايير والأهداف التي بُني عليها المنهاج. ومن ثم، فإن المقرر لا يُبنى بمعزل عن هذه المقدمات، وإنما يُشتق منها ويترجمها إلى محتوى وتجارب تعلم قابلة للتطبيق.
وماذا عن تقويم المقرر؟
إن تقويم المقرر ليس مجرد انطباعات فردية أو أحكامًا عابرة على محتواه، بل هو عملية علمية منظمة تقوم بها لجان متخصصة، وفق معايير وأدوات وأساليب محددة، بهدف التحقق من مدى إسهامه في تحقيق الأهداف التربوية الكبرى التي بُنيت المنظومة من أجلها.
ومن هنا، فإن تطوير المقرر أو تعديله يجب أن يكون نتيجة لعملية تقويم علمية، تكشف مواطن القوة والضعف، وتحدد ما يحتاج إلى تطوير، وما ينبغي الإبقاء عليه، وما يتطلب إعادة بناء.
إلغاء المقرر ليس مجرد قرار فني
أما إلغاء المقرر بصورة منفردة، ومن دون النظر إلى هذه المنظومة ومقدماتها ومتطلباتها، فإنه يعني عمليًا تجاوز السياق الذي أنتج المقرر أصلًا، وتجاهل العلاقات التي تربطه بالأهداف والمعايير والمنهاج وبقية المكونات التربوية.
وهنا تكمن الخطورة؛ لأن الأمر لا يتعلق بالمقرر وحده، بل بصورة النظام التعليمي ككل.
فإذا أصبح كل مكون من مكونات العملية التعليمية خاضعًا لقرار منفصل، دون مرجعية تربوية مشتركة ومعايير واضحة، فإننا ننتقل تدريجيًا من منظومة تعليمية متكاملة إلى قرارات متفرقة، ومن العمل المؤسسي إلى الاجتهاد الفردي، ومن التخطيط إلى ردود الأفعال.
ولا يعني ذلك أن المعلم لا يمتلك مساحة من الاستقلالية المهنية؛ بل على العكس، فالمعلم المهني يحتاج إلى مساحة واسعة للاجتهاد والإبداع في كيفية تنفيذ المنهاج وتعليم الطلبة. لكن هذه الحرية ينبغي أن تمارس داخل إطار تربوي واضح يحدد الغايات والمعايير والمخرجات المتوقعة.
إن ترك كل مكون أو كل مستوى يعمل وفق رؤيته الخاصة، من دون مرجعية مشتركة، لا يؤدي إلى التنوع الإيجابي، وإنما قد يقود إلى فوضى تربوية يصعب معها ضمان العدالة في فرص التعلم، أو اتساق المخرجات، أو إمكانية تقويمها وتطويرها.
الأخطر: تعطيل التقويم والتطوير
ولعل الأخطر من ذلك أن القرارات المنفردة بإلغاء المقررات أو تغييرها، دون تقويم علمي ومنهجي، تضعف أصلًا مبدأ التقويم والتطوير المستمر.
فالتطوير الحقيقي لا يبدأ بالإلغاء، وإنما يبدأ بالسؤال:
ما الذي نريد تحقيقه؟ وما الذي تحقق فعلًا؟ وما الذي لم يتحقق؟ ولماذا؟ وما الذي ينبغي تطويره؟
وبناءً على الإجابات العلمية عن هذه الأسئلة يمكن اتخاذ القرار المناسب: تطوير المقرر، أو إعادة بنائه، أو دمجه، أو تعديله، أو حتى إلغاؤه إذا أثبت التقويم العلمي عدم الحاجة إليه.
أما أن يبدأ القرار بالإلغاء قبل تقويم موقع المقرر ووظيفته وعلاقته ببقية مكونات المنظومة، فهذا يعكس الاتجاه الطبيعي لصناعة القرار التربوي.
فالمقرر ليس نقطة البداية، كما أن إلغاءه لا ينبغي أن يكون نقطة النهاية؛ بل كلاهما جزء من منظومة تبدأ بالرؤية وتنتهي بالتقويم والتطوير المستمر.
والقاعدة الأهم التي ينبغي أن تحكم أي إصلاح تربوي هي:
لا نغيّر المقرر قبل أن نفهم المنظومة التي أنتجته، ولا نلغيه قبل أن نعرف الوظيفة التي يؤديها، ولا نطوّره قبل أن نقوّمه وفق الأهداف والمعايير التي بُني عليها.

