2026-06-06 12:25 ص

المؤتمر الثامن بين استنهاض الحركة وسقوطها في فخ التكتلات

2026-04-14

بقلم: سامي ابراهيم فودة
  في المنعطفات الحاسمة من تاريخ الحركات الوطنية، لا تكون الأخطاء تفصيلًا عابرًا، بل تتحوّل إلى مفاصل تُحدّد مصيرها: إمّا نهوضٌ يعيدها إلى جوهرها، أو انزلاقٌ ناعم يقودها إلى التآكل البطيء. وحين نقترب من المؤتمر الحركي الثامن لحركة فتح، فإن السؤال لم يعد: من سيفوز؟ بل: أيّ فتح ستخرج من هذا المؤتمر؟ ما يجري اليوم في الكواليس، وتحت عناوين براقة من “الحوار” و”تبادل الرؤى”، ليس بريئًا كما يُسوّق له. نحن أمام إعادة إنتاج مُقنّعة لثقافة التكتل والاصطفاف، لكن بأدوات حديثة هذه المرة؛ منصّات رقمية مغلقة، دوائر انتقائية، ونقاشات مُفلترة تُدار بعقلية “من معنا ومن علينا”، لا بعقلية “ما هو الأصلح للحركة”. المشكلة هنا ليست تقنية… بل فكرية بامتياز. حين تتحوّل الوسيلة إلى أداة إقصاء، ويتحوّل النقاش إلى انتقاء، فإننا نكون أمام انحراف تنظيمي ناعم، أخطر من الصدامات العلنية، لأنه يتسلّل بهدوء، ويُعيد تشكيل الوعي على قاعدة مشوّهة: أن الطريق إلى القيادة يُبنى بالتحالفات، لا بالكفاءة؛ وبالتفاهمات المسبقة، لا بالتاريخ النضالي؛ وبالحضور داخل الدوائر المغلقة، لا في ميادين الفعل. وهنا يكمن الخطر الحقيقي… فتح التي وُلدت من رحم الجماهير، لا يمكن أن تُدار بعقلية النخبة الضيّقة. فتح التي كانت فضاءً وطنيًا مفتوحًا لكل الطاقات، لا يجوز أن تتحوّل إلى “نادي مغلق” تُحدَّد فيه الأدوار مسبقًا، وتُوزَّع فيه الفرص وفق ميزان القرب لا الجدارة. إن أخطر ما في هذه الحالة، أنها لا تكتفي بإنتاج قيادة ضعيفة، بل تُنتج وعيًا تنظيميًا مريضًا، يرى في الموقع غاية، لا وسيلة؛ وفي التنظيم سلّمًا للصعود، لا إطارًا للنضال. وعندها، لا تعود الأزمة أزمة أشخاص، بل أزمة بنية كاملة تعيد إنتاج نفسها، جيلًا بعد جيل. المؤتمر الحركي الثامن ليس صندوق اقتراع… بل محكمة تنظيمية مفتوحة. محكمة يجب أن يُستدعى إليها كل ما أصاب الحركة من خلل، من الترهل إلى التهميش، من تغييب القاعدة إلى تغييب القرار. وهو—إن لم يكن كذلك—فلن يكون أكثر من محطة شكلية تُضاف إلى سجل الفرص الضائعة. أما أولئك الذين يعتقدون أن بإمكانهم العبور إلى المواقع عبر بوابات التكتلات الناعمة، فعليهم أن يدركوا حقيقة بسيطة: القيادة التي تُصنع في الغرف المغلقة، تبقى أسيرة تلك الغرف، وعاجزة عن مواجهة الشارع. فتح اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الطامحين، بل إلى أصحاب مشروع. لا تحتاج إلى من يُجيد الحشد، بل إلى من يُجيد المواجهة. لا تحتاج إلى من يبحث عن موقع، بل إلى من يملك رؤية، ويجرؤ على دفع ثمنها. وفي ظل هذا الواقع، يقف المؤتمر الثامن على مفترق طرق حقيقي: إمّا أن يكون لحظة استنهاض تاريخي، تُستعاد فيها روح فتح الأولى—روح المبادرة، والتضحية، والانحياز الصادق للجماهير— وإمّا أن يتحوّل إلى إعلان غير مباشر عن دخول الحركة مرحلة جديدة من التآكل، حيث الشكل قائم… والمضمون يتآكل بصمت. ختامًا… ليست المشكلة في الأدوات، بل في العقول التي تديرها. وليست الأزمة في التنافس، بل في تحوّله إلى غاية بدل أن يكون وسيلة. فتح اليوم أمام اختبار قاسٍ… فإمّا أن تنتصر لنفسها، أو تُترك رهينة حساباتٍ صغيرة، لا تليق بتاريخها، ولا بحجم القضية التي وُلدت من أجلها. والتاريخ—كما الجماهير—لا ينتظر كثيرًا… ولا يغفر لمن أخطأ في لحظة الحقيقة.