2026-07-25 05:44 م

حرب بلا حسم

2026-07-24

بقلم: صابر غل عنبري

في قراءة المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يكفي التوقف عند الأخبار اليومية المتسارعة، على أهميتها، ولا عند التحليلات المتقلبة التي تتبدل من يوم إلى آخر. فهذه المتابعة، وإن كانت ضرورية لفهم التفاصيل، لا تصلح وحدها لبناء تقدير دقيق للمشهد. الأجدى هو النظر إلى المسار العام للصراع، وإلى الاتجاه الذي يتحرك نحوه، لأن المفاوضات، والهدن الهشة، ومذكرات التفاهم المحدودة، لا تمثل بالضرورة تحولاً حقيقياً في طبيعة نزاع كهذا بعد بلوغ مرحلته المفصلية المحكومة بمنطق "إما أنا أو أنت". وما جرى أخيراً يؤكد أن مثل هذه التفاهمات لم تكن سوى محطات مؤقتة، ولا مؤشرات حاسمة على انحسار النزاع أو انتقاله إلى تهدئة مستقرة.

ومن هنا، يبدو الحديث المتكرر عن احتمال اندلاع حرب جديدة وتوقيته في غير محله، لأن الحرب في الواقع قائمة بالفعل بإيقاع خاص وأدوات مضبوطة، عبر مواجهات ليلية محدودة محسوبة، تتصاعد حيناً وتهدأ حيناً آخر. بالتالي، لا تكمن المشكلة في تقدير ما إذا كانت الحرب ستبدأ، بل في فهم أسباب استمرارها وعدم انتهائها، رغم مرور خمسة أشهر على اندلاعها،  ومتى تتوقف وكيف؟

ويعود هذا الاستمرار إلى أن الأطراف المنخرطة فيها لم تبلغ بعد نقطة توازن قوى جديدة تفرض وقف الحرب. وهذه النقطة تحديداً ستشكّل الحد الفاصل بين نظام إقليمي قديم آخذ في التآكل، ونظام جديد يتكوّن تحت ضغط الميدان. ولهذا السبب تحديداً تبدو الحرب مرشحة للاستمرار، لأن أي طرف لم يتمكن أيضاً حتى الآن من فرض انتصار وهزيمة حاسمَين على الطرف الآخر.

ولو كانت هذه المواجهة قابلة للحسم عبر تفاهمات محدودة، لكانت واشنطن قد وجدت في مذكرة التفاهم الأخيرة فرصة مناسبة للخروج من المأزق، أو على الأقل لتجميد التصعيد. لكن بعدها سرعان ما عادت الضربات. وكما أظهرت تجربة الشهور الماضية فإن فشل الحرب في تحقيق أهدافها السريعة لم يؤد إلى وقفها، بل دفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تعديل مقاربتهما، والانتقال تدريجياً إلى مرحلة حرب استنزاف ممتدة لدفع إيران من داخلها إلى حالة الانهيار.

ومع استمرار هذا المشهد، تتواصل التهديدات والتحذيرات المتبادلة، إلا أن قيمتها تتراجع كلما تحول الفعل العسكري إلى واقع يومي. فالتهديد يُفترض أن يمنع الفعل قبل وقوعه. أما حين تصبح الحرب قائمة بالفعل، فإن الذي يحدد المعادلة لم يعد الخطاب، بل الميدان. لذلك، لم تعد الكلمات وحدها قادرة على تغيير شيء، ما لم تسندها تحولات فعلية في ميزان القوة على الأرض.

عن "العربي الجديد"