بقلم: عمرو حمزاوي
اندلاع الحرب على إيران وما رافقها من تصعيد غير مسبوق بين طهران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى لا يقتصر تأثيره على الخليج أو على موازين القوة الإقليمية، بل يمتد بشكل مباشر وغير مباشر إلى الساحة الفلسطينية، وخاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة. ذلك أن الصراع بين إيران وإسرائيل لم يكن يوما منفصلا عن القضية الفلسطينية، بل ظل لعقود متشابكا معها عبر شبكة من التحالفات الإقليمية والدعم العسكري والسياسي الذي قدمته طهران لفصائل المقاومة الفلسطينية، وعبر إدراك إسرائيل أن المواجهة مع إيران تعني في الوقت ذاته محاولة تحييد أو إضعاف أذرعها الإقليمية. ومن ثم فإن الحرب على إيران تحمل في طياتها انعكاسات عميقة على موازين القوة والخيارات السياسية والأمنية في الأراضي الفلسطينية.
أول هذه الانعكاسات يتعلق بتغير أولويات إسرائيل العسكرية والأمنية. فحين تنخرط إسرائيل في مواجهة واسعة مع إيران، سواء بشكل مباشر أو عبر عمليات عسكرية متبادلة، فإن جزءا كبيرا من قدراتها العسكرية والاستخباراتية يُعاد توجيهه نحو الجبهة الإيرانية. هذا لا يعني بالضرورة تخفيف الضغط العسكري على الضفة الغربية وقطاع غزة، لكنه قد يؤدي إلى إعادة ترتيب الأولويات التكتيكية. ففي بعض اللحظات قد تميل إسرائيل إلى تقليل الانخراط في عمليات واسعة في الأراضي الفلسطينية لتجنب فتح جبهات متعددة في الوقت ذاته، بينما في لحظات أخرى قد تسعى إلى العكس تماما، أي توجيه ضربات استباقية للفصائل الفلسطينية بهدف منعها من استغلال انشغال الجيش الإسرائيلي بالحرب مع إيران.
أما في قطاع غزة، فإن التأثير الأكثر مباشرة يتعلق بمستقبل الدعم الإيراني للفصائل المسلحة، وعلى رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي. فقد لعبت إيران خلال العقدين الماضيين دورا مهما في تقديم الدعم المالي والعسكري والتقني لبعض الفصائل في غزة، سواء عبر نقل الخبرات في تصنيع الصواريخ أو عبر شبكات الدعم الإقليمي. وإذا أدت الحرب إلى إضعاف القدرات الإيرانية أو إلى انشغال طهران بأولوياتها الدفاعية المباشرة، فإن ذلك قد ينعكس على حجم ونوعية الدعم الذي يصل إلى غزة. وفي هذه الحالة قد تجد الفصائل نفسها أمام واقع أكثر صعوبة من حيث القدرة على إعادة التسلح أو تطوير قدراتها العسكرية.
لكن الاحتمال المقابل لا يقل أهمية، وهو أن تدفع الحرب إيران إلى محاولة توسيع نطاق المواجهة عبر تفعيل حلفائها الإقليميين. ففي منطق الصراعات الإقليمية، قد ترى طهران أن فتح جبهات ضغط إضافية على إسرائيل يشكل وسيلة لردعها أو لاستنزاف قدراتها. وفي مثل هذا السيناريو قد تشهد غزة تصعيدا عسكريا جديدا، سواء عبر إطلاق الصواريخ أو عبر جولات قتال محدودة، بهدف إظهار أن الحرب مع إيران لن تبقى محصورة في جبهة واحدة. غير أن هذا السيناريو يعتمد بدرجة كبيرة على حسابات الفصائل الفلسطينية نفسها، وعلى تقديرها لمخاطر الانخراط في مواجهة واسعة مع إسرائيل في لحظة إقليمية شديدة التعقيد وآخذا في الاعتبار التوغل العسكري الإسرائيلي في لبنان والاحتمالات المتصاعدة للعمليات البرية في مواجهة حزب الله.
في الضفة الغربية تبدو الصورة مختلفة ولكنها لا تقل تعقيدا. فالضفة تعيش منذ سنوات حالة من التوتر المتصاعد، مع تزايد عمليات الجيش الإسرائيلي وتوسع الاستيطان وتراجع قدرة السلطة الفلسطينية على فرض الاستقرار الأمني. وفي مثل هذا السياق يمكن للحرب على إيران أن تؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار. فإسرائيل قد تنظر إلى الضفة باعتبارها ساحة يجب السيطرة عليها بشكل أكثر إحكاما لمنع اندلاع انتفاضة جديدة في وقت تنخرط فيه في صراع إقليمي واسع. وهذا قد يعني تكثيف العمليات العسكرية والاعتقالات وتشديد القيود على الحركة، وهو ما قد يزيد بدوره من مستويات الاحتقان داخل المجتمع الفلسطيني.
إلى جانب ذلك، قد تؤدي الحرب الإقليمية إلى تقليص الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية. ففي اللحظات التي تهيمن فيها أزمة كبرى مثل الحرب مع إيران على جدول الأعمال الدولي، تميل القوى الكبرى ووسائل الإعلام العالمية إلى تركيز اهتمامها على مسار الصراع الرئيسي. وفي هذه الحالة قد تتراجع الضغوط الدولية على إسرائيل فيما يتعلق بسياساتها في الضفة الغربية وغزة، وهو ما قد يمنح الحكومة الإسرائيلية هامشا أوسع للتحرك دون خشية من ردود فعل دولية قوية.
غير أن هذا التراجع المحتمل في الاهتمام الدولي قد يقابله عامل آخر يتمثل في تصاعد الغضب الشعبي في العالمين العربي والإسلامي. فالحرب في لبنان، خاصة إذا اقترنت بدمار واسع أو بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، قد تؤدي إلى موجة جديدة من التعبئة السياسية والشعبية ضد إسرائيل. وفي مثل هذا المناخ قد تستعيد القضية الفلسطينية قدرا من الزخم في الخطاب السياسي والإعلامي الإقليمي، وهو ما قد ينعكس على مواقف بعض الحكومات العربية وعلى طبيعة علاقاتها مع إسرائيل.
بالنسبة للسلطة الفلسطينية، تطرح الحرب على إيران تحديات إضافية تتعلق بموقعها السياسي في الإقليم. فالسلطة التي اعتمدت تاريخيا على مسار التفاوض وعلى الدعم الدولي قد تجد نفسها في بيئة إقليمية أكثر اضطرابا وأقل استعدادا لدعم الحلول الدبلوماسية. وإذا أدى الصراع الإقليمي إلى تراجع دور القوى الدولية الوسيطة أو إلى انشغالها بأزمات أخرى، فإن فرص استئناف أي عملية سلام جادة قد تصبح أكثر ضآلة. وفي هذه الحالة قد يتعمق الشعور داخل المجتمع الفلسطيني بأن الأفق السياسي مسدود، وهو ما قد يغذي بدوره توجهات أكثر راديكالية.
كما أن الحرب قد تؤثر على التوازنات الداخلية بين الفصائل الفلسطينية. فإذا نجحت إيران في الصمود في وجه الضربات العسكرية، فقد يُنظر إلى ذلك داخل بعض الأوساط الفلسطينية باعتباره دليلا على جدوى خيار المقاومة والتحالف مع القوى الإقليمية المناهضة لإسرائيل. أما إذا تعرضت إيران لضرر كبير أو لضعف واضح في قدراتها، فقد يثير ذلك تساؤلات داخل الفصائل المرتبطة بها حول مستقبل هذا التحالف وحول البدائل الممكنة.
وفي غزة تحديدا، قد تتأثر الأوضاع الإنسانية أيضا بتداعيات الحرب. فالمجتمع الدولي الذي يقدم مساعدات إنسانية كبيرة للقطاع قد يضطر إلى إعادة توجيه جزء من موارده نحو معالجة آثار الحرب الإقليمية الأوسع، سواء في الخليج أو في مناطق أخرى متأثرة بالصراع. وإذا تزامن ذلك مع تصعيد عسكري جديد في غزة، فإن الوضع الإنساني المتدهور أصلا قد يصبح أكثر صعوبة.
إضافة إلى ذلك، قد تؤدي الحرب إلى تعميق الانقسام الفلسطيني الداخلي. فالفصائل المختلفة قد تتبنى مواقف متباينة من الصراع مع إيران ومن طبيعة العلاقة معها. بعض القوى قد ترى في دعم إيران للمقاومة ركيزة استراتيجية يجب الحفاظ عليها، بينما قد تنظر قوى أخرى إلى الصراع الإقليمي باعتباره عبئا إضافيا على القضية الفلسطينية ومحاولة لربطها بحسابات إقليمية لا تخدم بالضرورة المصالح الوطنية الفلسطينية.
في المحصلة، فإن انعكاسات الحرب على إيران على الضفة الغربية وقطاع غزة ستكون متعددة الأبعاد، تتراوح بين التغيرات في الحسابات العسكرية الإسرائيلية، والتحولات في الدعم الإقليمي للفصائل الفلسطينية، والتداعيات السياسية والإنسانية الأوسع. وقد لا تظهر كل هذه التأثيرات دفعة واحدة، بل قد تتكشف تدريجيا مع تطور مسار الحرب ومع اتضاح نتائجها على ميزان القوى في الشرق الأوسط. لكن المؤكد أن القضية الفلسطينية، رغم كونها صراعا قائما بذاته، تظل شديدة التأثر بالتوازنات الإقليمية. وكلما دخل الشرق الأوسط مرحلة من الصراعات الكبرى، كما هو الحال في الحرب على إيران، فإن الضفة الغربية وقطاع غزة تتحولان مرة أخرى إلى ساحتين تتقاطع فيهما حسابات القوى الإقليمية والدولية، وتنعكس فيهما بصورة مباشرة تداعيات التحولات الأوسع في النظام الإقليمي.
٭ كاتب من مصر
القدس العربي

