2026-06-05 06:42 ص

كوابيس ترامب ونتنياهو الانتخابية

2026-06-03

بقلم: عادل الجبوري
من المقرر أن يشهد العام الحالي، وتحديدًا في مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة الأميركية، والتي تشمل انتخاب أعضاء جدد لمجلس النواب، البالغ عددهم 435 نائبًا، وأربعة وثلاثين عضوًا لمجلس الشيوخ من مجموع مائة عضو، إضافة إلى انتخاب حكّام لثلاث وثلاثين ولاية، إلى جانب انتخاب أعضاء جدد للعديد من المجالس التشريعية المحلية للولايات.

كما سيشهد العام الحالي أيضًا، في السابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر المقبل، أي قبل الانتخابات الأميركية بأيام قليلة، انتخابات أخرى في إسرائيل لاختيار أعضاء الكنيست السادس والعشرين، المؤلف من مائة وعشرين نائبًا.

تجري كلتا العمليتين الانتخابيتين في ظل ظروف وأوضاع سياسية وأمنية واقتصادية حرجة، وفي خضم تحديات صعبة وخطيرة للغاية، جراء تداعيات وانعكاسات الحرب التي شنتها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي. وكان الهدف الأساسي والمحوري منها الإطاحة بالنظام الحاكم في طهران خلال أيام أو أسابيع قليلة، وتنصيب نظام جديد يتماهى مع المصالح الأميركية والإسرائيلية، بعد تدمير القدرات النووية والصاروخية الإيرانية. غير أن ذلك لم يتحقق بعد مرور أربعين يومًا، إذ لم يسقط النظام الإيراني، ولم يثر الشعب الإيراني، ولم تعم الفوضى شوارع المدن الإيرانية، ولم ينتهِ البرنامج النووي، ولم تُدمَّر القدرات الصاروخية. بل إن إيران نجحت في إقحام واشنطن وتل أبيب في حرب استنزاف، بدا أنها مستعدة لتحمل تبعاتها حتى وإن طالت وامتدت لبضعة شهور، خصوصًا بعدما أحدثت طائراتها المسيّرة وصواريخها الباليستية دمارًا هائلًا داخل إسرائيل، وفي القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة.

ترامب ونتنياهو يواجهان كوابيس انتخابية متفاقمة مع تراجع الشعبية وتصاعد الانتقادات لتتحول الحرب على إيران إلى لعنة سياسية تهدد مستقبل سلطتهما ونفوذهما

وبدلًا من هدف إسقاط النظام الإيراني، بات الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث عن فتح مضيق هرمز، ويتوسل، بلغة التهديد، الإيرانيين للجلوس على طاولة التفاوض. وفي الوقت نفسه، راحت حملات الانتقادات الحادة واللاذعة له تتسع وتزداد داخل أوساط الكونغرس ووسائل الإعلام والشارع الأميركي، وحتى من بعض الحلفاء وكبار المسؤولين في إدارته، وليس من الخصوم فحسب. وخلال الشهرين الماضيين، استقال أو أُقيل عدد لا بأس به من كبار الشخصيات المدنية والعسكرية الأميركية، ارتباطًا بمواقفهم المعارضة والرافضة لشن الحرب ومواصلتها بلا رؤية أو خطة واضحة لإنهائها.

لا شك أن مشكلة الرئيس ترامب مع الداخل الأميركي أكبر بكثير من مشكلته مع حلفائه الأوروبيين المنضوين تحت مظلة حلف الناتو، وأكبر من مشكلته الاقتصادية مع الصين، وأكبر أيضًا من مشكلته مع روسيا الرافضة بشدة إنهاء حربها مع أوكرانيا إلا بهزيمة الأخيرة واستسلامها.

الداخل الأميركي، بكل عناوينه ومسمياته، هو من سيقرر ويحدد مخرجات انتخابات التجديد النصفي. وهذا الداخل بات يعاني بوضوح من تبعات الحرب وتداعياتها الاقتصادية على حياته اليومية، إذ تضاعفت أسعار الوقود في مختلف الولايات الأميركية الخمسين، ومعها السلع الغذائية والخدمات الأساسية، في ظل شعور مؤلم لدى معظم الأميركيين بأن أموال الضرائب التي دفعوها وتُدفع لم تُوظف لتحسين حياتهم، وإنما ذهبت إلى حرب عبثية بعيدة عنهم كثيرًا.

وتؤكد العديد من استطلاعات الرأي انخفاض شعبية ترامب إلى حد كبير، وكذلك تراجع نسبة التأييد للحزب الجمهوري، في مقابل صعود وتنامي حظوظ منافسه وخصمه اللدود، الحزب الديمقراطي، وكل ذلك بسبب حرب إيران. وفي هذا السياق، يشير استطلاع للرأي أجرته وكالة رويترز منتصف شهر نيسان/أبريل الماضي إلى أن “الزيادات في الأسعار تثقل كاهل الأسر الأميركية، وتؤجج مخاوف الجمهوريين المؤيدين لترامب من احتمال خسارتهم السيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل”. وتوضح أرقام الاستطلاع أن 41% من الجمهوريين غير راضين عن تعامل ترامب مع كلفة المعيشة، فيما أعرب الناخبون المستقلون، وهم المجموعة الحاسمة في الانتخابات، عن تأييدهم للحزب الديمقراطي بنسبة 34% مقابل 20% للحزب الجمهوري.

لعنة الحرب على إيران باتت تلاحق ترامب ونتنياهو، وربما لن تتركهما حتى بعد أن يفقدا السلطة والنفوذ، وتنقلب عليهما الموازين

وتتفاقم مشكلة ترامب، ويزداد كابوس الانتخابات وطأة عليه، كلما اقترب موعد إجرائها بعد حوالي ستة أشهر، وكلما طالت الأزمة مع إيران وبقيت الملفات مفتوحة دون حسم. ولعل النقاشات المحتدمة وجلسات الاستماع في الكونغرس لعدد من كبار مسؤولي الإدارة الأميركية، وأبرزهم وزير الدفاع بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، التي شهدت انتقادات غير مسبوقة لترامب وفريقه، ووصل الأمر إلى مهاترات وسجالات تضمنت شتائم وإهانات مخزية، تؤشر إلى عمق الأزمة وخطورتها على الحزب الجمهوري خصوصًا، وعلى الأميركيين بشكل عام.

وفي الجانب الآخر، لا يبدو رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أفضل حالًا من صديقه وحليفه ترامب، إذ راحت كوابيس الانتخابات تقض مضاجعه هو الآخر، بعدما تبددت آماله بالقضاء على النظام الإيراني وحزب الله اللبناني. فمع استمرار هجمات حزب الله والخسائر البشرية والمادية في صفوف الجيش الإسرائيلي، واضطراب أوضاع المستوطنات في شمال الأراضي المحتلة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، والحملات المتواصلة ضده من قبل خصومه، إضافة إلى الملاحقات القضائية المرتبطة بملفات فساد وسوء استغلال السلطة، تبدو فرص حزبه، تكتل الليكود اليميني المتطرف، ضئيلة في انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر المقبل. وفي حال خسر هذه الانتخابات، وهو المتوقع، فإن ذلك يعني مغادرته السلطة، ورفع الحواجز التي تمنع إصدار الأحكام القضائية عليه، لينتهي مصيره إلى السجن.

وكما يردد بعض الساسة والمفكرين وأصحاب الرأي في واشنطن وتل أبيب، فإن لعنة الحرب على إيران باتت تلاحق ترامب ونتنياهو، وربما لن تتركهما حتى بعد أن يفقدا السلطة والنفوذ، وتنقلب عليهما الموازين.

هكذا هي الكوابيس الانتخابية، تنذر بالنهايات السيئة مبكرًا.