2026-08-08 02:19 ص

غزة تحت الوصاية والضفة تحت الضم

2026-08-07

بقلم: طاهر تيسير المصري
 ليس ما يجري في قطاع غزة منفصلاً عما يحدث في الضفة الغربية. "إسرائيل" تعمل في المنطقتين للوصول إلى نتيجة واحدة، لكنها تستخدم وسيلتين مختلفتين، ففي غزة لجأت إلى الحرب والتدمير والتهجير، وفي الضفة تستخدم الاستيطان والحواجز وهدم المنازل وعنف وإرهاب المستوطنين. هناك فعلت ذلك بقوة النار، وهنا تفعله على مهل، خطوة بعد أخرى.

في الضفة، لم تعد "إسرائيل" بحاجة إلى إعلان رسمي للضم. فالطرق الاستيطانية تتمدد، والبؤر تُشرعن، والأراضي تُصادر، والتجمعات الفلسطينية تُحاصر أو تُدفع إلى الرحيل. ومنذ بداية عام 2026، وثقت الأمم المتحدة تهجير آلاف الفلسطينيين في الضفة بسبب اعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم المرتبطة برفض سلطات الاحتلال منح تراخيص البناء. ما يجري ليس سلسلة حوادث منفصلة، بل إعادة تشكيل للأرض بما يحول المدن والقرى الفلسطينية إلى جزر محاصرة داخل مساحة تسيطر عليها "إسرائيل".
أما غزة، فتتجه نحو شكل آخر من السيطرة. قرار مجلس الأمن رقم 2803 لم يلغِ حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير بصورة صريحة، لكنه وضع هذا الحق داخل متاهة من الشروط والترتيبات الخارجية. فقد منح "مجلس السلام" صلاحيات واسعة في الإشراف على الحكم والأمن والإعمار، وربط استعادة الإدارة الفلسطينية الكاملة بشروط وتقييمات لا يقررها الفلسطينيون وحدهم. وهكذا يتحول صاحب الأرض إلى طرف ينتظر من الآخرين أن يحددوا متى يصبح مؤهلاً لإدارة شؤونه.

المشكلة في القرار ليست في عباراته فقط، بل في المنطق الذي يقوم عليه. غزة تُعامل باعتبارها ملفاً أمنياً وإنسانياً يحتاج إلى إدارة خارجية، لا جزءاً من أرض فلسطينية محتلة يجب إنهاء الاحتلال عنها. الأولوية تُعطى للترتيبات الأمنية ونزع السلاح وإدارة الأموال والإعمار، بينما تبقى السيادة الفلسطينية ووحدة غزة والضفة وحق تقرير المصير وعوداً معلقة على مرحلة لاحقة.
قد تكون هذه الترتيبات مؤقتة على الورق، لكن التجربة الفلسطينية مليئة بترتيبات مؤقتة تحولت إلى واقع دائم. وحين تتشكل في غزة إدارة مالية وأمنية منفصلة، بينما تواصل إسرائيل ضم الضفة عملياً، فإن الفصل بين المنطقتين لن يبقى مجرد نتيجة للانقسام الفلسطيني. سيصبح نظاماً قائماً تحميه ترتيبات دولية ووقائع إسرائيلية على الأرض. عندها ستكون غزة منطقة تُدار تحت إشراف خارجي، فيما تتحول الضفة إلى تجمعات فلسطينية محاصرة بالمستوطنات والطرق والحواجز. ولن تحتاج "إسرائيل" إلى إعلان نهاية الدولة الفلسطينية، لأن هذه الدولة ستكون قد فقدت وحدتها وأرضها قبل أن ترى النور.

الاحتلال هو المسؤول الأول عن تدمير الاقتصاد وتعطيل التعليم واستهداف النظام الصحي، سواء من خلال الاقتحامات والحواجز أو احتجاز أموال المقاصة وخنق حركة الناس والبضائع. لكن هذه الحقيقة لا تمنح القوى والأحزاب الفلسطينية براءة من مسؤوليتها. فالانقسام وسوء الإدارة والصراع على المواقع وغياب المحاسبة ضاعفت الأزمة، وحولت مؤسسات يفترض أن تحمي الناس إلى مؤسسات تكافح من أجل البقاء.
والمقلق أن ما جرى في قطاع غزة بصورة عنيفة وشاملة، يجري في الضفة الغربية بصورة أبطأ وعلى مراحل. التعليم يتآكل تحت ضغط الاقتحامات والحواجز واعتداءات المستوطنين، فيما تزيد الأزمة المالية وتخبط الحكومة في إدارتها من اضطرابه. قرارات مرتبكة، وحلول مؤقتة، وأزمات متكررة مع المعلمين، جعلت انتظام الدراسة نفسه موضع شك، وحولت حقاً أساسياً إلى خدمة تعمل وفق الظروف والإمكانات المتاحة.
والقطاع الصحي يسير في الاتجاه نفسه. المرضى يواجهون صعوبة متزايدة في الوصول إلى العلاج، وسيارات الإسعاف تعطلها الحواجز، والمستشفيات تعاني نقص الموارد وتراكم الديون واضطراب الخدمات. وفي المقابل، تبدو الحكومة عاجزة عن تقديم خطة واضحة تحمي النظام الصحي من الانهيار، مكتفية بإدارة الأزمة يوماً بيوم، بدلاً من مواجهتها باعتبارها تهديداً مباشراً لحياة الناس.
أما سوق العمل، فقد دخل مرحلة خطرة من الانكماش والانسداد. فرص العمل تتراجع، والبطالة تتسع، والخريجون يدخلون إلى واقع بلا أفق، بينما لا تملك الحكومة ولا القوى السياسية سوى وعود عامة وخطط لا يلمس الناس نتائجها. وهذا ليس مجرد تراجع اقتصادي، بل كارثة اجتماعية تهدد استقرار الأسر وتدفع المجتمع نحو مزيد من الفقر واليأس والهجرة.

الأخطر أن ضعف القوى والأحزاب يزيد الكارثة عمقاً. فهي لا تضغط بما يكفي لتغيير السياسات، ولا تقدم بدائل قابلة للتطبيق، ولا تنجح حتى في الاتفاق على أولويات وطنية لحماية التعليم والصحة والعمل. بعض هذه القوى يكتفي بمراقبة الحكومة وانتقادها، وبعضها شريك في إدارة النظام القائم، لكن الجميع يتنصل من المسؤولية عندما تصل الأزمات إلى الشارع.
ما يحدث ليس مجموعة أزمات منفصلة، بل مسار واحد يضرب قدرة الفلسطينيين على البقاء والصمود. فحين يضعف التعليم، ويتراجع العلاج، ويغيب العمل، ثم تُدار الكارثة بالتخبط والتأجيل وتبادل الاتهامات، يصبح المجتمع أكثر هشاشة أمام مشروع استيطاني منظم يعمل على الأرض بلا توقف. وإذا كانت الحكومة والقوى الفلسطينية عاجزة عن حماية مدرسة ومستشفى وفرصة عمل، فكيف ستواجه مشروعاً سياسياً واستيطانياً تديره دولة بجيشها وقوانينها وميزانياتها؟

ليس صحيحاً أن الضفة أصبحت غزة أخرى، لكن من الخطأ أيضاً تجاهل المسار. ما دُمر في غزة بالنار، يجري إنهاكه في الضفة بالحواجز والاقتطاعات والاقتحامات والاستيطان والخنق الاقتصادي. مدرسة تعمل أياماً أقل، ومستشفى لا يقدم إلا الضروري، وخريج لا يجد عملاً؛ هذه ليست أزمات خدمات منفصلة، بل مقدمات لتفكيك المجتمع وإضعاف قدرته على البقاء في أرضه.
وأمام هذا كله، لا تزال القوى والأحزاب الفلسطينية تتصرف كأن مهمتها إصدار البيانات وتبادل الاتهامات. من يعجز عن ضمان انتظام المدارس، وتوفير الدواء، وحماية رواتب الموظفين، ووضع خطة لمواجهة بطالة تقترب من ثلث قوة العمل، كيف سيقنع الناس بأنه قادر على مواجهة مشروع استيطاني تديره دولة بجيشها وقوانينها وميزانياتها؟ المشكلة لم تعد في قلة الإمكانات وحدها، بل في غياب القرار والمحاسبة والأولوية الوطنية.

القوى الفلسطينية تطلب من الناس أن يصمدوا، لكنها لم تقدم لهم نموذجاً مقنعاً للحكم. تطالبهم بالثقة، بينما لا تجدد مؤسساتها ولا تكشف حساباتها، ويتغلغل في بعض بنياتها الفساد المالي والإداري والمحسوبية، في غياب الرقابة والمساءلة الجدية. تتحدث عن الوحدة، لكنها تدير الانقسام وتستفيد من مؤسساته ووظائفه ومراكز نفوذه، حتى أصبح الانقسام بالنسبة إلى بعضها مصدر بقاء وسلطة ومصالح لا أزمة وطنية يجب إنهاؤها. وتدين التدخل الخارجي، ثم تنتظر من العواصم الإقليمية والدولية أن تجمعها، وأن تكتب لها تفاهماتها، وأن تحدد لها طريق الخروج من أزمة أسهمت هي نفسها في صناعتها واستمرارها.
وفي هذا السياق، يجري تقديم الانتخابات التشريعية المقررة في 28 تشرين الثاني 2026 باعتبارها بوابة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة. الانتخابات ضرورية، وحرمان الفلسطينيين منها طوال هذه السنوات كان خطأ سياسياً فادحاً، لكن تحويلها إلى علاج سحري ليس أكثر من هروب جديد من أصل المشكلة.
من غير المرجح أن يكون للانتخابات تأثير حاسم في إعادة توحيد غزة والضفة ما لم يسبقها اتفاق سياسي واضح وملزم. الانتخابات لا توحد مؤسسات منقسمة تلقائياً، ولا تلغي سلطات الأمر الواقع، ولا تحسم مصير السلاح والأجهزة الأمنية والموظفين والمال العام. كما أنها لا تجيب عن السؤال الأهم: كيف سيمارس مجلس تشريعي منتخب صلاحياته إذا كانت غزة خاضعة لترتيبات "مجلس السلام"، والضفة تتعرض للضم والتفكيك؟

ومن سيضمن احترام النتائج؟ وهل ستقبل القوى بالخسارة كما تقبل بالفوز؟ وهل ستكون الحكومة الناتجة قادرة على العمل في غزة والضفة؟ أم أننا سننتخب مجلساً آخر لا يملك سلطة فعلية، ونضيف أزمة شرعية جديدة إلى الأزمات القائمة؟
لهذا قد تتحول الانتخابات، رغم ضرورتها، إلى قفزة في الهواء لا يعرف أحد تداعياتها. وقد تنتج شرعية جديدة، لكنها قد تنتج أيضاً صراعاً جديداً على الشرعية، خصوصاً إن دخلتها القوى والأحزاب بعقلية اقتسام النفوذ نفسها، لا بعقلية إعادة بناء النظام السياسي.
المطلوب قبل الانتخابات ليس صفقة جديدة بين الفصائل لتوزيع المقاعد، بل عقد سياسي واضح يقوم على أن غزة والضفة والقدس وحدة سياسية وقانونية واحدة، ونتائج الانتخابات ملزمة للجميع، والسلاح والقرار السياسي والمؤسسات والمال العام تخضع لمرجعية وطنية واحدة. ومن دون ذلك، ستكون الانتخابات تغييراً في الأسماء داخل المشهد نفسه.

لقد وصلت القوى والأحزاب الفلسطينية إلى مرحلة لم يعد فيها العجز عذراً. فمن يعجز سنوات عن إنهاء انقسام صنعه بيديه، وعن حماية المؤسسات من الترهل والفساد، وعن تقديم حلول جدية لأزمات التعليم والصحة والعمل، لا يحق له أن يطلب من الناس تصديق أنه مستعد لمواجهة مشروع ضم واستيطان تقوده دولة بكل أجهزتها.

المطلوب ليس اجتماعاً جديداً ولا بياناً آخر عن المصالحة. المطلوب قيادة فلسطينية تعرف أن المعركة على الأرض تجري الآن، وأن كل يوم من الانقسام يمنح إسرائيل مساحة إضافية، ويمنح الجهات الخارجية فرصة أكبر لفرض مستقبل غزة والضفة من دون الفلسطينيين.
المعركة لم تعد على من يحكم غزة، ولا على من يفوز في الانتخابات. المعركة على بقاء فلسطين قضية واحدة وأرضاً واحدة وشعباً واحداً. وإذا بقيت الأحزاب تدير عجزها بالطريقة نفسها، فقد تأتي الانتخابات وتذهب، بينما تكون غزة قد وُضعت تحت وصاية طويلة، وتكون الضفة قد ابتلعتها المستوطنات، وتكون القوى الفلسطينية قد خسرت الأرض وهي مشغولة بالصراع على سلطة تتآكل تحت أقدامها.