بقلم: نظمية حجازي
منذ النكبة الأولى، ظل المخيم الفلسطيني شاهداً على جرح مفتوح لم يلتئم. المخيمات لم تكن يوماً خياراً، بل كانت محطة انتظار قسرية فرضها الاحتلال على آلاف العائلات التي اقتُلعت من قراها وبلداتها الأصلية. ومع مرور العقود، تحولت هذه المخيمات إلى فضاءات مكتظة بالحياة، لكنها ظلت تحمل في جدرانها وأزقتها ذاكرة البيت المفقود والقرية الغائبة. غير أن ما جرى في عام 2025 في مخيمات الشمال – طولكرم، نور شمس، وجنين – أعاد المشهد من جديد، وكأن التاريخ يصرّ على إعادة إنتاج المأساة، لكن هذه المرة وسط عالم أكثر قسوة وأقل اكتراثاً.
حين اقتحم الاحتلال هذه المخيمات وأجبر الناس على الخروج، لم يكن الأمر مجرد فقدان بيت أو غرفة أو جدار، بل كان اقتلاعاً جديداً لجماعة كاملة، تفكيكاً لنسيج اجتماعي تشكّل عبر عقود من التعايش داخل حدود ضيقة. آلاف العائلات وجدت نفسها فجأة بلا مأوى، متنقلة بين المدن والقرى، تبحث عن سقف يحميها وعن مكان يؤويها.
المشهد بدا وكأنه إعادة إنتاج للنكبة، لكن مع فارق أن الناس اليوم يعيشون في ظل انسداد سياسي كامل، حيث لا صوت يطالب بحق العودة، ولا منبر يجرؤ على رفع شعار الرجوع إلى الديار.
هذا التهجير الثاني خلق حالة من التشتت النفسي والاجتماعي، وأجبر الناس على التكيف القسري مع واقع جديد. لكن هذا التكيف ليس خياراً حراً، بل هو استسلام لظروف قاهرة، حيث لم يعد أحد يجرؤ على السؤال: "متى سنعود؟" لأن السؤال نفسه أصبح محاطاً بالخوف واليأس. الصمت الذي يخيّم على الناس ليس دليل رضا، بل انعكاس لعجز جماعي، إذ لم يعد هناك من يفتح ملف العودة أو يذكّر بأن المخيمات ليست أوطاناً بديلة، بل محطات انتظار مؤلمة.
غياب الصوت السياسي يزيد من عمق الأزمة. القيادة الفلسطينية والمؤسسات الدولية تتعامل مع القضية وكأنها أزمة إنسانية محضة، تُختزل في تقارير إغاثة وخدمات، بينما جوهر القضية – حق العودة – يُطمس عمداً . هذا التعامل يحوّل الناس إلى مجرد أرقام في سجلات النزوح، ويتركهم بلا سند سياسي أو أخلاقي. في المقابل، المجتمع الدولي يكتفي بالتصريحات المكررة، وكأن التهجير المتجدد لا يستحق أكثر من بيانات إدانة شكلية.
لكن الأثر الأعمق لهذا التهجير هو على الهوية والانتماء. المخيم كان دائماً رمزاً للهوية الفلسطينية، مكاناً يذكّر الأجيال بأن العودة حق لا يسقط. أما اليوم، فإن اقتلاع المخيمات مجدداً يهدد هذه الهوية بالتآكل، ويزرع في نفوس الأطفال أزمة انتماء عميقة، إذ يجدون أنفسهم بلا مكان يعرّفهم أو يربطهم بتاريخهم. هذا الجرح الجماعي يضاف إلى سلسلة طويلة من الانكسارات، لكنه في الوقت ذاته يذكّر بأن القضية لم تنتهِ، وأن العودة ما زالت حقاً ثابتاً مهما حاول البعض طمسها.
إن ما جرى في مخيمات الشمال سنة 2023 ليس مجرد حدث محلي، بل هو فصل جديد في رواية التهجير الفلسطيني. الناس اليوم يقفون أمام مفترق طرق: إما أن يُطوى هذا الفصل في صمت، أو أن يتحول إلى صرخة جديدة تعيد إحياء قضية العودة. فالتهجير الثاني لا يعني نهاية الحكاية، بل هو دليل على أن الاحتلال ما زال يصرّ على اقتلاع الفلسطيني من أرضه وذاكرته. لكن الحق لا يسقط بالتقادم، والمخيمات ليست أوطاناً بديلة، بل شواهد حيّة على أن العودة هي الحل الوحيد العادل.

