2026-08-02 02:12 ص

تصريحات الرجوب ومؤشرات الصدام القادم

2026-08-01

بقلم: نبهان خريشة

تكتسب التصريحات الأخيرة لعضو اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب أهمية استثنائية، لأنها لا تبدو مجرد اختلاف في الرأي حول ترتيب الانتخابات، بل تحمل في طياتها رسائل سياسية تتجاوز ظاهر الكلمات إلى صلب معركة الخلافة نفسها. فالرجوب، وإن تجنب توجيه انتقاد مباشر للرئيس محمود عباس، إلا أن مواقفه الأخيرة يمكن قراءتها باعتبارها اعتراضاً على مسارين يعتقد كثيرون أنهما يتبلوران داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس. المسار الأول يتعلق بما يتردد على نطاق واسع عن وجود ترتيبات تهدف إلى تمكين ياسر عباس من لعب دور قيادي بارزبعد غياب والده عن المشهد. صحيح أن الرئيس أو مكتبه لم يعلنا أي مشروع من هذا القبيل، ولا توجد وثيقة رسمية تثبت ذلك، إلا أن كثرة المؤشرات والتعيينات والعلاقات المتشابكة داخل دوائر القرار دفعت قطاعاً واسعاً من النخب الفلسطينية إلى التعامل مع هذا الاحتمال بوصفه سيناريو مطروحاً، وليس مجرد تخمين او شائعة عابرة.

أما المسار الثاني، فيتعلق بترتيب الاستحقاقات الانتخابية. فالرجوب يدعو إلى إجراء الانتخابات الرئاسية أولاً، بينما أن الرئيس عباس قرر إجراء الانتخابات التشريعية أولا. وهذا ليس خلافاً إجرائياً بسيطاً، بل يعكس رؤيتين مختلفتين لطبيعة المرحلة المقبلة.

فإذا جرت الانتخابات التشريعية أولاً، فإن الرئيس عباس قد يدخل المرحلة التالية وهو مستند إلى مجلس تشريعي جديد يُتوقع أن يحظى فيه أنصاره وحلفاؤه بحضور وازن، خاصة إذا جاءت الانتخابات وفق ترتيبات تضمن لحركة فتح "الرسمية الحالية" على كتلتها الرئيسية. ويضاف إلى ذلك أن مؤسسات حركة فتح ومنظمة التحرير أعيد تشكيلها خلال السنوات الأخيرة بطريقة عززت نفوذ الرئيس، وهو ما يمنح أي مرشح تدعمه هذه المؤسسات أفضلية سياسية وتنظيمية كبيرة.

أما إذا بدأت العملية بالانتخابات الرئاسية، فإن قواعد اللعبة تتغير بالكامل، لأن المنافسة ستصبح مباشرة بين الأشخاص، وستكون شعبية المرشحين وقدرتهم على استقطاب الشارع الفتحاوي والفلسطيني هي العامل الحاسم، بعيداً نسبياً عن موازين القوى داخل الأطر التنظيمية. ومن هنا تبدو دعوة الرجوب إلى تقديم الانتخابات الرئاسية بمثابة تحدٍ واضح للترتيب الذي يعتقد أنه يخدم مشروعاً سياسياً معيناً، وفي الوقت نفسه تمنحه فرصة للدخول مبكراً إلى السباق الرئاسي.

والواقع أن تصريحات الرجوب يمكن فهمها على أنها حملة انتخابية غير معلنة بدأت بالفعل داخل حركة فتح. فمن الواضح أن الرجل يسعى إلى مخاطبة القاعدة التنظيمية للحركة. فهو يدرك أن حالة التململ داخل قطاعات واسعة من كوادر فتح لم تعد سراً، وأن كثيرين يشعرون بأن الحركة فقدت جزءاً كبيراً من دورها التاريخي لصالح دائرة ضيقة تحتكر القرار.

ولذلك يحاول الرجوب تقديم نفسه باعتباره صوتاً معترضاً من داخل المؤسسة، لا من خارجها. فهو لا يهاجم الحركة، بل ينتقد طريقة إدارتها، ولا يعلن تمرده على الرئيس، لكنه يبعث برسائل واضحة بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قيادة مختلفة وإلى آليات مختلفة في إدارة النظام السياسي. هذه المقاربة تمنحه فرصة لاستقطاب قطاع واسع من كوادر الحركة الذين يفضلون التغيير دون الانشقاق، والإصلاح دون هدم المؤسسة التي ينتمون إليها.
ومن اللافت أن المشهد الحالي يكشف عن تقاطع مصالح مؤقت بين جبريل الرجوب وحسين الشيخ، رغم أن طموحات الرجلين تتجه في النهاية نحو الموقع ذاته. فالسياسة كثيراً ما تصنع تحالفات مرحلية بين خصوم الأمس، إذا كان أمامهم خصم مشترك. وفي حال صحّت التقديرات التي تتحدث عن وجود مشروع لتمكين ياسر عباس من خلافة والده، فقد يجد الرجوب والشيخ نفسيهما في خندق واحد لإحباط هذا السيناريو، ليس حباً بأحدهما للآخر، بل لأن كلاً منهما يرى نفسه الأحق بقيادة المرحلة المقبلة.

غير أن هذا التقاطع لن يدوم طويلاً. فإذا انتهى العامل الذي جمعهما، أو تراجع احتمال انتقال القيادة إلى ياسر عباس، فإن المنافسة ستتحول سريعاً إلى مواجهة مباشرة بين الرجلين، لأن كلاً منهما يمتلك قاعدة نفوذ مختلفة، ولكل منهما داعمون داخل المؤسسات الفلسطينية والإقليمية.
وقد تكون تلك المعركة أكثر شراسة من أي صراع سبقها داخل حركة فتح، لأنها لن تكون مجرد تنافس على منصب، بل على شكل النظام السياسي الفلسطيني كله، وعلى هوية القيادة التي ستقود الحركة والمنظمة والسلطة في مرحلة شديدة التعقيد.

وفي المقابل، لا يمكن استبعاد أن يلجأ الرئيس عباس إلى خيارات غير تقليدية إذا شعر بأن ترتيبات الخلافة التي يرغب بها تواجه عقبات جدية. ومن بين السيناريوهات التي يتم تداولها من مراقبين أن يصدر الرئيس، وهو لا يزال على رأس مهامه، قراراً باعتزال العمل السياسي وتسليم المسؤولية بصورة منظمة إلى شخصية يختارها.

وفي هذا السياق، يذهب بعضهم إلى احتمال أن يكون ياسر عباس هو المستفيد من مثل هذه الخطوة. لكن ينبغي التأكيد أن هذا يبقى مجرد سيناريو تحليلي، وليس معلومات مؤكدة أو خطة معلنة، كما أن تنفيذه سيصطدم بتعقيدات قانونية وسياسية وتنظيمية كبيرة، فضلاً عن احتمال معارضة واسعة داخل حركة فتح نفسها وخارجها. إلى جانب ذلك، فإن رئاسة السلطة الفلسطينية، ورئاسة حركة فتح، ورئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ليست مناصب متطابقة من الناحية القانونية والتنظيمية، ولكل منها آلياتها الخاصة، الأمر الذي يجعل انتقالها جميعاً إلى شخص واحد بقرار منفرد مسألة شديدة التعقيد.

لكن مجرد تداول مثل هذه السيناريوهات يعكس حجم أزمة الثقة التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني، ويكشف أن غياب آلية مؤسسية واضحة لتداول السلطة فتح الباب أمام عشرات التأويلات والتوقعات.

ومن المفترض أن تكون الانتخابات الدورية هي الوسيلة الطبيعية لحسم مثل هذه القضايا، إلا أن تعطيل الحياة الديمقراطية في فلسطين لأكثر من عشرين عاما جعل معركة الخلافة تنتقل من صناديق الاقتراع إلى دهاليز التنظيمات والغرف المغلقة.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو تصريحات جبريل الرجوب أكثر من مجرد تصريحات إعلامية؛ إنها إعلان مبكرعن بدء مرحلة جديدة داخل حركة فتح. مرحلة لن يكون عنوانها الرئيسي الخلاف مع الاحتلال، بل الصراع على من يقود الحركة والسلطة والمنظمة بعد انتهاء حقبة محمود عباس. ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع حركة فتح إدارة هذا التنافس ضمن قواعد مؤسسية تحفظ وحدتها، أم أن معركة الخلافة ستتحول إلى صراع مفتوح يعيد رسم الخريطة السياسية الفلسطينية بأكملها؟