2026-07-25 06:53 م

التعاقب القيادي في "حماس"... صمودٌ أم منعطفٌ بنيوي؟

2026-07-24

بقلم: اسامة ابو ارشيد

أعلنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في 20 يوليو/ تموز الجاري انتخاب خليل الحيّة رئيساً لمكتبها السياسي خلفاً ليحيى السنوار الذي اغتالته إسرائيل في أكتوبر/ تشرين الأول 2024 في قطاع غزّة. الحيّة هو ثالث رئيس للمكتب السياسي للحركة في غضون عامَين فقط بفعل الاغتيالات الإسرائيلية، فقد سبقه السنوار، وقبله إسماعيل هنيّة الذي اغتالته إسرائيل هو الآخر في 31 يوليو 2024 في طهران. لا شكَّ أنّ التجدّد والتعاقب القيادي في "حماس"، في خضمّ حرب إبادة إسرائيلية يتعرّض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة، وحرب استئصال تتعرّض لها الحركة في أعقاب "طوفان الأقصى"، يؤشّران إلى قدرة "حماس" على الصمود والتكيّف والتعافي، خصوصاً أنّنا نتحدّث عن حركة تعمل إسرائيل بمنهجية ووحشية لتفريغها من قادتها السياسيين والعسكريين والأمنيين والجماهيريين، وهو الأمر الذي نجحت فيه إلى حدٍّ كبير.

ظاهرة القدرة على الصمود والتكيّف والتعافي ليست جديدة على "حماس"، وليست محصورة في الأعوام الثلاثة الماضية. فمنذ انطلاقتها أواخر عام 1987 عملت إسرائيل في تقويض الحركة التي انخرطت في الانتفاضة الفلسطينية بصورة فعّالة حينها وأعطتها زخماً كبيراً. لم تتوقّف المحاولات الإسرائيلية عند حدود الاعتقال والإبعاد واغتيال قادة الحركة ونشطائها، بل عملت كذلك لهندسة علاقة أمنية فعّالة مع السلطة الفلسطينية الناشئة عام 1994 بموجب اتفاق أوسلو (1993) لسحق "حماس" أو لضرب فاعليتها أو حتّى لتغيير طبيعتها المقاومة، إلّا أنّ تلك المحاولات كلّها فشلت. ومع انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000 عادت "حماس" أكثر قوّةً وفاعلية وأثراً. وعلى الرغم من الاعتقالات والاغتيالات المتتالية التي طاولت الحركة التي لم توفّر رأس هرمها القيادي ومؤسّسها وزعيمها الروحي الشيخ أحمد ياسين، وخليفته عبد العزيز الرنتيسي، واللذَين اغتالتهما إسرائيل في عام 2004، وقبلهما الشيخ صلاح شحادة زعيم جناحها العسكري (كتائب الشهيد عزّ الدين القسام) الذي اغتيل في عام 2002، وقبل ذلك، في 2001، اغتيل قيادياها البارزان في الضفّة الغربية جمال منصور وجمال سليم، إلّا أنّ "حماس" بقيت تزداد قوّةً وتجدّد قياداتها عبر تعاقب جيلي ضمن لها مزيداً من الشبابية والحيوية. وكل هذه الأسماء غيض من فيض في مسيرة قيادات "حماس" المستهدَفة اعتقالاً وإبعاداً واغتيالاً.

هذه القدرة الهائلة على تجديد الدماء والقدرة على التعافي التي أبانت عنها الحركة على مدى العقود الأربعة من عمرها تقريباً دفعت قادة استخباريين إسرائيليين إلى وصفها بـ"أفعى الهيدرا"، وهذه كائن أسطوري من الميثولوجيا الإغريقية، يُصوَّر عادةً أفعى أو وحشاً مائياً متعدّد الرؤوس، كلّما قُطع رأسٌ، نبت في مكانه رأسان، في رمزٍ للقوّة المتجدّدة أو الخطر المتكاثر. وإذا كان ثمّة شاهد في السنوات الثلاث الماضية فهو توكيد للتقدير الاستخباري الإسرائيلي السابق. ثلاثة رؤساء للمكتب السياسي للحركة تعاقبوا على قيادتها في عامَين بفعل الاغتيالات، وأربعة رؤساء لهيئة أركانها خلال المدّة نفسها، وآلاف الشهداء والمعتقلين في صفوفها، ولا تزال الحركة صامدةً، من دون إنكار أنّها أُنهكت وأُضعفت إلى حدٍّ كبير، خصوصاً في ظلّ تدمير حاضنتها الشعبية في قطاع غزّة، واستمرار استهداف وجودها في الضفّة الغربية، وملاحقتها خارج فلسطين المحتلّة.

هذه الحقيقة هي ما سيجد خليل الحيّة، قائداً جديداً لحركة حماس، نفسه أمامها، خصوصاً أنّه مستهدَف بالاغتيال، بعد أن فشلت محاولة إسرائيلية سابقة لاغتياله في سبتمبر/ أيلول 2025 في الدوحة. لكنّ تحديات الحيّة لن تقف عند ذلك الحدّ، إذ تواجه "حماس" اليوم تحدّيات من نوع جديد ومختلف، يمسّ جوهرها وكنهها وتماسكها الداخلي. في العقود الأربعة السابقة، كانت مقاومة "حماس" وتضحياتها تترجم مكاسبَ سياسيةً وشعبيةً، وهو ما تجلّى في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006 التي فازت فيها الحركة بشكل ساحق، أهّلها لتشكيل الحكومة الفلسطينية. لن نخوض هنا فيما تلا ذلك وما ترتّب عليه، فهذا موضوع آخر. ما يعنينا هنا أنّه منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزّة عقب صدامات مع أجهزة أمن السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حركة فتح التي رفضت الاعتراف بنتائج الانتخابات التشريعية، وما أعقب ذلك من حصار إسرائيلي وحشي، شاركت فيه أطراف عربية ودولية، على القطاع، أسهمت فيه السلطة الفلسطينية، وجدت "حماس" نفسها مثقلةً بإدارة قطاع غزّة وتدبير الشؤون المعيشية لأكثر من مليونَين من سكّانه. ورغم هذا، حافظت الحركة تحت قيادة رئيس المكتب السياسي السابق خالد مشعل على توازن صعب ومعقّد بين احتياجات القطاع والهُويّة الوطنية للحركة.

بدا الأمر يتغيّر منذ عام 2017 مع انتخاب هنيّة رئيساً للمكتب السياسي وتنامي دور يحيى السنوار الذي أُفرج عنه في صفقة "وفاء الأحرار" عام 2011 بين "حماس" وإسرائيل. السنوار بشخصيته الكاريزمية، وتاريخه النضالي الطويل، وكفاءته الإدارية، وقدراته القيادية، تمكّن من نقل مركز الثقل، الذي كان موزّعاً في الحركة بين قطاع غزّة والضفّة الغربية والخارج والسجون، إلى القطاع تحديداً. بل إنّه صدّر كثيرين من كوادر القطاع إلى الخارج، والذين دخلوا في منافسات مع كوادر "حماس" على مفاصل القرار وقيادة المؤسّسات. ليس هذا فحسب، إذ مضى تيار هنية - السنوار في تعميق العلاقة مع إيران وحزب الله، بوصفهما داعمَين للمقاومة، لكنّهما مضيا بعيداً في هذا الاتجاه، إلى الحدّ الذي أصبح فيه لإيران دور ضمني وغير مباشر، عبر المال والسلاح، كما تُظهر وثائق كثيرة كُشفت في العامَين الماضيَين، في تحديد الأدوار القيادية في الحركة، وتحديداً لناحية محاولات تحجيم (وتحييد) دور خالد مشعل الذي تتهمه إيران وحزب الله بأنّه وراء اتخاذ قرار الخروج من سورية تحت قيادة بشّار الأسد عام 2012، على خلفية الجرائم التي كان يرتكبها الأخير بحقّ الشعب السوري. ولعلّ الانتخابات التي جاءت أخيراً بالحيّة خير دليل على العامل الإيراني، إذ شهدت الفترة التي أعقبت اغتيال السنوار حملة شعواء شنّتها حسابات مجهولة تثور شكوك حول ارتباطها بقيادات غزّاوية في "حماس" ضدّ مشعل وعائلته وتيّاره في الحركة. ولذلك، لم تتمكّن الحركة من حسم انتخاباتها في مايو/ أيار الماضي على خلفية الاستقطاب الشديد في صفوفها، خصوصاً في ظلّ شكاوى من تدخّلاتٍ في تعيين بدلاء للقياديين الذين اغتيلوا في قطاع غزّة.

ما سبق جزء يسير من بيئة متغيّرة تواجهها "حماس"، في ضوء حرب استئصال وحشية تستهدفها، ومحاولات إقليمية ودولية لتفكيكها، وفوق ذلك خلافات داخلية تعصف بها، ومرارات قائمة على خلفية شعور أطراف فيها بمحاولات تهميشهم واستبعادهم. في الماضي كانت التضحيات والمقاومة هما بوابة الشرعية الشعبية لحركة "حماس" وغيرها من الفصائل الفلسطينية، لكن في أعقاب "طوفان الأقصى" أصبحت التضحيات والمقاومة هي طريق الشرعية في "حماس" نفسها. هذا ما دفع الحيّة، أبا الشهداء الأربعة، زعيماً لـ"حماس" بفارق صوت عن مشعل (35 – 34). وباسم التضحيات والمقاومة والرمزية والترميز لا يجرؤ أحد على مراجعة مسار القيادة الغزاوية لحركة حماس منذ عام 2017، وتحديداً منذ "طوفان الأقصى". ولا يستبعَد أنّه باسم التضحيات ذاتها، والمقاومة، قد تبدأ "حماس" بالتفكّك مستقبلاً بذريعة التطهير الداخلي في صفوفها. قد يستبعد بعضهم هذا، لكنّ تجربة الحركة الأمّ (الإخوان المسلمين)، في مصر والأردن، ينبغي ألّا تغيب من ذهن صانع القرار في "حماس". والأهمّ أنّ القيادة الجديدة للحركة مطالبة بأن تجد ذلك التوازن الصعب والمعقّد، بين واقع غزّة الكارثي والمشروع الوطني الفلسطيني الذي اختزلته حركة فتح في أوهام "أوسلو" وفتات ما تبقّى من فلسطين التاريخية، واستغراق "حماس" أكثر من عقد في قطاع غزّة الذي له حقٌّ على الكلّ الفلسطيني. صحيح أنّ الأمانة والموضوعية تقتضيان هنا أن نُذكّر بأنّه تحت قيادة هنية – السنوار، اتخذت "حماس" قرار الانتصار للأقصى في وجه الاعتداءات الإسرائيلية عليه عام 2021 في معركة سيف القدس. لكنّ، الأمانة والموضوعية أيضاً تحتّمان علينا أن نقول إنّ "حماس" في حاجة إلى مراجعة خطابها الوطني الجمعي الذي يحتلّ قطاع غزّة موقع القلب منه، ولكنّه ليس محصوراً فيه.

العربي الجديد