2026-08-07 11:30 م

الانتخابات الفلسطينية: أسئلة كبرى

2026-08-07

بقلم: ابراهيم ربايعة
بعد حوالي خمس سنوات من إلغاء الانتخابات التشريعية الّتي كان من المزمع عقدها عام 2021، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسوماً بإجرائها في نوفمبر/تشرين الثاني 2026. تأتي هذه الخطوة في سياق فلسطيني شديد التعقيد تسوده حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزّة، وحالة الضمّ المستمر في الضفّة الغربية، وتجفيف للسلطة الفلسطينية ومؤسساتها عبر إجراءات إسرائيلية استراتيجية، ما يجعل هذه الانتخابات اختباراً حقيقياً وتاريخياً للنظام السياسي الفلسطيني من جهة، والمشروع الوطني من جهة أخرى.

ينقسم موقف الشارع حول هذه الخطوة، بين مؤيدٍ ودافعٍ باتجاه ضرورة حدوث الانتخابات لتجديد الشرعيات الديمقراطية، الّتي تأخرت لأكثر من عقدين، وبين معارضٍ يعتبرها خطوة لتعميق الانقسام؛ كونها بعيدة عن التوافق الوطني، وتأتي استجابةً لضغوط خارجية أكثر من استجابتها لتحديات المشروع الاستعماري.

ربما يمثّل ملف الانتخابات فرصةً اليوم، لاستدعاء مجموعة من المقولات السياسية الفلسطينية الّتي نحتاج لمراجعتها في ظل كل ما وقع على رأس الشعب الفلسطيني خلال الأعوام الثلاثة الفائتة، أهمّها مقولة التوافق الوطني.

في مقولة التوافق الوطني
رغم أن جولات المصالحة المكوكية خرجت برؤية واضحة وخطوات متعاقبة للتجديد السياسي الشامل، وأفرزت آليات تنفيذ للوفاق الوطني يقوم على خطوات مترابطة تبدأ بحكومة وفاق وطني تنظم مرحلة انتقالية، ومساراً انتخابياً مدروساً، ومصالحات مجتمعية، إلّا أن هذا المسار، الذي تعطل طويلاً، فشل بتجديد الشرعيات ورسخ الفصل بين الضفّة وقطاع غزّة، وهذا ما أدى إلى واقع مأساوي بحاجة مراجعة شاملة بعد سياق الإبادة والتدمير الشامل وما أنتج من واقع سياسي مفكك في قطاع غزّة، ظهرت فيه فواعل مثل اللجنة الإدارية ومجلس السلام من خلفها، يقدمون هياكل بديلة للكيانية السياسية الفلسطينية الجامعة.

وفي ظل أولوية الحفاظ على الكيانية والوحدة بين الضفّة والقطاع، عبر مجابهة مشروع الفصل، تصبح الانتخابات ضرورة ملحة، رغم اتساع الهوة بين الفواعل الوطنية وتباعد فرص التوافق الوطني الشامل. من هنا، يصبح البديل اتّفاق الحد الأدنى القائم على مسار متدرج يبدأ بقواعد أساسية وخطوات متلاحقة يجري الاتّفاق عليها لضمان تثبيت الوحدة الكيانية الفلسطينية.

في السياق ذاته، بقي نقاش شروط المشاركة السياسية مطروحاً وحاضراً ملفاً ساخناً على طاولة الحوار الوطني منذ العام 2005، وتراوحت المشروطية بين الالتزام بالقانون الأساسي ووثيقة الاستقلال، والاعتراف بمنظّمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً، والاعتراف بالاتّفاقيات والالتزامات الّتي وقعتها. يعود هذا الملف مع كل استحقاق انتخابي ليبرز على السطح، لكنه وفي هذه الجولة يترافق مع حراك إقليمي ودولي داعم لهذه المشروطية، ضمن مسار الإصلاحات وتحالف حلّ الدولتين. عملياً، جرت الانتخابات المحلية بوجود شروط مشابهة، لكن عند الحديث عن الانتخابات التشريعية، من الضروري صياغة اتفاق حد أدنى مع الفصائل والمجتمع المدني وفواعله الحية، بهدف ضمان أوسع مشاركة وصياغة أية شروط بما لا يعيق ذلك.

مشاركة وقلق
شهدت تجربة الانتخابات الملغاة عام 2021 تسجيل 36 قائمة، بواقع 1389 مرشحةً ومرشحاً، ما عكس تعطشاً واسعاً للانتخابات، خصوصاً بين أوساط الشباب. ورغم التوجس من احتمالات إلغائها في هذه الجولة أيضاً، إلّا أن المشاركة المتوقعة عالية كذلك، ربما تتجاوز 45 قائمة، في ظلّ خفض نسبة الحسم، وخفض عمر الترشح.

إن حالة التكلس التي وقع فيها النظام السياسي الفلسطيني لعقدين من الزمن حرمت الشباب من ممارسة الحق الدستوري في التصويت والترشح، بما نسبته 55% من إجمالي الناخبين المسجلين، وفي ظلّ حالة التهميش والاستقطاب وعجز فواعل المجتمع المدني عن خلق ديناميكيات بديلة، من المتوقع مشاركة الشباب بمعدلات مرتفعة رغم الظروف غير المثالية لإجراء انتخابات.

شهد القانون تعديلات جوهرية تمس الشكل والتركيب، أهمّها اعتماد التمثيل النسبي (الوطن دائرة واحدة)، وخفض نسبة الحسم إلى 1%، وتعزيز حضور المرأة والشباب. بالمقابل، يثير رفع عدد الأعضاء من 132 عضواً إلى 200 عضو قلقاً واسعاً حول التكلفة والدافع والأثر، كما يثير التعيين والاستكمال في الغرفة التشريعية الكبرى (المجلس الوطني) قلقاً حول جدوى العملية السياسية، كون هذا التعيين مدخل لإعادة هندسة منظّمة من دون اتّفاق الحدّ الأدنى.

بالمقابل، يصبح خفض نسبة الحسم تحدياً كبيراً أمام الفصائل الفلسطينية، الّتي يعتقد قطاع واسع من المجتمع الفلسطيني أنها بلا تمثيل حقيقي في الشارع، ورغم استدراك العديد منها في مناسبات سابقة ذلك، إلّا أنها فشلت بخلق حالات ائتلافية ناضجة تسمح لها بالتواجد المؤثر في المجلس.

اليوم تتداعى شخصيات عامة عابرة للفصائل، في محاولة لإطلاق "التحالف من أجل التغيير والتحرر الوطني"، إطاراً يخوض الانتخابات تحت أطر تتصل بالسياسات الداخلية والقضية الوطنية الجامعة. وعلى أهمّية هذه المبادرات والحركات، إلّا أنها لم تنجح بالتجارب السابقة من اختراق الثقل الفصائلي، في ظل وجود ثنائية فتح وحماس، وهنا من غير الواضح ما إذا كان هذا التحالف سيستند إلى قواعد حماس- في حال عدم مشاركة الأخيرة في الانتخابات مباشرةً.

القدس وقطاع غزّة... أسئلة كبرى
رغم أن قانون الانتخابات الحالي يتعامل مع الوطن دائرةً واحدةً، إلّا أن سؤال القدس (السبب المعلن لإلغاء الانتخابات السابقة 2021)، يحضر في هذه الجولة بقوّة أكبر، في ظل معركة السيادة والضمّ، والسؤال هنا: هل ستتحول الانتخابات في القدس إلى مواجهة سياسية شاملة؟ أم سيتم استخدامها للإلغاء مرة أخرى؟ هذه أسئلة مفتوحة تتطلب حراكاً سياسياً على مستوى الفصائل والمنظّمة لرسم ملامح المسار المتصل بها.

أما على مستوى قطاع غزّة، بالإبادة المستمرة وتدمير المؤسسات وحالة النزوح وتفتت الجغرافيا، توضَع أسئلة لوجستية وأمنية وأخلاقية أمام صانع القرار، لكنّ السؤال الأبرز هنا يكمن في موقف حركة حماس الّتي ما زالت حاضرةً وقادرةً على لعب دور المسهل أو المعطل.

يكتسب إجراء الانتخابات بمشاركة واضحة ووازنة للقدس أهمّية أكبر من أي وقت مضى، في ظل سياسات الضمّ والطرد والاقتلاع الإسرائيلية، وهذا ما ينطبق على قطاع غزّة الّتي يجب أن يقول المواطن فيها كلمته لتحديد اختياراته ومستقبله السياسي بحرية ومن دون إملاءات.

إن موقف حركة حماس غير واضح حتّى اللحظة، وهو أمام احتمالات عدّة: إما تسهيل الانتخابات من دون المشاركة أو الدعم، أو تسهيل الانتخابات مع دعم قوائم بعينها، أو التسهيل والمشاركة، أو تعطيل الانتخابات كاملةً. وفي ظل الواقع الميداني والسياسي، فالأرجح ألا تقف حماس عائقا أمام عقدها لما لذلك من أثر سياسي فادح، لكنها ستدفع خلال الأشهر القادمة نحو حوار يفضي إلى تفاهمات ذات صلة، خصوصاً أنها أرسلت إشارات من خلال عدم تعطيل انتخابات بلدية دير البلح في إبريل/نيسان الماضي.

في ظل الظرفين الإقليمي والدولي، لا أرى أن إلغاء الانتخابات من أحد مدخلي قطاع غزّة أو القدس مرجح، فالالتزامات الدولية ومسار الإصلاح والتوقعات الإقليمية والدولية بتنفيذ الالتزام الفلسطيني الرسمي بتجديد الشرعيات لم يكن حاضراً في العام 2021 كما الآن. المطلوب هنا خطة وطنية شاملة للضغط على المجتمع الدولي من أجل ضمان إنفاذ الانتخابات في القدس وقطاع غزّة، وليس التكيف مع الوضع القائم، والاكتفاء بتمثّيل رمزي لهما في الصندوق، كانت قد حضرت مقترحات عدّة حول إجراء الانتخابات في القدس تحديداً، لتحويل العملية إلى حالة سياسية بكل معنى الكلمة، وهذا نقاش يجب أن ينضج ويوضع على الطاولة سيناريوهات وأدوات استجابة دقيقة.

ختاماً
وسط ازدحام الأولويات والهموم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المركبة، يقول الفلسطيني بوضوح أنه بحاجة لعقد اجتماعي وسياسي يرسم خريطة أولويات القيادة ويفضي إلى تعددية صحية. وهنا تحتاج القيادة إلى الاستناد بقوّة إلى ظهير مجتمعي متين يشمل كل فواعل المجتمع الحية، وأهمّها مكونات المجتمع المدني من فصائل وأحزاب ومؤسسات وإعلام وغيرها، وهذا مدخل لا بدّ منه لبناء رؤية استراتيجية؛ غابت طوال السنوات الفائتة؛ تواجه التحديات اللامركزية الّتي تطاول الفلسطيني والفلسطينيين. أما على مستوى التركيب والديناميكيات، فيجب أن تشكل الانتخابات مدخلاً لتجديد الدماء في الفصائل الفلسطينية الوازنة، عبر حضور لشخصيات مهنية وشباب ونساء من جهة، ونقاشات لحالات اندماج بين الفصائل الصغيرة من جهة أخرى. إن هذا التجديد ضروري لتطوير الخطاب السياسي والاجتماعي والاقتصادي الجامع، وجعله أكثر تمثيلاً وتحرراً وديناميكية.

العربي الجديد