2026-08-15 01:07 ص

3 سيناريوات لانتخابات الكنيست

2026-08-14

بقلم: احمد الدبش

تتجه إسرائيل إلى انتخابات الكنيست السادسة والعشرين في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 في بيئة سياسية واجتماعية شديدة الاستقطاب، وفي ظل استمرار تداعيات عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحروب التي أعقبتها. ولا تبدو الانتخابات المقبلة مجرد منافسة على هوية رئيس الوزراء، بل اختباراً لقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على التعامل مع أزمة أعمق تمسّ العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتتمثّل أبرز مظاهرها في قضية تجنيد الحريديم، والصراع حول القضاء، والثقة بالمؤسسات السياسية والأمنيّة، وتصاعد نفوذ التيارات القومية والدينية.

وتكشف استطلاعات الرأي عن تقارب واضح بين معسكر بنيامين نتنياهو والقوى المناهضة له، بالتزامن مع صعود حزب «يشار» بقيادة غادي آيزنكوت، وإعادة تشكيل المعارضة بعد تحالف نفتالي بينيت ويائير لابيد. ومع ذلك، لا يبدو أن أياً من المعسكرين ضمِن حتى الآن أغلبية مستقرّة من 61 مقعداً، ما يجعل احتمالات الانسداد السياسي قائمة.

وعليه، فإن انتخابات 2026 يمكن قراءتها بوصفها انتخابات أزمة العقد الاجتماعي الإسرائيلي بقدر ما هي انتخابات لتحديد الحكومة المقبلة.
يصعب فهم انتخابات 2026 بمعزل عن عملية «طوفان الأقصى» وما أعقبها. فقد تركت أحداث 7 أكتوبر والحرب الطويلة آثاراً عميقة على الثقة بالقيادتين السياسية والعسكرية، وأعادت إلى الواجهة سؤال المسؤولية عن الإخفاق الأمني. وأصبح تشكيل لجنة تحقيق رسمية ومستقلة أحد المطالب الأساسية للمعارضة، كما جعله تحالف بينيت – لابيد جزءاً من خطابه السياسي.

لذلك، تحمل الانتخابات، في أحد أبعادها، طابع المحاسبة السياسية لنتنياهو. غير أنّ الانقسام لا يجري وفق ثنائية تقليدية بين اليمين واليسار؛ إذ إن جزءاً مهمّاً من خصوم نتنياهو يأتي من الوسط واليمين، ولا يختلف معه جذرياً في عدد من القضايا الأمنيّة، وإنما في إدارة الدولة، والعلاقة بالمؤسسات، والمسؤولية عن إخفاقات 7 أكتوبر.
وهنا تظهر إحدى السمات الأساسية للمشهد: المنافسة تدور إلى حد بعيد حول مَن يدير المشروع الإسرائيلي وكيف يديره، وليس حول إعادة تعريفه بالكامل.

وتمثّل قضية تجنيد اليهود الحريديم أحد أكثر الملفات تعبيراً عن عمق الأزمة الداخلية. فإعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية ظلّ موضع خلاف لعقود، لكنه اكتسب بعد الحرب والاعتماد المتزايد على قوات الاحتياط دلالةً جديدة.
لم يعد السؤال متعلّقاً بقانون التجنيد وحده، بل بمبدأ «تقاسم العبء»: مَن يخدم في الجيش؟ ومَن يتحمّل الكلفة البشرية والاقتصادية للحرب؟ وهل يمكن استمرار إعفاء قطاع اجتماعي كامل في الوقت الذي تطول فيه فترات خدمة جنود الاحتياط؟
يضع هذا الملف نتنياهو أمام معضلة سياسية؛ فهو يحتاج إلى الأحزاب الحريدية للحفاظ على معسكره، في حين تتزايد المعارضة الشعبية لاستمرار الإعفاء. كما ظهرت توترات داخل اليمين نفسه بشأن القضية.

إنّ قضية التجنيد أصبحت جزءاً من صراع أوسع على هوية الدولة ومستقبل العلاقة بين التيار العلماني والقوى الحريدية والدينية. ومن هذا المنظور، فإنّ أزمة التجنيد لا تتعلّق فقط بتوزيع الأعباء، بل تكشف حدود قدرة الدولة على فرض التزامات متساوية على مكوّناتها المختلفة.

إلى جانب التجنيد، يبقى الصراع حول القضاء أحد أهم مؤشرات أزمة النظام. فالأزمة التي بدأت مع خطة التغييرات القضائية عام 2023 لم تنتهِ، وإنما أصبحت جزءاً من خلاف أوسع بشأن حدود سلطة الحكومة ومكانة المحكمة العليا والتوازن بين السلطات.
وهنا تكتسب انتخابات 2026 بُعدها الأكثر عمقاً. إذ يتعلّق أحد رهانات الانتخابات بمستقبل طبيعة النظام نفسه: هل تحافظ إسرائيل على السمات الليبرالية والتوازنات المؤسسية التي عرفتها، أم تتحرّك أكثر نحو نموذج قومي وديني تتعاظم فيه سلطة الأغلبية السياسية والقوى الأرثوذكسية؟
ومن ثم، لا يمكن فصل قضية القضاء عن أزمة التجنيد أو تصاعد حضور الدين في المجال العام؛ فهذه الملفات تعكس مجتمعةً صراعاً حول طبيعة الدولة وحدود العلاقة بين مكوناتها.

خريطة القوى السياسية
يظلّ «الليكود» بقيادة نتنياهو القوّةَ الرئيسية في معسكر اليمين، لكنه يواجه منافسة أكثر جدّية مما كان عليه الوضع سابقاً. فقد أظهر استطلاع «كان» في تموز/يوليو تعادل «الليكود» وحزب «يشار» عند 23 مقعداً لكل منهما، بينما أظهرت استطلاعات أخرى تقدّماً محدوداً لآيزنكوت.
ويعتمد نتنياهو على تحالفٍ يضمّ الأحزاب الحريدية والقوى القومية والدينية المتشدّدة، وعلى رأسها «القوّة اليهودية» بقيادة إيتمار بن غفير والصهيونية الدينية بقيادة بتسلئيل سموتريتش. إلا أنّ اقتراب بعض أحزاب هذا المعسكر من نسبة الحسم قد يصبح عاملاً حاسماً في قدرته على الوصول إلى 61 مقعداً.

في المقابل، يمثّل صعود غادي آيزنكوت وحزب «يشار» أبرز تحوّلات الانتخابات. فقد استطاع رئيس الأركان السابق توظيف رصيده الأمني لتقديم نفسه بديلاً مؤسساتياً قادراً على استقطاب شرائح من الوسط واليمين المعتدل، وليس فقط الناخبين التقليديين للمعارضة.
لكنّ تقدّم آيزنكوت لا يعني بالضرورة قدرته على تشكيل حكومة. فاستبعاد الأحزاب العربية من أي ائتلاف يقوده يخلق معضلة حسابية واضحة، إذ قد تحقّق المعارضةُ تقدّماً انتخابياً من دون أن تتمكّن من تحويله إلى أغلبية حكومية.

أمّا تحالف بينيت - لابيد، فقد تشكّل في نيسان/أبريل 2026 تحت اسم «معاً»، في محاولة لتوحيد جزء من المعسكر المناهض لنتنياهو. لكن هذا التحالف لا يمكن تصنيفه ببساطة ضمن «اليسار»، فنفتالي بينيت ينتمي إلى اليمين القومي، كما أن مواقف التحالف في ملفات الأمن وإيران وغزة والقضية الفلسطينية لا تمثّل قطيعةً كاملة مع التوجّهات السائدة في إسرائيل.
وتبقى أحزاب «الديموقراطيون» و«إسرائيل بيتنا» بقيادة أفيغدور ليبرمان جزءاً مهمّاً من حسابات المعارضة، ولا سيما أن ليبرمان يستفيد من موقفه الرافض للامتيازات والإعفاءات الممنوحة للحريديم.

أمّا الأحزاب العربية، فتظلّ قادرة على الحصول على كتلة برلمانية مؤثّرة عددياً، لكن تأثيرها في تشكيل الحكومة يبقى محدوداً بفعل رفض قوى صهيونية رئيسية الاعتماد عليها ائتلافياً. ولذلك قد يمتلك التمثيل العربي عدداً من المقاعد قادراً نظرياً على ترجيح الكفّة، من دون أن يتحوّل ذلك بالضرورة إلى نفوذ فعلي في تشكيل الحكومة.

سيناريوات ما بعد الانتخابات
- السيناريو الأول: استمرار الانسداد السياسي. وهو احتمال قوي إذا استمرّ التقارب الحالي. فقد أظهرت استطلاعاتٌ أنّ المعارضة الصهيونية تقترب من الأغلبية من دون تجاوز 61 مقعداً بصورة مستقرّة، بينما يعجز معسكر نتنياهو بدوره عن بلوغها. وقد يؤدّي ذلك إلى مفاوضات طويلة، أو ائتلاف هشّ، أو حتى العودة لاحقاً إلى انتخابات جديدة.

- السيناريو الثاني: تشكيل حكومة يمين - وسط مناهضة لنتنياهو. يصبح هذا ممكناً إذا تمكّن آيزنكوت وبينيت ولابيد وليبرمان والديموقراطيون من حصد 61 مقعداً أو استقطاب شركاء إضافيين. ومن المرجّح أن تركّز حكومة كهذه على تشكيل لجنة تحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر، ومعالجة قضية التجنيد، وإعادة ضبط العلاقة مع القضاء. لكنها لن تكون حكومة يسارية بالمعنى التقليدي، ولن يعني تشكيلها بالضرورة تحوّلاً استراتيجياً في القضية الفلسطينية.

- السيناريو الثالث: عودة نتنياهو. يظلّ قائماً إذا نجح «الليكود» في تعبئة قاعدته وتجاوزت الأحزاب الصغيرة في معسكر اليمين نسبة الحسم. وفي هذه الحال، سيبقى نتنياهو مضطراً إلى الموازنة بين مطالب الحريديم من جهة، واليمين القومي والديني المتشدّد من جهة أخرى، وهو ما قد يعيد إنتاج التناقضات التي أسهمت أصلاً في أزمة العقد الاجتماعي.

الخلاصة
تمثّل انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 اختباراً يتجاوز مسألة بقاء نتنياهو أو رحيله. فإسرائيل تدخل الانتخابات وهي تواجه خلافات متصاعدة حول الخدمة العسكرية، والدين والدولة، والقضاء، وتقاسم الأعباء، والثقة بالمؤسسات، فضلاً عن تداعيات عملية «طوفان الأقصى».
وقد ينجح صندوق الاقتراع في تحديد هوية رئيس الوزراء والائتلاف المقبل، لكنه لن يحسم بسهولة هذه التناقضات. كما أنّ وصول المعارضة إلى الحكم، إن حدث، لا يعني بالضرورة انقلاباً في السياسة تجاه الصراع في المنطقة، بقدر ما قد يعني تغيّراً في طريقة إدارة الدولة والصراع.

فمركز الجاذبية في السياسة الإسرائيلية تحرّك خلال السنوات الأخيرة باتجاه أكثر أمنيّة وقومية، كما أن القوى الرئيسية المنافسة لنتنياهو لا تطرح مشروعاً متكاملاً لتسوية الصراع.
لكن ذلك لا يعني غياب الفوارق تماماً. فقد تكون حكومة يقودها آيزنكوت أقلّ اندفاعاً نحو بعض مشاريع اليمين المتطرّف، وأكثر حرصاً على احتواء بعض أشكال التصعيد والاستيطان وعنف المستوطنين.
وعليه، فإنّ التغيير المحتمل قد يكون في أدوات إدارة الصراع ودرجة التصعيد، أكثر منه في جوهر المقاربة الإسرائيلية للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

* باحث ومؤرّخ فلسطيني