2026-08-08 02:20 ص

رفض نتنياهو الانسحاب من سورية ولبنان... مقامرة أم ورقة قوة؟

2026-08-07

بقلم: مالك ونوس

رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الانصياع لطلب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالانسحاب من الأراضي الّتي احتلتها قواته في جنوب سورية ولبنان في الشهور الأخيرة. ويرفض نتنياهو هذا الطلب، مع العلم أنه انصاع سابقاً لطلبات عاجلة من ترامب، لعل أبرزها إعادته الطائرات الحربية الإسرائيلية الّتي كانت متوجهة باتجاه إيران، في يونيو/حزيران 2025، لتنفيذ ضربة عسكرية، بعد اتّفاق وقف إطلاق النار في حرب الاثني عشر يوماً بين إيران وكيان الاحتلال، خوفاً من انهيار الهدنة الّتي أثمرها الاتّفاق. وقد جاء الطلب الأميركي بالانسحاب عبر اتصال هاتفي، قال موقع أكسيوس الأميركي إن ترامب قد أجراه مع نتنياهو، في 14 يوليو/ تموز الجاري، مبيناً أن ترامب طلب ذلك لأن الوجود الإسرائيلي في تلك المناطق يثير التوتر في المنطقة، وقد يؤدي إلى تصعيد جديد.

صحيح أن عدداً كبيراً من المحلّلين ركزوا على دوافع الرئيس الأميركي لهذا الطلب، خصوصاً أنه جاء بعد لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، في أنقرة على هامش قمّة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الّتي عقدت يومي السابع والثامن من يوليو الجاري، وترجيحهم أن ترامب قد يُرغِّب الشرع من جهة، ويضغط عليه من جهة أخرى للتدخل في لبنان، من أجل نزع سلاح حزب الله، في الوقت الذي يتخذ فيه هذا الحزب احتلال القوات الإسرائيلية جزءاً من الأراضي اللبنانية، مبرراً له للاحتفاظ بسلاحه. كذلك فإنه جاء في الوقت الذي تتفاوض فيه دولة الاحتلال مع لبنان من أجل الوصول إلى اتّفاق، يريد ترامب منه أن يفضي إلى التطبيع بين الطرفين. غير أن اللافت هو الرفض الإسرائيلي الانسحاب، الذي غامر به نتنياهو، مبرراً الأمر بالحاجة إلى إقامة مناطق أمنية على حدود سورية ولبنان، تمنع هجماتٍ مشابهة لهجوم طوفان الأقصى.

لم يرشح ما إذا كان الأمر قد تعدى الطلب أو التمني، للوصول إلى مرحلة الضغط، ولكن أي ضغط مترافق مع إجراءات عملية، مثل وقف بعض الدعم، هو وحده الكفيل بدفع نتنياهو إلى الانسحاب من بعض النقاط، خصوصاً أنه أتى في وقت حساسٍ تشهد فيه العلاقة بين الطرفين بعض التوترات والتراشقات الكلامية حول اتّفاق واشنطن مع طهران، والدعم الأميركي لدولة الاحتلال، وفضل الولايات المتّحدة على إسرائيل، التي قال قادتها إنه لولا دعمهم لانتهت من الوجود. لكن، بدلاً من الانسحاب، استمر الإسرائيليون بقضم الأراضي السورية، بعد اجتياحهم العسكري لها عشية سقوط نظام الأسد، والذي أدى إلى احتلالهم أكثر من 600 كيلومتر مربع جنوبي البلاد. كذلك لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وعملية التدمير الممنهج للقرى والبلدات اللبنانية الجنوبية، علاوة على عدم سماح الإسرائيليين بتقدم الجيش اللبناني إلى "المناطق التجريبية" التي اقترحوا هم أنفسهم أن يديرها.

إضافة إلى أن نتنياهو لا يشعر أنه مجبرٌ على الانسحاب من المناطق الّتي احتلتها قواته في سورية ولبنان، نتيجة غياب أي ضغط عسكري، لبناني أو سوري، أو دبلوماسي عربي أو دولي، يدفعه إلى ذلك، فإن حاجته لحرب وتوترٍ دائمين يساهمان في منع محاكمته، تُعدُّ واحداً من دوافعه للإبقاء على احتلال تلك المناطق. فالحرب تمنع أي تصويت تدعو إليه المعارضة في الكنيست الإسرائيلي، من أجل حجب الثقة عنه، على خلفية قضايا فساد تلاحقه. كذلك إن انسحابه سيُصَنَّف علامة ضعف، وسيراه الإسرائيليون خضوعاً للجانب الأميركي، وهم الذين يفاخرون دائماً بالتأثير في صناعة القرار والسياسة الأميركيين. 

وبغض النظر عن أن احتلال هذه المناطق في سورية ولبنان يندرج ضمن تنفيذ خطة "مشروع إسرائيل الكبرى"، الذي أعاد نتنياهو الحديث عنه، إلا أن استمرار السيطرة عليها يعزز من رصيده، ويزيد من شعبيته بين الإسرائيليين. لذلك، إن أي انسحاب، مهما كان حجمه، سيفقده هذا الرصيد، ويؤثر فيه خلال الانتخابات التشريعية المقبلة بعد أشهر، ويفقده أصوات كثيرين، وربما تسبب له بالخسارة. وبالتالي، إن أي انسحاب سيكون بالنسبة إلى نتنياهو بمثابة الانتحار الذي سينهي مستقبله السياسي، ويجعله عُرضةً للمحاكمات التّي يعرف هو قبل الجميع، أن نتيجتها ستكون إرساله إلى السجن. وهو مصير لن يغيره أي تدخُّلٍ من جهة ترامب الذي يرى ضرورة الانسحاب، لكن لا يرى تبعاته على الرجل.

العربي الجديد