2026-08-14 02:30 ص

سد الذرائع... أم سد أبواب السؤال..؟

2026-08-13

بقلم: يونس العموري
إن استمرار الجدال والسجال الداخلي الفلسطيني ما بين أقطاب معادلة الحكم ومراكز النفوذ والقرار، إنما يؤكد حالة التخبط التي تعكس بالأساس خربشة مفاهيم ووقائع العملية السياسية برمتها، الأمر الذي أدى إلى ضياع واختفاء المفهوم الوطني بالمجمل، وبالتالي صار هناك اختلاف وخلاف حتى على تحديد ماهية المصلحة الوطنية العليا وأين تكمن ، في التهدئة أم في تواصل الفعل المقاوم، في المفاوضات واستمرارها أم في البحث عن مسارات سياسية جديدة، في وحدة الوطن أم في استمرار حالة الانقسام، في إعادة بناء البيت الفلسطيني أم في استمرار حكومات إدارة الأعمال ومراكز الحكم بشطري الوطن المحتل، في غزة التي خرجت من حرب مدمرة وهي تحمل فوق ركامها أسئلة المستقبل والحكم والإعمار والسلاح والمقاومة، أم في رام الله حيث تستمر السلطة في ممارسة أدوارها ضمن واقع سياسي فلسطيني مأزوم، وفي ظل احتلال لا يتوقف عن صناعة الوقائع على الأرض ولا عن تضييق مساحة الممكن الوطني يوما بعد يوم.

لقد بات تحديد مفهوم المصلحة الوطنية العليا رمزا من رموز الفهم السياسي الجديد، يتطلب التمترس خلف الجدران التنظيمية، وممارسة فن الردح والقدح والذم والتخوين مع كل من يمكن الاختلاف معه، حتى صار هناك من يمنح صكوك الوطنية والخيانة، ويقرر من هو الفلسطيني الذي يستحق أن يكون فلسطينيا ومن ينبغي أن يقف في آخر الطابور. وصار لزاما علينا أيضا أن نعيش في كنف سياسة جديدة عنوانها (سد الذرائع ) ، حتى أصبحت العبارة تصلح لكل شيء، وتستخدم لتبرير كل شيء، باسم سد الذرائع نؤجل الاستحقاق، وباسم سد الذرائع نغلق الأبواب، وباسم سد الذرائع نطلب من الفلسطيني أن يصمت، ونطالبه أن يحتمل، ونعيد تعريف الموقف الوطني وفقا لما تسمح به اللحظة السياسية، حتى صار سد الذرائع في بعض الأحيان ذريعة بحد ذاته.

وصار المواطن الفلسطيني مطالبا بأن يتحمل المزيد من القيود والأزمات والانتظار حتى لا نعطي ذريعة لهذا أو ذريعة لذاك، وكأن الاحتلال يحتاج إلى ذريعة حتى يمارس احتلاله، وكأن الاستيطان يحتاج إلى ذريعة حتى يتمدد، وكأن الحصار يحتاج إلى ذريعة حتى يستمر، وكأن القصف والاعتقال وهدم البيوت ومصادرة الأرض تحتاج إلى خطاب فلسطيني كي تبدأ. ثم جاءت الضفة الغربية لتقدم لنا الإجابة الأكثر قسوة.

اقتحامات تتكرر، ومخيمات تدخلها قوات الاحتلال، وبيوت تداهم، ومواطنون يحتجزون، وأبواب تكسر، ومؤسسات تتحول إلى أماكن احتجاز وتحقيق. وفي قلنديا، لم يكن الأمر مجرد خبر عابر في نشرة أخبار، دخل الاحتلال إلى المخيم وداهم البيوت واحتجز المواطنين، وكأن المخيم بما يحمله من ذاكرة اللجوء وتاريخ النكبة لم يكن أكثر من مساحة مباحة أمام آلة الاحتلال. وفي شمال الضفة، في جنين وطولكرم ونور شمس، لم تعد الحكاية مجرد اقتحام عابر ينتهي بخروج الجنود من بوابة المخيم، هناك مخيمات تفرغ من أهلها، وبيوت تخلى، وشوارع تجرف، وناس يدفعون بعيدا عن أماكن ولادتهم وذاكرتهم، وكأن الاحتلال يعيد رسم جغرافيا جديدة للضفة بينما نحن لا نزال نبحث عن الكلمات المناسبة لوصف ما يحدث.

جنين وطولكرم ونور شمس ليست مجرد أسماء في أخبار العمليات العسكرية، إنها ثلاثة فصول جديدة من حكاية اللجوء الفلسطيني، وثلاثة أسئلة مفتوحة في وجه كل من يتحدث عن المصلحة الوطنية العليا .. أي ذريعة كانت تحتاج إليها جنين؟ وأي ذريعة كانت تحتاج إليها طولكرم؟ وأي ذريعة كانت تحتاج إليها نور شمس؟ وأي ذريعة كانت تحتاج إليها البيوت التي أخليت والمخيمات التي أغلقت والأسر التي أخرجت من منازلها؟ إذا كانت سياسة سد الذرائع هي الطريق إلى منع الاحتلال من التقدم، فكيف تقدم الاحتلال كل هذه المسافة فيما كان الفلسطيني مشغولا بسد الذرائع؟

والأكثر مرارة من الاقتحام نفسه أن الفلسطيني بات يراقب المشهد من جهتين ، من جهة يرى جنود الاحتلال يدخلون إلى مخيمه وبيته وشارعه، ومن جهة أخرى يبحث عن صوت فلسطيني رسمي يليق بحجم ما يحدث. ولا يجد، أو يجد صوتا خافتا، أو بيانا مقتضبا، أو لغة دبلوماسية باردة، أو صمتا طويلا يبدو في لحظات كثيرة وكأنه جزء من المشهد لا اعتراض عليه. وهنا لا نسأل من أجل الفتنة، ولا نبحث عن بطولة لفظية، ولا نطالب أحدا بأن يعلن حربا لا يستطيع خوضها، ولكننا نسأل سؤالا بسيطا ..( أين الموقف الوطني حين يدخل الاحتلال مخيماتنا ..؟ أين الذين يحدثوننا عن المصلحة الوطنية العليا؟ أين الذين يطالبون الفلسطيني كل صباح بسد الذرائع؟ وأين الذرائع التي أغلقناها، وماذا فعلت بنا؟ لقد صمتنا كثيرا، وأجلنا غضبنا، وأخفينا أسئلتنا، وطلب منا أن نصبر حتى لا نعطي الاحتلال ذريعة، وأن نحتمل حتى لا نمنح المستوطنين فرصة، وأن نضبط الشارع حتى لا ننزلق إلى ما لا تحمد عقباه. لكن الاحتلال لم ينتظرنا، والمستوطن لم ينتظرنا، والاستيطان لم ينتظرنا، والاقتحام لم ينتظرنا... لقد صمتنا كثيرا، ولم يصمت الاحتلال...

فماذا فعلت سياسة سد الذرائع للاحتلال؟ هل أوقفته عن اقتحام المخيمات؟ هل أوقفته عن الاستيطان؟ هل أوقفته عن الاعتقال؟ هل أوقفته عن مصادرة الأرض؟ هل أوقف المستوطنين عن الاعتداء؟ هل جعل القدس أكثر أمنا؟ هل جعل الضفة أكثر حرية؟ إذا كانت الإجابة لا، فماذا بقي من هذه السياسة سوى أن يتحول الفلسطيني نفسه إلى حارس للذريعة التي يبحث عنها الاحتلال؟

ولا نقول هذا من أجل فتح باب الفوضى، ولا من أجل إعطاء الاحتلال ذرائع إضافية، فالمعركة السياسية والإعلامية والأخلاقية لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى. ولكننا نقول إن سياسة سد الذرائع لا يجوز أن تتحول إلى سد أبواب الحياة أمام الفلسطيني ذاته، ولا يجوز أن تصبح ذريعة لمنع السؤال أو إسكات الاعتراض أو تحويل المواطن إلى مجرد متلق للتعليمات، ولا يجوز أن تصبح المصلحة الوطنية العليا مفهوما مغلقا لا يحق للفلسطيني العادي أن يسأل عن معناه أو عن ثمنه أو عن جدواه...

لقد صار فعل التخوين أمرا طبيعيا في هذه الأيام، وصار هناك من يوزع صكوك الوطنية ويمنح أوسمة الشرف والبطولة ويشطب أسماء من قوائم الوطنيين، حتى أصبح الفلسطيني نفسه بحاجة إلى شهادة كي يثبت أنه فلسطيني. واختلط الحق بالباطل، وصار الأسود لونا رماديا، والأبيض لونا مزركشا بمواقف لا نفهم مضامينها. وحين يصبح الوطن حكرا على من يملك المنبر والسلطة والسلاح والمال والقدرة على توزيع صكوك الوطنية، يصبح السؤال عن غزة والضفة والقدس واللاجئين سؤالا عن الوطن كله.

فغزة ليست رقما في نشرة أخبار، وليست ملف إعمار ينتظر من يفتح له خزائن الدول، وإنما هي حياة فلسطينية كاملة، شعب وأرض وذاكرة ومقاومة وبيوت وأزقة ومخيمات. وقلنديا ليست مجرد مخيم على هامش القدس، وإنما ذاكرة اللجوء حين تتحول إلى حاضر. وجنين وطولكرم ونور شمس ليست مجرد مخيمات أخرى في قائمة طويلة، وإنما ذاكرة فلسطينية يجري دفعها إلى خارج المكان، بينما يتسع المكان للاحتلال أكثر فأكثر... وهنا يصبح السؤال عن المقاومة والمفاوضات والتهدئة أكثر تعقيدا من أن يختصر في بيانات التخوين... نعم، من حق الفلسطيني أن يسأل ويناقش ويختلف حول التكتيك والاستراتيجية وإدارة المعركة، ولكن ليس من حق أحد أن يعيد كتابة التاريخ بطريقة يصبح فيها المحتل ضيفا بريئا والمقاوم مسؤولا وحيدا عن كل ما حل بالوطن. وبالمقابل، ليس من حق أحد أيضا أن يجعل المقاومة مقدسة إلى درجة تمنع السؤال عنها، أو يجعل المفاوضات قدرا لا يجوز مراجعته، أو يجعل السلطة ملكا لا يجوز نقده، أو يجعل التنظيم وطنا، أو يجعل الزعيم قضية. الوطن أكبر من الجميع...

وهنا تعود إلينا من جديد سياسة سد الذرائع، حتى كدنا ننسى أن الاحتلال لا يحتاج إلى ذريعة كي يحتل. لقد دخل قلنديا حين لم يكن ينتظر منا ذريعة، واقتحم غيرها حين كان الخطاب الفلسطيني منشغلا بسد الذرائع، والاستيطان لم يتوقف لأننا صمتنا، والمستوطنون لم يضعوا سلاحهم لأننا طالبنا أبناء شعبنا بضبط النفس. بل على العكس تماما؛ كلما أغلقنا بابا في وجه السؤال، فتح الاحتلال بابا جديدا في وجه اقتحامه...

فلا تجعلوا سد الذرائع بابا لسد الأفواه، ولا تجعلوا الفلسطيني مطالبا بأن يصمت حتى لا يعطي ذريعة، وأن يجوع حتى لا يعطي ذريعة، وأن يسأل حتى لا يعطي ذريعة، وأن يحتمل حتى لا يعطي ذريعة. فمتى يكون للفلسطيني الحق في السؤال يا سادة؟ ومتى يصبح للفقراء حقهم في القول إنهم تعبوا؟ ومتى يصبح للأم التي تنتظر الدواء لطفلها، وللعامل الذي لا يجد عملا، وللموظف الذي لم يعد راتبه يكفي بيته، وللشاب الذي يرى الهجرة طريقا وحيدا، الحق في أن يقول إن لقمة العيش أيضا قضية وطنية؟ ومتى يصبح لأهل المخيم الذي تقتحمه قوات الاحتلال الحق في أن يسألوا ..من يقف معنا ..؟؟

لا نريد بيانا يشرح لنا معنى الصبر، ولا خطبة جديدة عن الحكمة، ولا أن نسمع أن المرحلة حساسة. نعرف أنها حساسة، ونعرف أن الاحتلال يريد جرنا إلى الفوضى، ونعرف أن هناك حسابات إقليمية ودولية، ونعرف أن ميزان القوى ليس لصالحنا، لكننا نعرف أيضا أن الفلسطيني ليس قطعة شطرنج تتحركون بها حين تتطلب اللعبة، ثم تعيدونها إلى مكانها حين تنتهي الجولة...

مرة أخرى نحن فقراء الوطن وعشاقه، ومن نحاول أن نحيا في كنفه، نقول لكم .. الفلسطيني ليس خزانا مفتوحا للصبر، وليس وقودا لكل المعارك، وليس رقما في حسابات السلطة أو التنظيم أو المفاوضات أو المقاومة. هو صاحب هذا الوطن، ومن حقه أن يعرف إلى أين يذهب الوطن، ومن حقه أن يسأل من يحكمه ومن يقاوم باسمه ومن يفاوض باسمه ومن يتحدث باسمه، ومن حقه أيضا أن يقول إن لقمة الخبز ليست خيانة، وإن طلب الدواء ليس ترفا، وإن البحث عن عمل ليس هروبا من القضية، وإن الحلم بحياة كريمة لا يعني التخلي عن الأرض. ومن حقه، قبل كل ذلك، أن يقول لمن يريد منه أن يصمت حتى لا يعطي الاحتلال ذريعة .. لقد صمتنا كثيرا، ولم يصمت الاحتلال...

اتفقوا على شيء واحد فقط .. اتفقوا على أن فلسطين أكبر من التنظيم والسلطة والزعيم والمنصب، وأكبر من البيانات والخطب، وأن المصلحة الوطنية العليا ليست ملكا لأحد، وأن الوطنية ليست شهادة تمنح من مكتب سياسي، وأن الخيانة ليست تهمة جاهزة لكل من اختلف، وأن المقاومة ليست ملكا لفصيل، وأن المفاوضات ليست ملكا لفصيل، وأن الوطن والدم الفلسطيني والفقير الفلسطيني ليسوا ملكا لأحد. واتفقوا أيضا على أن الوحدة ليست أن يسكت أحدنا حتى يتكلم الآخر، وأن فلسطين لا يمكن أن تصبح وطنا حقيقيا إذا بقي كل طرف فيها يريد وطنا على مقاسه...

ومن يريد سد الذرائع فليبدأ بإغلاق الذريعة التي لا يتحدث عنها أحد .. ذريعة الانقسام، وذريعة احتكار الحقيقة، وذريعة تخوين المختلف، وذريعة تحويل المواطن إلى تابع، وذريعة الصمت الرسمي... فالاحتلال لا يحتاج إلى كل هذا ، الاحتلال يحتاج فقط إلى أن يكون احتلالا...

ومرة أخرى نحن فقراء الوطن وعشاقه نقول لكم .. هذا الوطن للجميع. ومن لا يريد أن يكون للجميع فليرحل، ومن يريد أن يحكم فليحكم بالعدل لا بالخوف، ومن يريد أن يتحدث باسم الشعب فليسمع صوته أولا، ومن يريد أن يتحدث باسم المقاومة فليتذكر أنها ليست ملكا له، ومن يريد أن يتحدث باسم المفاوضات فليتذكر أن فلسطين ليست طاولة مفاوضات، ومن يريد أن يتحدث باسم السلطة فليتذكر أن السلطة ليست وطنا. ومن يريد أن يسد الذرائع، فليسد أولا ذريعة الانقسام والفقر والقهر والتخوين واحتكار الحقيقة، قبل أن يسد أبواب الكلام على من بقي في هذا الوطن...

لأن فلسطين التي نريدها ليست فلسطين فريق أو تنظيم أو زعيم أو سلطة أو إمارة، وإنما فلسطين التي يتسع صدرها لكل أبنائها ، للمقاوم والمفاوض والمختلف والفقير والغني، للذي يوافق وللذي يعترض، للذي يحمل البندقية وللذي يحمل القلم، للذي يريد أن يقاتل وللذي يريد أن يعيش، لأن كلاهما، في النهاية، ابن وطن واحد. فلسطين التي يكون فيها للطفل مستقبل، وللأمان معنى، وللعدالة باب، وللحرية طريق، وللشعب كلمته. فلسطين التي لا يحتاج فيها الفلسطيني إلى إذن كي يسأل، ولا إلى شهادة وطنية كي يحب وطنه، ولا إلى ختم تنظيمي كي يصبح فلسطينيا...

ولفقراء الوطن كلمة أيضا، وستبقى لهم كلمة، لأن من يملك لقمة عيشه لا يملك الوطن وحده، ومن يملك السلاح لا يملك الوطن وحده، ومن يملك السلطة لا يملك الوطن وحده، ومن يملك المنبر لا يملك الوطن وحده. فالوطن أكبر من كل هؤلاء، والوطن في النهاية لمن يحبونه دون أن يطلبوا مقابلا، ولمن يدفعون ثمن بقائهم فيه كل يوم، ولمن يريدون أن يروا الشمس مشرقة على تلاله، لا أن تتحول تلاله إلى جدران عالية تمنع عنهم حتى حقهم في الحلم...

فإذا كان الاحتلال لا يحتاج إلى ذريعة كي يدخل المخيم، فلا تجعلوا من الذريعة سببا كي نغلق أفواهنا. وإذا كان المستوطن لا ينتظر تصريحا كي يعتدي، فلا تطلبوا من الفلسطيني أن ينتظر إذنا كي يغضب. وإذا كان الاحتلال لا يصمت، فلا تطلبوا من الشعب أن يصمت... سدوا ذرائع الاحتلال إن استطعتم... لكن لا تسدوا أبواب السؤال... لأن الوطن الذي يخاف من سؤال أبنائه، ليس وطنا آمنا بعد. والوطن الذي يمنع أبناءه من الكلام بحجة حمايته، قد يكون قد بدأ يحمي سلطته أكثر مما يحمي أبناءه. أما فلسطين، فهي أكبر من كل سلطة، وأبقى من كل تنظيم، وأوسع من كل منبر، وأقدس من كل صراع على من يملك حق الكلام باسمها.. فلسطين ليست بحاجة إلى من يتحدث باسمها فقط... فلسطين بحاجة إلى من يسمع أبناءها...