2026-08-10 12:25 ص

لماذا ترفض إسرائيل اتّفاق غزّة؟

2026-08-09

بقلم: لميس اندوني
واضحٌ أنّ إسرائيل تحاول عرقلة اتّفاق غزّة المُعلَن أخيراً ويشمل تسليم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أسلحتها. يمثّل الاتّفاق المرحلة الثانية من خطّة الرئيس دونالد ترامب التي تصبّ في صالح بقاء إسرائيل القوّةَ المسيطرةَ على القطاع، وتمنع عملياً إعادة بناء المجتمع الفلسطيني في غزّة جزءاً من الوطن الفلسطيني. صحيح أنّ العشرين بنداً من الخطّة توحي بأنّها تمهّد الطريق لتحقيق حقّ تقرير المصير للشعب الفلسطيني وإقامة دولة فلسطينية، لكنّ الشروط التي تسبق ذلك كلّها تسلب غزّة هُويّتَها الفلسطينية وحرّيتَها، وتدمّر أيّ فرص لحياة سياسية فيها.
الأخطر أنّ البند الأخير يرهن حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بموافقة إسرائيلية تحت مسمّى حوار إسرائيلي–فلسطيني، بعد أن تُحكِم أميركا وإسرائيل السيطرة على غزّة من دون تمثيل فلسطيني إلا لموظّفين تحت إمرة واشنطن وتل أبيب. وهذا لا يعني أنّ السيناريو الذي تقدّم ذكره سيتحقّق، لكنّنا نتحدّث عن المسار الذي يتّجه إليه ما يسمّى "مجلس سلام ترامب الاستعماري"، وذلك ليس قدراً مكتوباً. إذاً، لماذا تحاول إسرائيل عرقلة المرحلة الثانية من خطّة ترامب؟

قد تبدأ محاولة تفسير (وفهم) الموقف الإسرائيلي من أنّ إسرائيل ترفض فقدان السيطرة الكاملة على مصير الضفّة الغربية وقطاع غزّة. إذ إنّها ليست معنيةً بمساومة أو حلّ، حتّى لو كان لمصلحتها، فهي ليست معنيةً بأيّ دور فلسطيني، وتهدف في هذه المرحلة إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني، ونسف خريطته كما نعرفها في كلٍّ من الضفّة والقطاع. ما يحدُث في الضفة الغربية يختلف عن هجمات المستوطنين والجيش السابقة، فقد بدأ القادة الإسرائيليون بتنفيذ عملية إنهاء الوجود الفلسطيني، مجتمعاً ومدناً وجزءاً من وطن متكامل، لتغيير وجه الضفّة، بما في ذلك القدس الشرقية، كما تفعل دولة الاحتلال في غزّة. أيّ أنّ إسرائيل، وقبل كلّ شيء، على عجلة من أمرها، وبدأت تضيق بالأدوار المنوطة بأطراف خارجية، حتّى لو كانت هذه الأطراف تعمل تحت مظلّة مجلس ترامب (مجلس السلام) وإشراف الجيش الأميركي، وبخاصّة مع بداية وصول "قوّة تأمين الاستقرار" في غزّة. إذ قد تنتج عن ذلك تركيبةٌ عجيبةٌ وقد تخرج عن السيطرة.
فوصول قوّات مغربية، وإن كان الهدف منها منع ظهور أيّ مقاومة فلسطينية وتقييد قدرة الفلسطينيين على الاحتجاج والرفض، مقلق لإسرائيل التي قبلت بهذه البنود تحت ضغط من الرئيس الأميركي. ليس لأنّ هذه القوّات، وبعضها عربية وإسلامية، ستتعاطف مع الفلسطينيين، ولن يكون مستغرباً ألّا تثق إسرائيل بقوات عربية مسلمة في غزّة، لأنّها لا تؤمن إلّا بالجيش الإسرائيلي المعبّأ كراهيةً وعنصريةً. فالمشروع الصهيوني (كما تنفيذه كاملاً) يحتاج إلى إتمام مهمّة الإبادة والتهجير، ويرى أنّ التركيبة الجديدة ستعرقل أو تبطئ هذه المهمّة. أمّا السبب الثاني لرفض الاتّفاق، فهو أنّ إسرائيل قد تعلّمت أنّ عقود الاحتلال، وأعوام التدجين تحت مظلّة اتّفاق أوسلو، لم تطفئ جذوة تصميم الفلسطيني على التمسّك بوطنه وأرضه وإصراره على المقاومة. فيلوم مسؤولون وباحثون إسرائيليون اتّفاق أوسلو، لأنّه سمح بإقامة سلطة فلسطينية، وبمساحة، لم تكن قبل "أوسلو" لإقامة مؤسّسات فلسطينية انتهت تحت سيطرة "حماس"؛ إذ مكّنت هذه المساحة الفلسطينيين من تنظيم أنفسهم وسبل مقاومتهم بعد تفجّر الانتفاضة الثانية عام 2000 حتّى إطلاق حركة حماس "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2023.
لذا، لا تثق إسرائيل بقدرة "مجلس السلام" على إطفاء جذوة المقاومة وطمرها تحت الرماد، فالوقت حان للحسم النهائي. وتعكس عرقلة إسرائيل المرحلة الثانية أحد أوجه الخلاف بين حكومة نتنياهو وإدارة الرئيس ترامب؛ فالإدارة الأميركية، والأهمّ الدولة العميقة في واشنطن، مهتمّة بتهدئة عمليات القتل الإسرائيلية ضدّ أهل غزّة ووقفها. ولا ينطلق موقف واشنطن الداعي إلى أن يوقف الجيش الإسرائيلي إطلاق النار، ولو بشكل مؤقّت، من موقع إنساني وحقوقي، بل لأنّ تحقيق نوع من التهدئة حتّى لو كانت مؤقّتة يمكّنها من التفرّغ لمأسسة "مجلس ترامب" الذي أضحى حاكم الأمر الواقع في غزّة.

لا يتعلّق الأمر حصراً بمشاريع ترامب وصهره جاريد كوشنر في غزّة، فالهدف الأميركي يبقى ضمان أمن إسرائيل وتفوّق جيشها في فلسطين والمنطقة. فواشنطن مقتنعة بأنّ التغييرات في غزّة لن تتعارض مع مصالح إسرائيل، بل تخدمها. فالموقف بعد "طوفان الأقصى" ليس كما قبله، لذلك تنشد إسرائيل السيطرة الكاملة. فقد شكّل "طوفان الأقصى" صدمةً للمؤسّستَين العسكرية والأمنية اللتين تحتاجان، اليوم، إلى استعادة ثقتهما بنفسيهما وإلى استعادة ثقة الإسرائيليين بهما. صحيح أنّ ترسانة إسرائيل العسكرية، المدعّمة بإمدادات أميركية وأوروبية، أحدثت دماراً هائلاً في غزّة وجعلت حركة حماس تقبل بشروط لم تكن لتقبل بها، لكنّ المجتمع الإسرائيلي لم يغفر للمؤسّسة الأمنية عدم جهوزيتها لمفاجأة "طوفان الأقصى" ونجاح "حماس" في إحداث خرق أمني غير مسبوق في تاريخ الدولة الصهيونية.
واضح أنّ إسرائيل تريد عرقلة الخطّة، إلّا إذا تدخّل ترامب وأجبرها على الالتزام بها، ومن مصلحته أن يتدخّل، لكنّ الأرجح أن يضغط ترامب على نتنياهو لإجباره بتنفيذ المرحلة الثانية مقابل قبول أميركا بشروطٍ إسرائيليةٍ جدّيةٍ، فإسرائيل لن تقبل أن تتحرّك القوّة الدولية إلّا بموافقة الجيش الإسرائيلي. نكرّر: لا تنسجم خطة ترامب مع سعي إسرائيل لإعادة هندسة الضفّة الغربية وقطاع غزّة، لكنّ رسالة نتنياهو أن تكون هناك سيطرة كاملة للمؤسّسة العسكرية الصهيونية على كلّ خطر يمكن أن ينتج عن مجلس ترامب في غزّة.
لقد بدأت عملية إعادة رسم خريطة الضفّة، ولن تسمح إسرائيل لمجلس غزّة بتعطيل ولو جزء من مسار خطّتها في غزّة، خصوصاً أنّ هذه الخطّة هي جزء من الرؤية الإسرائيلية لحسم ضمّ الضفة وتهويد القدس إلى جانب عقيدة بناء المناطق الأمنية العازلة، التي بدأت بإنشائها في لبنان وتطمح إلى تكرارها في سورية. أيّ أنّ المشروع الصهيوني وتحصينه يمضيان إلى الأمام لفرض هيمنة أمنية مباشرة على دول المحيط، أي عبر احتلال أراضٍ في هذه الدول، وذلك كلّه تحت شعارات مثل اتّفاقات إطار وخطط سلام... تؤطّر بالفعل لمشروع أمني إسرائيلي، وسط صمت دولي وخنوع عربي.

العربي الجديد