بقلم: مصطفى الفقي
خلاصة القول الذي نلح عليه هو التأكيد على أن محاولات توسيع نطاق الحرب الحالية في الشرق الأوسط ليست جديدة، بل هي استهداف تاريخي لترك النيران مشتعلة يحركها الصراع الإيراني- الإسرائيلي وسياسة الهيمنة الأميركية.
تسعى الدول المتحاربة تاريخياً إلى توسيع دائرة الصراع في ظل غبار المعارك وضجيج المدافع وفرقعات القنابل، ويحدث ذلك من خلال الدوافع التي تحرك الجانب الذي يتطلع إلى مكاسب إقليمية دفعته لخوض تلك الحرب، وينطبق الأمر على النموذج الإسرائيلي بالدرجة الأولى والنموذج الإيراني تالياً لذلك مباشرة، إذ إن توسيع ساحات المعارك وإشعال الحرائق يمكن أن يؤديا إلى استمرار الحرب وتصاعد حدتها حتى يحقق الطرف الحريص على استمرارها أهدافه العسكرية ومكتسباته الإقليمية ويؤكد تفوقه على أرض المعركة.
مَن يدقق في الصراع العسكري الدائر في غرب آسيا والشرق الأوسط لا بد من أن يكتشف أن الأطراف صاحبة المصلحة في استمرار الحرب والدخول في مراحل مسلحة لنزاع متصاعد في المنطقة إنما تحركها وتشعلها أطراف ساعية إلى استمرار الوضع وتوسيع نطاق الحرب وإدخال أطراف جديدة فيها ضماناً لاستمرارها وتأكيداً لزيادة اشتعالها ورغبة في إحداث تداخل يزيد الأمور تعقيداً ويجعل التسوية صعبة والسلام بعيداً، ولعل حادثة دمياط المصرية والهجوم على سفينتين في الميناء باستخدام مسيّرة هو النمط الشائع خلال الحرب الحالية في محاولة لجر مصر بحجمها السكاني وجيشها الكبير للتورط في العمليات العسكرية الراهنة، وتفسير ذلك يتضح من الملاحظات التالية:
أولاً، نظرة إيران إلى المواجهة هي نظرة إقليمية شاملة لا تقف عند حد معين، فالتطلعات الإيرانية مفتوحة وشهية الحرس الثوري مهيأة للهيمنة والسيطرة بقدر ما تستطيع، خصوصاً أن العقل الإيراني يتوهم بأن الخيرات الطبيعية والبشرية في منطقة الخليج هي منحة لا يستحقها العرب، فضلاً عن الأطماع الإيرانية التاريخية في مكتسبات أرضية في مقدمتها مملكة البحرين التي لا تزال طهران تحتفظ في مكتب بالخارجية الإيرانية تحت مسمى "البحرين" كما لو كانت إقليماً مقتطعاً من الأراضي الإيرانية، وكلنا نعرف ما جرى بين بريطانيا وإيران في نهاية ستينيات القرن الماضي حول تلك المملكة العربية لؤلؤة الخليج، واختار الشاه محمد رضا بهلوي قبول الأمر الواقع على مضض وسط معارضة شديدة لدى القيادات السياسية والبرلمانية في طهران حينذاك.
أما عن إسرائيل فحدث ولا حرج، فهي تعيش وهم الدولة اليهودية الكبرى من الفرات إلى النيل وتتصور أن الأحداث التي جرت منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 هي فرصة مواتية لتحقيق حلمها القومي من خلال صفقة القرن تارة ومن خلال التمكين للديانة الإبراهيمية في الدائرة الإسلامية للشرق الأوسط تارة أخرى، وتدرك إسرائيل أن جر دول عربية أخرى إلى ساحة القتال هو أمر مرغوب ومطلوب، خصوصاً أن مصر هي الجائزة الكبرى التي تتطلع إليها إسرائيل لا بالاحتلال العسكري لكن بالسيطرة الفكرية والهيمنة الإقليمية، وعلى رغم أن القاهرة شديدة الحرص على خفض التصعيد، فإن نتنياهو يراها في الأفق فرصة يخطط من خلالها للتوسع بالعدوان وفرض الأمر الواقع حتى يتحقق حلم إسرائيل بشرق أوسط جديد تسيطر عليه الهيمنة اليهودية لمواجهة الغالبية العربية والإسلامية.
ثانياً، إن الولايات المتحدة الأميركية لها أجهزة كبرى في السيطرة الدائمة على منابع البترول وشبكة التواصل الدولية، خصوصاً المضايق المائية ولا يبتعد حلمها كثيراً من أن يكون لها تطلع نحو مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، إضافة إلى المضايق التركية ومضيق جبل طارق، فتلك هي الرؤية الحديثة للهيمنة الجديدة التي تسعى من خلالها واشنطن إلى فرض سيطرتها ثم تأتي بعد ذلك خططها الفرعية في السيطرة من خلال ساحات جانبية وميادين فرعية للمواجهة، فهي لا تسعى إلى الحرب العسكرية مع كل الدول لكنها تحتفظ لكل منها بنمط خاص تعيش به وتسعى من خلاله إلى احتواء مصادر الطاقة ومنابع المياه وتحقيق السيطرة الاستراتيجية طويلة المدى على مراكز التأثير في الشرق الأوسط باعتباره واحداً من أهم وأغنى مصادر الثروة في العالم المعاصر، وإذا كنا نتوهم أن إسرائيل تستخدم أميركا فقط فإن الواقع يقول أيضاً إن واشنطن تستخدم إسرائيل أداة لتحقيق أحلامها، فهي تريد لها أن تكون شرطي الولايات المتحدة في الخليج والجزيرة العربية ودول المشرق العربي.
ثالثاً، إن استهداف إسرائيل لمصر وتركيا بعد إيران هي مرحلة لاحقة تسعى من خلالها بدعم من واشنطن إلى توسيع دائرة نفوذها وتوسيع نطاق سيطرتها حتى تضمن في النهاية هيمنة الغرب بأدواته وفي مقدمتهم إسرائيل على مقدرات المنطقة وثرواتها الطبيعية وميزاتها الجغرافية وتراثها التاريخي.
رابعاً، إن توسيع دائرة الحرب وضمان استمرارها ولو متقطعة يخلق صراعاً إقليمياً ودولياً في الشرق الأوسط وحوله ويزكي نار الحرب الباردة والساخنة في وقت واحد ويقطع الطريق على روسيا والصين في السيطرة ويجعل الهند طرفاً مناوئاً في تحالف واضح مع إسرائيل في وقت تكون إيران مشغولة بترميم أوضاعها ولملمة جراحها.
وهنا لا بد من أن أشير إلى وجود خلاف تاريخي صامت بين العرب والفرس ولا علاقة له بالاختلاف المذهبي بين الشيعة والسنة، فالشيعة العرب جزء لا يتجزأ من أمتهم العربية حاربوا معها حتى أمام إيران نفسها ولكن الخلاف الصفوي مع العنصر العربي في الأحواز وغيرها ليس بعيداً من الوعي الكامل بالتمييز المعروف بين العرب والعجم خلال العصر العباسي وتصاعد قوة الملالي أثناء مراحل معينة وانتباه خلفاء بني العباس وورثتهم، لذلك نقول إن هناك جذوراً تاريخية لحساسيات إيرانية - عربية، فهما وحدة الدين الإسلامي بين الأمتين الفارسية والعربية من فجر الدعوة المحمدية.
خامساً، واهمٌ من يتصور أن العلاقات الأميركية - الأوروبية تمضي في انسجام مستمر، بل هي تضم رواسب للحروب التاريخية فوق الأراضي الأوروبية بتدخلات أميركية ظهرت منذ الحرب العالمية الأولى وتأكدت بصورة واضحة في الحرب العالمية الثانية حين ألقت واشنطن بالقنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي بعد "موقعة بيرل هاربر" وأرسلوا "الكاميكازي" الياباني في العمل الانتحاري على قطع الأسطول الأميركي في المياه الآسيوية وكان ذلك إيذاناً بانتهاء الحرب العالمية الثانية واستسلام اليابان وتوقيع الإمبراطور لوثيقة الخضوع المعروفة، ولم يكُن الدرس موجهاً من الولايات المتحدة الأميركية إلى اليابان وحلفائها فقط، لكنه كان موجهاً أيضاً للعالم بأسره وفي مقدمته القوة الأوروبية الكبرى حتى يعي الجميع الدرس ويدرك أن واشنطن هي زعيم العالم الحر بالمفهوم الأميركي العنصري حتى لو كان مستتراً تحت مظلة الحرب الباردة لعقود عدة.
سادساً، لعلنا نعترف هنا بأن هاجس استخدام السلاح النووي لا يتوقف عند حدود الأزمة الإيرانية - الأميركية، بل هو متجذر في الوجدان عبر العقود الأخيرة عندما لم تتمكن اتفاقات منع الانتشار النووي من وضع حد لذلك، فدخلت إلى نادي الكبار وسط الدول النووية دول أخرى إضافية في مقدمتها إسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية، فضلاً عن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وذلك يعني أن محاذير منع الانتشار النووي لم تنجح لكنها استيقظت بشدة في الحالة الإيرانية بتحريك من إسرائيل ودعم من السياسات الإيرانية التوسعية الخرقاء داخل ساحات الشرق الأوسط.
خلاصة القول الذي نلح عليه هو التأكيد على أن محاولات توسيع نطاق الحرب الحالية في الشرق الأوسط ليست جديدة، بل هي استهداف تاريخي لترك النيران مشتعلة يحركها الصراع الإيراني- الإسرائيلي وسياسة الهيمنة الأميركية.
اندبندنت عربي

