2026-06-06 12:25 ص

بدون تخوين.. تقييم الموقف العربي بين مشروعي إيران و”إسرائيل..

2026-03-25

بقلم: فؤاد البطاينة
لم يُعجز ويعري غطرسة كيان الإحتلال وطبيعته في هذا العالم إلا الفلسطينيون، بطوفان الأقصى. كما لم يُعرِّ غطرسة أمريكا بجبروتها ويُعجزها ويكسر شوكتها ويُذلها وهي في أعلى درجات استعلائها سوى إيران.
هذا درس وعظة لدول العالم الكبرى والصغرى في مواجهة الظلم والإستكبار والإستعمار بالإرادة. ولكن ما يهمني أن يكون درساً وعظة لشعوب العرب والمسلمين وأنظمتهم. فهم المستضعفون والمغزوون والمنهوبون بلا مسوغ لأناس ما فرط كتابهم بشيء. بيع المبادئ والقيم والكرامة الوطنية وتقديم مقدرات شعوبهم راكعين قربانا لأمريكا ولليهود ولأي كائن كان، لا يفعلها ولا يبررها إلّا خائن وفاقد الأهلية، فهي فوق الذرائع ومع ذلك سقطت كلها وانكشف زيفها وعلى رأسها ذريعة إيران.
 ولا بد ابتداء من ذكر السياقات الطبيعية التي على هديها تُبنى أسس التعامل العربي في المنطقة مع إيران، في غياب حكم الجهالة أو وكلاء الصهيوني.
1 ـ كدولة جارة إسلامية عريقة في هذا الإقليم وصاحبة حضارة وتاريخ ضمن امبراطورية سبقت اليونان والرومان، أمنها واستقرارها ليس معزولاً عن أمننا واستقرارنا والعكس صحيح، ولا يصح ولا يُمكن استعداءها أو التفكير بالتحالف ضدها مع قوى خارجية.
2 ـ  أنها ومنذ عام 1978 تخلصت من الهيمنة الصهيو-غربية وانتهجت نظاماً إسلامياً وسياسة حرة في بناء نفسها ومشروعها. ومن الطبيعي أن تدخل في مواجهة مع الغرب الإستعماري وكيانهم الصهيوني في فلسطين بينما تعظم تحالف الدول العربية المجاور لها مع أمريكا والكيان، وزرعت أراضيها بالقواعد الأمريكية لأسباب ثبت زيفها. مما اضطر إيران لأخذ مواقع في المنطقة نفسها كبناء لمحور مقاومة.
3 ـ أنظمة العرب في المنطقة تعلم بأن أمريكا قفزت من طاولة المفاوضات وشنت بالشراكة مع الكيان حرباً عدوانية على إيران. وسمحت باستخدام قواعدهم العسكرية في دولها وشاركتهم عملياً في العدون في خطوة لم تفعلها الدول الأوروبية الحليفة لأمريكا ولا الناتو للآن. ومن سخف الكلام الطلب من إيران أن لا ترد على مصار النيران، ومن سقط الكلام إدانة ردها بالمثل عندما تستهدف المنشآت النفطية والنووية. ومن أعهر الكلام عندما تدعي أنظمة عربية ً بأن ايران تستهدفها بينما هي التي تستهدف شعوبها بأخذ دور الكيان في التصدي للمقذوفات العابرة إليه بدماء شعوبها..
الفكرة الأولى في المقال
 الأصل أن لا يضطر عربي للمقارنة والمفاضلة بين حق لابن أمته وطغيان عدوها. لكنه عصر الإنحطاط، وتاليا تقييم مجرد للموقف العربي من الصراع القائم بين إيران والطغمة الصهيونية من واقع خطورة ومصيرية الخيارات السياسية الخاطئة إزاء التهديدات الوجودية في الإقليم بمعزل عن الاتهام بالخيانة لأحد وعن الدين والقيم، وعن سطحية الطائفية ومفرزاتها الدامية، وعن الإبادة الجماعية والفظائع في غزة والتطهير العرقي في فلسطين واحتلالها مع مقدساتنا الذي يجعل الجهاد ضد الكيان فرض عين على كل مسلم. وأمامنا في هذا الصورة المحكي بها رسميا ومن قبل القلة من أصحاب الغرض أو قصر النظر، كمحل للنقاش والموازنة، أفعلها على أساس المصالح فقط وبالمنطق السليم، بين تهديد إيران المزعوم وتهديد “إسرائيل المعلن من حيث مشروعيهما..
 فمشروع الكيان المكتوب في كتابهم والمصرح به علناً من قبل زعمائهم التاريخيين والحاليين من سياسيين ومتدينين هو ليس مجرد ابتلاع فلسطين ولا الوطن العربي ما بين النيل الفرات بدوله، بل إنه مشروع لا يحتمل وجودا للإسلام ويستهدفه من جذوره، والإسلام عندهم ليس فيه مذاهب. فمشروع الكيان قائم على العقيدتين السياسية والدينية مهما طال الزمن، ولا يتأثر تحقيقه بالتطبيع ولا بالركوع ولا بالتعاون معه مهما بلغ عمق هذا التعاون.
أما المشروع الإيراني في المنطقة فكان ابتداء قائما على تصدير الثورة ودعونا نعتبره جدلاً مشروع تشييع وهيمنة على المنطقة التي يستهدفها الكيان بمشروعه دون اعتبار لتكذيب إيران له. فالنقطة الهامة هنا أن المشروع الإيراني في المنطقة ليس قائما كما للكيان الصهيوني على عقيدة دينية أو سياسية بل قائما على ضعف الدول العربية وهشاشتها فرادى وجماعة، وعلى استسلام أنظمتها للأمرو صهيوني. بمعنى لو كانت الدول العربية قوية عسكريا فلن يكون هناك أطماع إيرانيه أو تركية. بينما الأطماع الصهيونية هي مسألة مبدأ عقدي ما زال مستمراً منذ آلاف السنين وللآن رغم صداقة وتعاون عرب المنطقة مع الكيان ً.
دعونا ونحن نعلن موقفنا من هذه هذه المقارنة أن نتذكر بأن الحروب وخاصة الفاصلة منها تنتهي بمنتصر ومهزوم كالتي نشهدها بين إيران والكيان، فالحياد في هذه الحرب هو بمثابة موقف لا مبال ومستهتر بحرب هي وجودية للكيان ومشروعه في بلادنا كما وضحته في أعلاه، بينما هي لإيران حربُ وجود سيادي إن خسرتها فلن تزول من وطنها الشرق أوسطي وستنهض، لكن خسارتها بالنسبة لنا تفتح الأبواب على وسعها لتحقيق العدو مشروعه فينا ونحن راكعين. فأن مصلحتكم يا عرب ؟ الجواب في ضوء ما سلف وفي كل المعايير باستثناء معيار الخيانة لا يُمكن أن تكون إلا بالإصطفاف مع إيران والتعاون معها لتبقى صامدة بوجه هذا الكيان ومشروعه.
فكرة المقال الثانية
وأخيراً إلى أين تسير هذه الحرب. أبني هنا على مقالي السابق، وأقول أن إيران عندما استوعبت زخم ضربة الصدمة والترويع الأولى وأفشلت أهداف العدو انتقلت سريعاً إلى أخذ زمام المبادرة وإلى الحرب الهجومية وجعلت ترامب والكيان بعد فشلهم الاستراتيجي في تغيير النظام أو كسر إرادة الإيرانيين يخوضون حربا دفاعية أو هجومية بلا هدف. والآن إيران هي صاحب الكلمة في نهايات الحرب، وما كان للعدو أن يبدأ البحث عن مخرج لوقف النار قبل اللجوء إلى ضربات غير تقليدية وأهداف غير عسكرية لتغيير شروط اتفاق وقف النا ر، وقد فعلوا هذا بتجربة استهداف البنية التحتية للطاقة في بارس، ولكن إيران بردها الحاسم على أهداف من ذات النوع، دخلت الحرب مرحلة جديدة بجر أوروبا والعالم إليها مرغمين بسوط الطاقة. إلا أن لعبة الطاقة تهون أمام لعبة المفاعلات النووية، ذلك أن ديمونة مرمى العصا الإيرانية، فالنفط والنووي وحتى المياه العذبة لعبة إيران التي تخوض حربا وجودية لا خطوط حمراء فيها.
فأوروبا والعالم اليوم يقف مدهوشاً وحائراً أمام صمود وأداء إيران وعجز أمريكا والكيان. وأصبح الجميع معنيا بمصير حرب تُبشر بطولها وبتداعياتها القاتلة وبإيران تتحكم بمقودها، وبالصين المدرك بأن سقوط إيران بيد أمريكا خط أحمر في ميزان مصالحا وقوتها. هذه العناصر من المفترض أن تشكل كوابح لأمريكا والكيان، وأي تصعيد مُضاف ضد إيران من أي جهة أو تنفيذ ترامب لتوعده البارحة عبثيته قد تؤدي لنهاية العالم. ولذلك كله فإن نزوع أوروبا والعالم لوقف الحرب والعودة للتفاوض بمرجعية عاقلة مع دولة ليست سهلة هو خيار مرجح من اثنين لأن ثالثهما حرب ثالثة فهل يستمع ترامب؟ على أن العودة للتفاوض لا تكون ولا تتم إلا بشروط إيران العادلة. آخذين بالإعتبار هنا أن كلفة مغامرة ترامب الفاشلة ستكون قاسية على أيدي النخب السياسية والفكرية الأمريكية، وهذا عامل شد عكسي يجعله مستمراً في الحرب..
كاتب عربي اردني