2026-06-06 12:23 ص

من رام اللّه إلى نابلس … حين يتغيّر معنى المكان

2026-04-17

بقلم: مروان طوباسي
 لم أكن أعلم يوم أمس أن الطريق بين رام اللّه ونابلس يمكن أن يتحول إلى دليل حي على أن “إسرائيل الكبرى” لم تعد مشروعاً ، بل واقعاً استعمارياً قسرياً متدحرجاً يُفرض علينا ونحن نسير على الأرض .

لم أشعر يوماً أن الطريق يمكن أن يُصادر ، حتى سرت فيه اليوم بعد غياب تجاوز اثني عشر عاماً حين كنت أعبر هذا الطريق بشكل شبه يومي في رحلتي من رام اللّه إلى طوباس ، حين كنت أخدم محافظاً لها وللأغوار الشمالية حتى عام ٢٠١٣ ، تلك المنطقة الواسعة من الوطن وسلته الغذائية المفترضة والتي كانت تشهد التهويد الاستيطاني المتسارع في غياب برامج تمكين وصمود نتحمل نحن مسؤوليتها رغم صراخ أهلها ، قبل أن أغادر إلى اليونان في مهمة أخرى كسفير .
يومها ، كنا نتوقف أحياناً بسبب نقاط تفتيش لقوات الاحتلال ، وأحياناً أخرى بسبب اشتباكات تؤكدها روح المقاومة الشعبية مع شبان كانوا يُصرّون على أن الأرض لنا ، فيواجهون بالحجارة وإشعال الإطارات . كان الاحتلال حاضراً ، لكنه لم يكن قد أبتلع الطريق وأتم حصارها ، وغابت عنها الاطارات والحجارة كأدوات إعاقة شعبية امام الاحتلال .

اليوم ، لم يتغير الطريق فقط ، بل تغيّر معناه . لم أعد أعرفه ، وكأنني أنا الغريب فيه .
أعلام إسرائيلية متلاصقة على امتداد الطريق من مخارج رام اللّه وعلى طول الطريق ، بين الواحد والآخر أمتار قليلة ، كأنها لا تكتفي بالإعلان بل تفرض ملكية قسرية للمكان . وعلى الجبال والتلال ، مستوطنات تتمدّد وتتصل حتى تبدو ككتلة واحدة تبتلع الجغرافيا وتعيد رسمها قهراً . ما كان وجوداً محدوداً ، أصبح شبكة متكاملة لا يفهمها إلا من يراها .
الأخطر أن أسماءنا تغيب ، لا إشارات تدل على القرى والمدن الفلسطينية ، بينما تحضر أسماء المستوطنات بكثافة ، في تكريس واضح لتزوير المكان والتاريخ . تتوقف لتسأل كأنك في أرض مجهولة ، بينما يقف المستوطن على مفترق الطريق ، بطمأنينة من يسرق الأرض وحرية الحركة معاً .

عند مدخل حوارة ، لم يكن الحاجز مجرد نقطة تفتيش ، بل بوابة صفراء مغلقة ، حداً فاصلاً بين من يملك القرار  بقوة السلاح ومن يُمنع عنه المرور . ساعة كاملة محتجزاً داخل سيارة أمتلكها ولا استطيع الخروج منها  ، لم تكن انتظاراً ، بل درساً مكثفاً في معنى السيطرة . جندي مستوطن أتى من مكان بعيد ، لا يتقن حتى لغتهم ، يتحكم بالمكان وبحركة الناس ، في صورة تختصر اختلال المعادلة ، صاحب الأرض مُقيّد ، والغريب السارق يُقرر ، واحيانا يطلق النار أعداما للأبرياء على الحواجز .
اضطررت للعودة وسلوك طرق فرعية طويلة بين القرى . هناك أدركت أن المسألة لم تعد حواجز فقط ، بل إعادة هندسة كاملة للجغرافيا والديموغرافيا معاً . طرق لنا تتخللها البوابات ويملكون مفاتيحها ، وطرق ممتدة لهم مفتوحة بلا عوائق . واقع يُفرض بصمت ، لكنه عميق الأثر .

في نابلس ، حيث كنت مدعواً للقاء مع مجموعة من الشباب المخلصين في انتمائهم ، لا يبحثون عن ولاءات بل عن طريق ورؤية حتى يروا الضوء في نهاية النفق ، قلت ما لم يعد يمكن تجاهله ، لم يعد الأمر مجرد شك بإمكانية قيام دولة فلسطينية على حدود ما قبل الرابع من حزيران ١٩٦٧ ، بل إدراك بأن ما يُفرض على الأرض يعيد تعريف الصراع نفسه . ما يجري لا يقود إلى دولتين ، بل إلى واقع دولة واحدة بنظام عنصري ، تُفرض فيه الهيمنة بالقوة وتُعاد صياغة المكان والإنسان بالإحلال .
ما نشهده ليس إجراءات أمنية ، ولا احتلالاً عسكرياً بالمعنى التقليدي ، بل مساراً استعمارياً عقائدياً ، يتجسد في التوسع الاستيطاني والضم ، والسيطرة على الطرق ، وخنق المدن والقرى . في المقابل ، ما زال جزء من المجتمع الدولي يتمسك لفظياً بحل الدولتين ، وكأنّه يتحدث عن واقع لم يعد قيامه متاحاً ، في مشهد يعكس ازدواجية المعايير وعجز الإرادة السياسية عن إنهاء الاحتلال أولاً .
ما رأيته في هذه الرحلة القصيرة بالزمن ، العميقة بالمعنى ، لم يكن مشهداً عابراً ، بل إنذاراً متأخراً .
فإن لم يُواجَه هذا الواقع بإرادة سياسية ورؤية وطنية جامعة وقادرة ، ترتبط ببرنامج سياسي مقاوم عقلاني ، فلن يبقى السؤال ، أين الدولة الفلسطينية ؟ بل سيصبح ، كيف خسرنا الأرض ونحن نسير فوقها ؟