2026-08-14 09:29 م

اجتماع عمّان العسكري: دمشق تعزّز انخراطها في المسار الأميركي

2026-08-14

أعاد الاجتماع العسكري الذي استضافته العاصمة الأردنية عمّان، الثلاثاء الماضي، وضمّ قيادات عسكرية من الأردن وسوريا والعراق وإقليم كردستان العراق، بحضور قائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر، تسليط الضوء على التحولات التي يشهدها مستوى التنسيق العسكري بين سوريا ودول الجوار. وشارك في الاجتماع، رئيس هيئة الأركان الأردنية يوسف الحنيطي، ورئيس هيئة الأركان السورية علي نور الدين النعسان، ورئيس أركان الجيش العراقي عبد الأمير رشيد يار الله، ووزير شؤون «البيشمركة» في إقليم كردستان شورش إسماعيل، فيما تركّزت المباحثات، بحسب البيانات الرسمية، على أمن الحدود ومواجهة التهديدات العابرة لها، إلى جانب تبادل المعلومات والخبرات وتعزيز التنسيق العسكري.
وفي وقت لم تكشف فيه البيانات الصادرة عن الاجتماع عن مناقشة ملف «قسد» خلاله -رغم تزامنه مع تطورات متسارعة تُسجَّل في هذا الملف-، كما لم تُشِر إلى وجود ترتيبات عسكرية جديدة تتعلّق بشمال شرق سوريا، فإن توقيت اللقاء وطبيعة المشاركين فيه يضعانه في سياق مسارَين متوازيَين تشهدهما المنطقة منذ أشهر. يتعلّق أولهما بالترتيبات الجارية لإعادة دمج «قسد» ضمن مؤسّسات السلطات الانتقالية -وفق اتفاقَي 29 كانون الثاني-، والتي أدت فيها الولايات المتحدة وإقليم كردستان دوراً كبيراً، والثاني؛ يرتبط بتوسيع التنسيق الأمني والعسكري بين سوريا ودول الجوار ضمن ترتيبات تتصدّرها واشنطن أيضاً.

وإذ يأتي الاجتماع في وقت لا يزال فيه ملفّ دمج «قسد» يواجه تعقيدات عديدة، من بينها أزمة المقاتلات الكرديات وطريقة دمجهنّ، إلى جانب مستوى الإدارة الأمنية والعسكرية الذي سيحظى به الأكراد في مناطق وجودهم التاريخية (شمال شرقي سوريا)، فهو يفتح الباب أيضاً أمام مزيد من التعاون في الملف العسكري، الذي بات لأربيل موقع بارز فيه، موازٍ للموقع العراقي الرسمي.
وإلى جانب ملفّ «قسد»، يجيء هذا الاجتماع في ظلّ استمرار المخاوف المتعلّقة بالحدود العراقية، سواء بسبب ردّة الفعل المتوقّعة من قوات «الحشد الشعبي» على أيّ تدخل سوري محتمل في لبنان بدفع أميركي، أو بسبب الضغوط الأميركية لتشديد مراقبة الحدود ومنع التهريب، الأمر الذي يفسّر رفع مستوى التنسيق العسكري السوري - العراقي في المدة الماضية.

وبالتوازي مع هذا المسار، شهدت الأشهر الفائتة ارتفاعاً في مستوى انخراط المؤسسة العسكرية السورية ضمن اجتماعات وتفاهمات أمنية تقودها الولايات المتحدة. ففي الأول من تموز الماضي، شاركت سوريا في حوار أمني إقليمي استضافته البحرين بقيادة «سنتكوم»، إلى جانب مسؤولين عسكريين من 11 دولة أخرى، بينها الأردن وعدد من دول الخليج ومصر ولبنان واليمن. ووصفت «سنتكوم» الاجتماع المذكور بأنه أول مؤتمر دفاعي إقليمي، تقوده واشنطن بمشاركة عسكريين من سوريا ولبنان، فيما تناولت المباحثات التي تخلّلته البيئة الأمنية الإقليمية والتعاون الدفاعي وأمن الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى قضايا مرتبطة بالدفاع الجوي والصاروخي وتبادل المعلومات. وبعد نحو ستة أسابيع، حضر كوبر اجتماع عمّان إلى جانب القيادات العسكرية السورية والأردنية والعراقية والكردية، قبل أن يواصل تحرّكاته المرتبطة بالعراق والترتيبات الخاصة بمهمة «التحالف الدولي».
وفي وقت لا توجد فيه معلومات رسمية تربط بين اجتماعَي البحرين وعمّان، فإن مشاركة سوريا فيهما تعكس تطوراً في طبيعة العلاقة العسكرية بين دمشق وواشنطن، ودفعاً نحو المشاركة في اجتماعات أمنية إقليمية أوسع. والجدير ذكره، هنا، أن الولايات المتحدة استبقت حربها على إيران بتقليص مساحة وجودها العسكري، سواء في العراق أو في سوريا، التي انسحبت من جميع قواعدها العسكرية فيها وسلّمتها للسلطات الانتقالية، في وقت استمرّت فيه في إدارة الملف السوري عبر مبعوثها الخاص إلى سوريا، توماس برّاك، الذي يعمل بالتنسيق مع قائد «سنتكوم».

وبالعودة إلى اجتماع عمّان، بدا لافتاً أن وسائل الإعلام الرسمية العراقية والأردنية وحتى السورية، أشارت إليه باعتباره «رباعياً» -أي مع حسبان وجود ممثّل عن إقليم كردستان العراق-، من دون الحديث عن كوبر، الذي كان وصل إلى عمّان للإشراف على مراسم انتقال قيادة «قوة المهام المشتركة» -عملية «العزم الصلب» (CJTF-OIR)-، التي تتّخذ من الأردن مقراً لها وتتولّى مهام دعم القوات الشريكة في مواجهة تنظيم «داعش» في العراق وسوريا. وشهدت هذه المراسم تسليم اللواء كيفن لامبرت قيادة القوة إلى اللواء البحري ليام هولين، فيما أشار كوبر خلالها إلى دور «العزم الصلب» في «مكافحة الإرهاب» وتعزيز الشراكات والأمن الإقليمي، مشيداً بنقل أكثر من 5700 معتقل من عناصر «داعش» من سوريا إلى العراق خلال مدة قيادة لامبرت.
وجاءت الإشارة إلى كوبر في خبر منفصل تحدّث عن لقاء على هامش الاجتماع بين قائد «سنتكوم» ورئيس «هيئة الأركان المشتركة» الأردنية يوسف الحنيطي. وبحسب الموقع الرسمي لـ«القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية»، فإن الاجتماع جاء «في إطار حرص القوات المسلحة الأردنية على تعزيز علاقاتها مع جيوش المنطقة، وتطوير قنوات التنسيق والتواصل معها، بما يسهم في مواجهة التحديات المشتركة، وحماية أمن الحدود، وتعزيز دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة».
وبينما لا تزال طبيعة الترتيبات التي تبحثها هذه الاجتماعات غير واضحة، فإن تزامنها مع مسار دمج «قسد» وإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية السورية، فضلاً عن تقليص الوجود العسكري الأميركي المباشر، يشير إلى وجود توجه نحو رفع مستوى التنسيق بين سوريا ودول الجوار في الملفّات الأمنية المشتركة. ويضع ذلك «اجتماع عمّان» ضمن مسار أوسع لا تزال ملامحه قيد التشكّل، فيما يبقى مدى ارتباطه بالترتيبات الأميركية الجديدة في سوريا والعراق مرهوناً بالخطوات التالية التي ستتّخذها الولايات المتحدة.

الاخبار اللبنانية