بقلم: حلمي موسى
دخلت إسرائيل الرسمية دوامة الصراع الانتخابي بقوة كبيرة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية استناداً إلى حصيلة ما جرى في الأعوام الأخيرة من محاولة للانقلاب الدستوري ومن حروب متواصلة. ويبدو واضحاً أن قوة الصراع تدفع حتى الأطراف المتناقضة إلى توحيد قواها للتأثير على نتائج الانتخابات التي على الأغلب سوف تجري ليس أبعد من ستة شهور من الآن، سواء بسبب الموجبات القانونية أم بسبب وجوب إنهاء الوضع القائم.
في المقابل تندثر قوىً كانت حتى وقت قريب تملك أملاً بأن تقود التغيير في الدولة العبرية، لكنها تتراجع من دون أن تترك أثراً. فالصراع في جوهره، وبالرغم من تعدد أطرافه، هو بين أنصار إسبرطة التقليدية الطامحين للتدرج في انتهاز الفرص الإقليمية والدولية، وبين أنصار إسبرطة العظمى الذين يعتقدون بقدرة إسرائيل على فرض نفسها، كما تريد، على المحيط والعالم
ومع ذلك من الواضح أن الصراع الانتخابي يجري على أرضية خوف شديد من مآل الأمور بحيث يراها جميع الأطراف مسألة مصيرية. فهناك من يعتقد أن المعركة الانتخابية تتجاوز البرامج السياسية والاقتصادية لتصب في خانة مستقبل وجود إسرائيل ذاتها، وهناك من يحصر الأمر في أبعاد تتعلق بصورة إسرائيل الديمقراطية أو الليبرالية أو حتى طابعها اليهودي. ومن أبرز تعابير الخوف من هذه الانتخابات، ما أعلنه وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، من أن فشلاً مثل 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أقل خطراً على إسرائيل من تشكيل حكومة تعتمد على دعم حزب عربي لائتلافها الحكومي، بل اعتبر تشكيل مثل هذه الحكومة أسوأ ألف مرة من فشل مثل 7 أكتوبر.
وإذا كان هذا التعبير صادماً للكثيرين في إسرائيل، فإنه في الوقت نفسه يعبر عن الحدة التي سوف تبرز في هذه الانتخابات والتي تُظهر مقدار الاستقطاب في مختلف الأوساط. فاليمين الذي قاده نتنياهو عمد إلى بناء قاعدة ائتلافية تستند إلى يمين قومي وديني مسيحاني ومعادي للمؤسساتية، ولا يتورع عن استخدام كل السبل لتكريس هيمنته السياسية والقانونية والإعلامية ولو عبر تعميق الانقسام. وهذا ما بدا في العداء للمؤسسة القانونية والمحكمة العليا ومحاولة تعديل قواعد عمل قيادات الجيش والشاباك والموساد والشرطة وأجهزة الرقابة. ويضم هذ اليمين بشكل واضح ائتلاف نتنياهو الذي يحوي إلى جانب "الليكود" والحريديم و"شاس" كلا من "الصهيونية الدينية" بزعامة سموتريتش و"القوة اليهودية" العنصري الفظ بزعامة إيتمار بن غفير.
في المقابل، هناك ما يمكن تسميته باليمين الأقل حدة، والذي إما يتسم بطابع أقل دينية أو أكثر ليبرالية أو أشد حساسية للمواقف الدولية. وهذا اليمين يشكل حالياً القوة المركزية في مواجهة اليمين المسيحاني في الصراع على السلطة ويحاول توحيد قواه في مواجهة الأول. وثمة عنوان واضح لهذا الصراع وهو رئاسة نتنياهو للحكومة، حيث يرى "اليمين الرخو" أن التغيير ممكن بإبعاد نتنياهو عن الحكم. ويلتقي هذا اليمين في توجهه هذا مع بقايا اليسار الإسرائيلي الذي بات محصوراً في حزب "الديمقراطيين" بزعامة الجنرال يائير غولان. ورغم أن بعض مكونات هذا اليمين تعتبر نفسها من تيار الوسط، أمثال يائير لبيد وحزبه، إلا أن تركيبة هؤلاء يمينية بامتياز. وهذا ما ظهر بوضوح في خضوع لبيد لقيادة نفتالي بينيت اليمينية في اتحاد حزبيهما تحت اسم "سوياً". ويضم معسكر "اليمين الرخو" أيضاً، حزبي "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان، و"يشار" بزعامة الجنرال غادي آيزنكوت.
تفكيك واتحاد
تشهد الحلبة السياسية الإسرائيلية في ظل الصراع الانتخابي، عمليات تفكيك وتركيب قوية، كان أبرزها إعلان بينيت ولبيد عن توحيد حزبيهما في قائمة واحدة. وكانا يعتقدان أن ذلك سيجرّ على الفور قبولاً من آيزنكوت وحزبه للانضمام إليهما، وأن ذلك سيشكل دافعاً حتى لأفيغدور ليبرمان للانضمام أيضاً. غير أن ذلك لم يحدث، على الأقل حتى الآن، وربما لن يحدث. إذ يجري ليبرمان وآيزنكوت اتصالات مكثفة من أجل تشكيل قائمة موحدة في مواجهة ائتلاف نتنياهو واتحاد بينيت ولبيد على حد سواء. وتستند هذه الاتصالات إلى استطلاعات للرأي ترى أن مثل هذا الاتحاد يجلب أصواتاً حتى من داخل معسكر أنصار الليكود.
وربما لهذا السبب وفي ظل خشية متزايدة على مستقبل "الليكود" تحت قيادة نتنياهو، تتكاثر المعلومات حول اتصالات مكثفة بين قيادات ليكودية قديمة وجديدة لإنشاء حزب جديد على شاكلة "الليكود" الأصلي قبل سيطرة نتنياهو عليه.
ويحاول من كانوا يُعرفون باسم "أبناء الأمراء" وهم أبناء المؤسسين الأوائل لحركة "حيروت"، الانقلاب على نتنياهو الذي جرّدهم من مكانتهم. وربما تكون هذه واحدة من الأزمات التي يواجهها نتنياهو في "الليكود"، خصوصاً بعد أن حاول بلورة قائمة الحزب على هواه وبعيداً عن نتائج الانتخابات التمهيدية.
وقد أشارت صحيفة "معاريف" إلى صراع كبير داخل "الليكود" إثر إصرار نتنياهو على حجز عشرة مقاعد متقدمة لمقربيه في قائمة الحزب لانتخابات الكنيست المقبلة. وكشفت أن نتنياهو هدّد بالذهاب نحو خطوة دراماتيكية تتمثل في خوض الانتخابات ضمن حزب جديد إذا لم تتم الموافقة على حجز المقاعد. وكشف استطلاع نشرته "معاريف"، أن إنشاء نتنياهو لحزب جديد لا يضمن له نجاح كبير حيث لن يتجاوز حزبه الفوز بعشرين مقعداً على حساب "الليكود"، كما أن "الليكود" من دون نتنياهو سوف يخسر بشكل كبير.
عموماً، هذه ليست ظواهر التوحيد والتفكيك الوحيدة في الحلبة السياسية الإسرائيلية اليوم. إذ يتفكك أمام الجميع حزب "أزرق أبيض" بقيادة الجنرال بني غانتس الذي تُظهر الاستطلاعات قرب اختفائه. وبعد خروج آيزنكوت وأنصاره من هذا الحزب، يندفع باقي أعضاء الكنيست فيه إلى الهرب من السفينة الغارقة نحو الالتحاق بأحزاب أخرى. وعلى الرغم من أن غانتس لا يزال يعتقد أن بوسعه خوض الانتخابات، إلا أن استطلاعات الرأي لا تترك له فرصة، خصوصاّ أن كثيرين يحملونه مسؤولية الفشل في وقف نتنياهو واليمين المتطرف عن جرّ إسرائيل إلى ما هي عليه الآن.
ولا يمكن الحديث عن التفكيك والتوحيد من دون الإشارة إلى ظاهرتين في الوسط العربي. إذ لا تزال تجري الاتصالات المكثفة لخوض الانتخابات المقبلة بقائمة عربية موحدة. ويأمل أنصار هذه القائمة أن تشكل قوة رئيسية في مواجهة أنصار إسبرطة العظمى بحصول هذه القائمة على أكثر من 15 مقعداً، ما يجعل من الصعب على القوتين الرئيسيتين في الحلبة تجاهلها. ويراهن أنصار القائمة الموحدة على أن تشكيلها كفيل بحد ذاته بوأد آمال اليمين الأقصى في البقاء في الحكم. فاستطلاعات الرأي تبين أن الكتل المناهضة للائتلاف الحالي من دون العرب، لا تنال حتى الآن النصف زائد واحد، وهذا ما يعني أنه ليس بوسع هذه القائمة تشكيل ائتلاف حكومي بغير دعم ولو خفي من العرب. ومنذ الآن يرى بعض قادة القوائم العربية أن لا شيء أهم من تفكيك ائتلاف نتنياهو وإزاحة ثلاثي نتنياهو-سموتريتش- بن غفير عن سدة الحكم. ويضيف هؤلاء أن أي شيء حتى حكومة برئاسة ليبرمان، أفضل من الائتلاف الليكودي القائم.
كما برز في الوسط العربي ولأول مرة، سعي لتشكيل حزب درزي مستقل. وعلى الرغم من أن الدروز في إسرائيل غالباً ما كانوا ينخرطون في أحزاب صهيونية في الانتخابات، وقليلاً ما أيدوا القوائم العربية، إلا أن هذه الخطوة تثير تساؤلات لدى الأحزاب الأخرى. ويقود هذا الحزب الدرزي الجديد عسكري متقاعد من الجيش الإسرائيلي برتبة عقيد يدعى فادي سرحان والذي عمل منذ عامين على الأقل من أجل تشكيل هذا الحزب. وليس مؤكداً إن كان الحزب الدرزي يسعى للبقاء مستقلاً أو أنه مجرد وسيلة للضغط على قوائم أخرى صهيونية أو عربية للتحالف معها. فالتقديرات المتفائلة تمنح الحزب الدرزي مقعدين إلى مقعدين ونصف، وهذا لا يتيح له تخطي نسبة الحسم والفوز في الانتخابات. لذلك ليس مستبعداً أن يكون الإعلان عن الحزب الدرزي وسيلة للضغط على آخرين وربما على حزب "يشار" بقيادة آيزنكوت أكثر من غيره.
توترات كبيرة
لا يبدو أن الحرب، على أهمية أثرها، سواء في غزة أو لبنان أو إيران، هي ما يلعب الدور الحاسم في الانتخابات المقبلة، وهي ليست العنصر المقرر. فقد التف الجمهور الإسرائيلي بأغلبيته حول الحرب وأهميتها بالرغم من كل ما تركته من آثار داخل المجتمع الإسرائيلي. وواضح أن ما لا يرغب به الإسرائيليون هو الخضوع لنظرية "الحرب الدائمة" التي بلورها نتنياهو ضمن سعيه لـِ "إسبرطة العظمى"، ومحاولتهم العودة إلى نظرية "الحرب المتقطعة" التي تبناها قادة إسرائيل منذ إنشائها. وربما هذا ما يدفع السجال الداخلي إلى حده الأقصى ليس بين الأحزاب فقط وإنما داخلها كذلك.

