2026-08-09 11:52 م

كل الطرق في الضفة الغربية تؤدي إلى المستوطنات

2026-08-09

لو عاد الشاعر الفلسطيني محمود درويش إلى الحياة اليوم، لربما فكّر كثيراً قبل أن يكتب: "الطريق إلى البيت أجمل من البيت". فاليوم، تبدو الطرق في الضفة الغربية المحتلة وكأنها تؤدي إلى المستوطنات عبر شبكة واسعة من الطرق التي تستنزف الأرض وتمزّق التجمعات الفلسطينية، لترسّخ واقع الفصل بين المستوطن والفلسطيني صاحب الأرض، وتعيد هندسة جغرافية الضفة الغربية بما يخلق رواية أخرى لتاريخ المكان. في الضفة الغربية يفرض الواقع مسارين متوازيين تجسدهما الشوارع الالتفافية، أحدهما يخدم المستوطنات بشوارع حديثة وبنية تحتية متطورة، والآخر يترك التجمعات الفلسطينية ممزقة ومحاطة بشبكة طرق بدائية.

وتبدو الطرق الالتفافية كأنها ثعابين عملاقة تلتف حول المدن والبلدات والقرى الفلسطينية، فتمنع نموها الطبيعي، وتُقطع التواصل الجغرافي بينها، فيما توفر للمستوطنين تنقلاً أسرع وأكثر سهولة من أقصى مستوطنات شمال الضفة الغربية إلى جنوبها، فضلاً عن ربطها المباشر بإسرائيل. في المقابل، كثيراً ما تُغلق الطرق الفلسطينية، وحتى بعض الطرق التي يستخدمها المستوطنون، أمام الفلسطينيين عقب أي حدث أمني أو في إجراء استباقي، أو خلال الأعياد اليهودية. وكان آخر هذه الإجراءات ما شهدته قرية تِل جنوب غرب نابلس شمال الضفة الغربية قبل أيام، عقب مقتل ثلاثة من أبنائها في هجوم نفذه مستوطنون، أعقبه استيلاء أحد أقارب الضحايا على سلاح أحد الجنود وإطلاق النار، ما أدى إلى مقتل اثنين من الجنود واستشهاده.

مشروع قديم للطرق الاستيطانية
ويقول الخبير الفلسطيني في شؤون الاستيطان خليل التفكجي، لـ"العربي الجديد"، إن "الأمر العسكري رقم 50 الخاص بالطرق، الصادر عام 1983، نص على إنشاء شبكة من الطرق الطولية والعرضية في الضفة الغربية لخدمة المستوطنين. وجميع الطرق الالتفافية التي نشاهدها اليوم، والتي تحيط بمدن مثل الخليل وبيت لحم ونابلس، تستند إلى هذا الأمر العسكري".

ويضيف التفكجي: "اعترضت الحركة الوطنية الفلسطينية عام 1984 على هذا المخطط، ما أدى إلى تجميده، بما في ذلك مشروع الشارع رقم 45، الذي كان مخططاً أن يمتد من تل أبيب إلى الأغوار، والذي يجري تنفيذه حالياً".

طرق التفافية في الضفة الغربية
والطرق الالتفافية هي تلك التي شقّتها إسرائيل في الضفة الغربية منذ تسعينيات القرن الماضي، بهدف ربط المستوطنات بعضها ببعض، وربطها بالأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، عبر طرق تُقام على أراضٍ فلسطينية وتلتف حول التجمعات السكانية الفلسطينية أو تتجاوزها، بما يسهّل حركة المستوطنين. وحدد جيش الاحتلال الإسرائيلي أربعة أهداف رئيسية لهذه الطرق، هي: أولاً، تمكين المستوطنين من التنقل داخل الأراضي المحتلة دون المرور عبر التجمعات السكانية الفلسطينية، وثانياً، تمكين الإسرائيليين من الوصول إلى مناطقهم عبر أقصر طريق ممكن، وثالثاً، الحفاظ على ما يُسمى "نسيج الحياة الداخلي" داخل الكتل الاستيطانية الإسرائيلية، ورابعاً، ضمان عدم مرور الفلسطينيين أو احتكاكهم بالمستوطنين أثناء تنقلهم، أو اقترابهم من المستوطنات.

ويشير التفكجي إلى أن "ما يحدث الآن على صعيد توسيع هذه الشوارع لا يتعلق بالشوارع فقط من حيث المساحة، وإنما يشمل إقامة بنية تحتية متكاملة، وتزويد المستوطنات بالغاز الطبيعي، وما يحدث، حرفياً، ضم غير معلن للضفة الغربية". ويضيف: "الشارع الالتفافي المقام على أراضي بلدتي بيتا وحوارة، جنوبي نابلس، والذي شُق قبل ثلاثة أعوام، روّج البعض إلى أنه جاء في ردة فعل إسرائيلية على أحداث السابع من أكتوبر / تشرين الأول 2023، لكن الحقيقة أنه وارد ضمن مخطط الطرق الإسرائيلي الصادر عام 1983. وحالياً يجري العمل على شارع بين جنين ونابلس، يطلق عليه الاحتلال اسم شارع رقم 9، يبدأ من باقة الغربية وينتهي في الأغوار الفلسطينية".

هل يسعى الاحتلال لإعادة هندسة الضفة؟
ويتساءل الفلسطيني، الذي يمضي ساعات طويلة على حاجز الكونتينر العسكري الإسرائيلي الذي يفصل وسط الضفة الغربية عن جنوبها، أو على حاجز المربعة الذي يفصل شمال الضفة عن وسطها، وهو يشاهد على امتداد الطريق الجرافات الإسرائيلية تواصل العمل ليل نهار: أيهما يبدأ أولاً، الجرافة الإسرائيلية الصفراء التي تبقر بطن الأرض الفلسطينية معلنة الاستيلاء عليها، أم الأوامر العسكرية بمصادرة مئات آلاف الدونمات، التي يستقبلها الفلسطيني كما لو أنها سكرات الموت، لأنه يدرك حينها أنه لا جدوى من أي إجراء قانوني أمام محاكم الاحتلال أو من أي احتجاجات شعبية؟ فلا شيء سيمنع الاحتلال من الاستيلاء على الأرض، واقتلاع أشجارها، بهدف شق شارع التفافي للمستوطنين، يعيد، على مر السنين، هندسة الضفة الغربية بشكل كامل.

يقول المحلل السياسي والمختص بشؤون الاستيطان سهيل خليلية إن إسرائيل بدأت بشق الطرق منذ عقود، إلا أن مشاريعها في السنوات الأخيرة أصبحت أكثر استراتيجية، لأنها لا توفر للمستوطنين طرقاً سريعة ومختصرة فحسب، وتغيّر مسارات تنقل الفلسطينيين بالكامل، بل باتت تعيد هندسة جغرافية الضفة الغربية، وهو ما يعد هدفها الأساسي. ويوضح خليلية، لـ"العربي الجديد"، أن "الاحتلال يخلق اليوم شبكات طرق التفافية منفصلة، متطورة للإسرائيليين، وبدائية للفلسطينيين بين التجمعات السكانية. كما أن استخدام الفلسطينيين لأجزاء محدودة من الطرق الالتفافية الإسرائيلية المخصصة للمستوطنين أمر مؤقت، لأن إسرائيل تتجه نحو فصل شبكات الطرق بشكل كامل بين الفلسطينيين والمستوطنين، في تجسيد كامل للفصل العنصري بأسوأ صوره".

ويقول خليلية إن "التوسع في إنشاء الطرق الالتفافية الاستيطانية الجديدة بات يجري بمحاذاة المستوطنات، بخلاف ما كان عليه الحال قبل اتفاق أوسلو (1993) أو خلال السنوات التي أعقبته، حين كان المستوطنون يسلكون طرقاً قريبة من التجمعات الفلسطينية أو تمر عبرها، إلا أن الأمر تغيّر خلال السنوات الماضية، إذ أصبحت طرق المستوطنين بعيدة عن قلب التجمعات الفلسطينية، وتلتف حولها ضمن شبكة طرق واسعة تخدم المستوطنات". ويبلغ عدد الفلسطينيين في الضفة الغربية 3395260 حسب المركز الفلسطيني للإحصاء، فيما يصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية إلى 790 ألف مستوطن.
الطرق الالتفافية واتفاق أوسلو
تُجمع مصادر فلسطينية وإسرائيلية حقوقية متطابقة على أن اتفاق أوسلو شكّل طفرة كبيرة في شق الطرق الالتفافية الاستيطانية وتوسعها في مختلف أنحاء الضفة الغربية. وتشير بيانات متطابقة وردت في تقرير منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية، الصادر في مايو/أيار 2002، بعنوان "نهب الأرض: سياسة إسرائيل الاستيطانية في الضفة الغربية"، وفي تقارير مراقب الدولة الإسرائيلي، إلى أن الحكومة الإسرائيلية أعادت، منذ العام 1994، استخدام أوامر الاستيلاء العسكرية على نطاق واسع لبناء الطرق الالتفافية. وبين أغسطس/آب 1994، وسبتمبر/أيلول 1996، أُصدرت أوامر استيلاء لإنشاء 17 طريقاً التفافياً استيطانياً على آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية.

وتشير الوثائق إلى أن اتفاق أوسلو لم يتضمن أي نص يمنع إسرائيل من الاستمرار في شق الطرق المخصصة للمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، كما لم يتضمن أيضاً أي نص يفيد بوجود موافقة فلسطينية على شق هذه الطرق، التي رسخت واقعاً مأساوياً في الضفة، تمثل في تقييد حركة الفلسطينيين وإعادة هندسة جغرافية الضفة الغربية بما يخدم خلق رواية تاريخية مغايرة للمكان.

ويقول المحلل السياسي والخبير في الشؤون الإسرائيلية عادل شديد إنه "لا يوجد في اتفاق أوسلو أي نص يُلزم إسرائيل بوقف شق الطرق". ويضيف شديد، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، أنه "كان المفاوض الفلسطيني معنياً بتوقيع هذه الاتفاقية على أي حال، للدخول إلى الوطن، معتقداً أنه من خلال وجوده على الأرض سيستطيع إحداث تغيير، والأمر الآخر أن جزءاً من القيادة اقتنع بأن إسرائيل كانت تريد السلام فعلاً، وأن الاتفاقية مرحلية، وبعد خمس سنوات سيتغير الواقع، وستنتهي التقسيمات التي نصت عليها اتفاقية أوسلو (أ، ب، ج)، وستصبح الضفة الغربية وحدة جغرافية واحدة، وهذا ما لم يحصل".

وبينما لا يوجد أي توثيق لاحتجاج فلسطيني علني أو إجراء رسمي ضد استمرار شق الطرق، حتى خلال جلسات المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، تسجل الأمم المتحدة، في وثائقها بعنوان "التطورات المتعلقة بالشرق الأوسط... عملية السلام"، العدد 3، أكتوبر/تشرين الأول 1994، حتى نوفمبر/تشرين الثاني 1995، خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين أمام الكنيست في الخامس من أكتوبر 1995، خلال الجلسة المخصصة للمصادقة على الاتفاقية المرحلية الإسرائيلية الفلسطينية بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة. وجاء في خطاب رابين، حرفياً: "ستستمر على نطاق واسع الأعمال الرامية إلى توفير التدابير الأمنية للمستوطنات الإسرائيلية، بما في ذلك إقامة الأسوار، والطرق المحيطة، والإنارة، والبوابات، وسوف تُنشأ طرق التفافية، هدفها تمكين السكان الإسرائيليين من التنقل دون المرور عبر المراكز السكانية الفلسطينية التي ستُنقل مسؤوليتها إلى السلطة الفلسطينية. وفي جميع الأحوال، لن ينفذ جيش الدفاع الإسرائيلي إعادة الانتشار من المدن السبع الأولى قبل استكمال إنشاء الطرق الالتفافية، ويبلغ إجمالي الاستثمار المخصص لهذه الطرق نحو 500 مليون شيكل".

وفي حين لم يُسجل احتجاج فلسطيني رسمي، أو ربما كان هناك احتجاج جرى خلال جلسات المفاوضات المغلقة ولم يوثقه التاريخ، كان النقيض يحدث على الأرض، إذ بلغت التظاهرات الفلسطينية أوجها، من بينها التظاهرة التي انطلقت في 17 يناير/كانون الثاني 1995، من مدينة البيرة باتجاه مستوطنة "بساغوت" المقامة على أراضي المدينة وسط الضفة الغربية، وشارك فيها آلاف الفلسطينيين احتجاجاً على مصادرة أراضي المدينة لصالح إقامة طريق التفافي للمستوطنين.

نسيج الحياة بلا حياة
ويقول سهيل خليلية إن "كل الطرق التي تربط المدن الفلسطينية بعضها ببعض مصنفة ضمن المنطقة (ج)، وهذا هو أساس تقسيم المناطق الفلسطينية في اتفاق أوسلو (أ، ب، ج). لذلك كانت إسرائيل دائماً تدعو إلى وجود مشروع دولي لبناء جسور وأنفاق تربط المدن الفلسطينية بعضها ببعض، لكن من خلال طرق وأنفاق خاصة، وهو ما تطلق عليه إسرائيل نسيج الحياة، وهي طرق مخصصة للفلسطينيين تقع تحت شوارع المستوطنين ومفصولة عنها، إلا أن إسرائيل تستطيع السيطرة عليها بسهولة وفي وقت قصير". وتقوم خطة "طرق نسيج الحياة" (Fabric of Life Roads)، التي بدأ الباحثون العسكريون الإسرائيليون وضع تصوراتها منذ العام 2004، إلى أن أصبحت أكثر وضوحاً في نسختها عام 2007، على منع التقاء شبكتي الطرق الإسرائيلية والفلسطينية. وتعتمد الخطة على إنشاء جسور وأنفاق وتقاطعات طرق متعددة المستويات، بحيث تمر المركبات الإسرائيلية في المستوى العلوي بسرعة، بينما تمر المركبات الفلسطينية في المستوى السفلي أو عبر طرق جانبية.

وحسب تقرير منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية الصادر عام 2007 بعنوان "توقف الحركة: حرمان الفلسطينيين من حرية التنقل في الضفة الغربية"، تسمح هذه الخطة للفلسطينيين باستخدام نحو 20% فقط من الطرق التي يستخدمها الإسرائيليون. ووفق التقرير فإنه بينما حسّنت حركة الفلسطينيين نوعاً ما في بعض المناطق، فإنها في الوقت ذاته أبعدتهم عن استخدام الطرق الرئيسية، ورسّخت الفصل بين الشبكتين.

حتى الآن لا يوجد رقم رسمي دقيق إسرائيلي أو فلسطيني حول الطول الإجمالي للطرق الالتفافية للمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، لكن تقريراً في مركز "بتسيلم" بعنوان "الطرق المحظورة" عام 2004، نشر في حينه أظهر أن نحو 120 كيلومتراً من الطرق الالتفافية محظورة بشكل كامل على المركبات الفلسطينية، ونحو 245 كيلومتراً يتطلب استخدامها تصاريح أو يخضع لقيود، ونحو 365 كيلومتراً توجد عليها حواجز عسكرية أو دوريات متنقلة. أما البنك الدولي فقد نشر عام 2004 تحت عنوان "تقييم البنية التحتية في الضفة الغربية وقطاع غزة" أن "طول الطرق الالتفافية في الضفة الغربية يبلغ 345 كيلومتراً بينما يبلغ طول الطرق للمستوطنات 620 كيلومتراً". أما الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في الكتاب الإحصائي السنوي 2011، فذكر أن طول الطرق الالتفافية في الضفة الغربية أكثر من 332,7 كيلومترا، بينما طول الطرق للمستوطنات يبلغ 847,5 كيلومترا.

توسع إقامة البؤر الاستيطانية
يرتبط التوسع المتسارع في إقامة البؤر الاستيطانية بسهولة إنشائها قرب الطرق الالتفافية المجهزة مسبقاً بالبنية التحتية، إذ بات بإمكان مستوطن إقامة خيمة على مسافة عشرات الأمتار من طريق يربطه بشبكة المستوطنات، وهذا يفسر وجود بؤر صغيرة تضم مستوطناً إلى خمسة مستوطنين في مناطق مثل جالود وترمسعيا والمغير، قبل أن تتحول خلال الاعتداءات إلى مجموعات كبيرة تصل عبر الطرق الالتفافية خلال وقت قصير.

ويقول مسؤول التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية أمير داود، لـ"العربي الجديد"، إن "أوامر الاستيلاء على الأراضي لشق الطرق تنقسم إلى نوعين؛ الأول أوامر استملاك لإقامة الطرق وتوسيعها، حيث تشكل مساحة الشوارع الالتفافية، بما فيها المخطط لها مستقبلاً، نحو 3% من مساحة الضفة الغربية، والثاني أوامر وضع يد لأغراض عسكرية بذريعة إنشاء طرق أمنية وربط المستوطنات والبؤر والمواقع العسكرية".

ويوضح داود أن جيش الاحتلال أصدر منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 215 أمراً عسكرياً، بينها 80 أمراً مخصصاً لشق طرق أمنية، معظمها منذ مطلع 2025، معتبراً أن هذه الأوامر تُستخدم لإعادة تشكيل جغرافية الضفة وفرض وقائع استيطانية جديدة عبر ربط البؤر والمستوطنات بشبكات طرق محمية. ويشير إلى أن أبرز هذه الأوامر استهدفت مؤخراً الاستيلاء على 1042 دونماً في الأغوار الشمالية، عبر 9 أوامر وضع يد عسكرية طاولت مناطق طمون وتياسير وطلوزة وطوباس، بهدف شق طريق أفقي يحد من وصول الفلسطينيين إلى المراعي الشرقية. ويؤكد أن التجربة تشير إلى أن 90% من الطرق العسكرية تحولت لاحقاً إلى طرق تخدم المستوطنات أو تفصل بين التجمعات الفلسطينية.

العربي الجديد | نائلة خليل