عادت أزمة الحدود البحرية بين الكويت والعراق إلى واجهة المشهد الخليجي، في فبراير 2026، بعد أن اعتبرت الدولة الخليجية أن بغداد أقدمت على خطوة أحادية لدى الأمم المتحدة تمس مناطق بحرية "ثابتة ومستقرة".
ترى الكويت أن المسألة ليست خلافاً فنياً عابراً، بل اختباراً جديداً لمدى التزام العراق بالترتيبات والمرجعيات التي تشكلت بعد 1991.
التصعيد جاء هذه المرة عبر "إيداع" عراقي لقوائم إحداثيات وخرائط بحرية بالأمم المتحدة، في 19 يناير 2026 ثم 9 فبراير 2026، وهو ما تقول الكويت إنه يفتح الباب عملياً لتغيير نطاقات بحرية حساسة ترتبط بالملاحة في خور عبد الله وبمحيط مناطق ضحلة مثل "فيشت العيج" ومناطق أخرى متداولة في السجال الثنائي منذ سنوات.
وفي حين ردت بغداد بأن ما قامت به إجراء سيادي يستند إلى قوانين وطنية وإلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982، ركزت الكويت على أن أي معالجة يجب أن تمر عبر التفاهمات القائمة والحوار، لا عبر تثبيت خرائط جديدة ثم مطالبة الطرف الآخر بالتفاوض بعد فرض أمر واقع.
تسلسل التصعيد في 2026
في 19 يناير 2026، أودعت وزارة الخارجية العراقية لدى الأمم المتحدة قائمة أولى تتضمن إحداثيات ومحددات للمجالات البحرية، بحسب ما ظهر في الرواية الكويتية باعتباره توسعاً في توصيف بغداد لمياهها الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة.
لكن الكويت، وفق بيانٍ لها، رأت أن هذه الخطوة تلامس مناطق لم تكن موضع نزاع بهذا الشكل في الخطاب الرسمي.
عادت بغداد لإيداع قائمة ثانية، في 9 فبراير 2026، ما عزز لدى الكويت قناعة بأن الأمر ليس مجرد تحديث فني، بل مسار متدرج لتثبيت خطوط جديدة، وفي السرد الكويتي الخليجي يعد تكرار الإيداع خلال أقل من 3 أسابيع رسالة سياسية بقدر ما هو إجراء إداري.
والأمر دفع الكويت لاستدعاء القائم بالأعمال العراقي، في 21 فبراير 2026، وسلمته مذكرة احتجاج رسمية، معتبرة أن الخرائط والإحداثيات تمس سيادتها على مناطق بحرية، هذه الخطوة مثلت انتقالاً من متابعة الملف على مستوى الخبر إلى نقله رسمياً إلى خانة "اعتراض دبلوماسي" مكتوب.
بالتوازي تمسك العراق بأن الإيداع شأن سيادي، وأن تسوية أي تباين تكون عبر الحوار، في المقابل شددت الكويت على أن تثبيت الخرائط لدى الأمم المتحدة من طرف واحد يجعل الحوار لاحقاً أقرب إلى "تصحيح" لا إلى تفاوض متكافئ، وهو ما اعتبرته سبباً جوهرياً للاعتراض منذ البداية.
خور عبد الله
خور عبد الله ممر مائي مشترك في شمالي الخليج يفصل بين جزر كويتية مثل بوبيان ووربة وبين شبه جزيرة الفاو، ويقود إلى خور الزبير حيث ميناء "أم قصر" العراقي.
هذه الجغرافيا تجعل أي تغيير في توصيف الخطوط البحرية مؤثراً مباشرة على الملاحة، وعلى المسارات التي تستخدمها السفن التجارية والناقلات.
وحساسية الخور لدى الكويت ليست مرتبطة بالسيادة فقط، بل بتوازن الوصول إلى البحر، فهي ترى أن أي تمدد في توصيف الجانب العراقي للمجالات البحرية باتجاه الشرق يضغط على الممرات القريبة من الساحل الكويتي ويعيد إحياء هواجس "تقييد المنفذ" ولو بشكل غير معلن.
كما ترتبط حساسية الملف بمشاريع الموانئ في شمال الكويت، التي تعرضت سابقاً لاعتراضات عراقية بذريعة أنها تضيق مجال حركة السفن، حيث تقول إن مشاريعها داخل نطاقها السيادي، وإن الاعتراضات العراقية استخدمت تاريخياً كرافعة سياسية داخلية، ثم عادت اليوم بلبوس خرائط وإيداعات.
وتظهر "فيشت العيج" في السجالات بوصفها نقطة اشتباك رمزية، حيث تقول الكويت إنها ضمن مياهها الإقليمية، بينما يرى العراق أنها تقع في مساحة بحرية لم تستكمل ترتيباتها بالكامل، وهذه النقطة تتحول في كل أزمة إلى عنوان مختصر لصراع أطول حول تعريف الحدود البحرية وتوصيفها.
الجذور التاريخية
في الرواية الكويتية الخليجية، فإن أي نزاع حدودي مع العراق لا يقرأ بمعزل عن تاريخ طويل بدأ مع استقلال الكويت في 1961، حين رفض الرئيس الراحل عبد الكريم قاسم الاعتراف باستقلالها، واعتبرها "جزءاً من العراق"، هذه الحادثة تستخدم اليوم كمرجع أول لفكرة أن المشكلة مع بغداد ليست جديدة.
ثم تبرز محطات مثل حادثة 1973 في الصامتة، حين حصل توتر عسكري وانسحاب لاحق، كدليل على أن الحدود كانت دائماً ملفاً قابلاً للتسييس، وفي السرد الكويتي يتكرر نموذج "الضغط ثم التراجع" مع كل مرحلة داخلية عراقية حساسة.
وتبقى محطة 1990 نقطة مركزية، حين غزا نظام صدام حسين الكويت، ما أدى إلى تدخل دولي وحرب 1991 وما تلاها من ترتيب أممي لملف الحدود، حيث توضع هذه النقطة كحاجز تاريخي يفترض أنه أنهى جدل الاعتراف والحدود إلى غير رجعة.
وفي 2026، تعود هذه الخلفية إلى الواجهة لأن الكويت ترى في الإيداع العراقي محاولة لإعادة فتح ملف أغلق بعد 1991، فقد استخدمت لغة حادة مثل "انتهاك" و"مساس بالسيادة"، واعتبرت أن أي تراجع عن مرجعيات ما بعد التحرير يعني العودة إلى مربعات خطرة في الذاكرة السياسية الخليجية.
ما بعد 1991 و"العلامة 162"
بعد 1991، تشكل مسار أممي لترسيم الحدود بين الكويت والعراق، وتقول الأولى إن قرار مجلس الأمن 833 لعام 1993 ثبت الحدود التي رسمتها لجنة ترسيم الحدود، وحدد خط الحدود حتى النقطة المعروفة بـ"العلامة 162" التي تقع في منتصف خور عبد الله.
وتؤكد الكويت أن هذا الترسيم ملزم دولياً، وأنه وضع إطاراً قانونياً نهائياً للعلاقة الحدودية، بما في ذلك تنظيم مساحات الخور وتقاسم ممراته بما يمنع احتكار طرف واحد للملاحة، وتعتبر أن أي توصيف جديد للمجالات البحرية يجب ألا يتعارض مع هذا الإطار.
في المقابل تقول بغداد إن الأمم المتحدة رسمت الحدود البرية، لكنها لم تنجز ترسيم الحدود البحرية بكامل الامتداد الذي يبلغ 216 كيلومتراً، وإن الجزء البحري بقي بحاجة لترتيبات بين الدولتين بعد "العلامة 162".
ويظهر جوهر أزمة 2026 أن الكويت تتعامل مع الإيداع العراقي على أنه تعديل عملي لنتائج مسار أممي، بينما يعامله العراق كخطوة لتحديد مجالات بحرية ضمن مساحة يقول إنها لم تحسم بالكامل.
اتفاقية 2012 وحكم 2023
وقعت الكويت والعراق في 2012 اتفاقية لتنظيم الملاحة في خور عبد الله، ونصت على التعاون في تنظيم المرور البحري والمحافظة على البيئة البحرية في الممر الملاحي، واعتبرت الدولة الخليجية هذه الاتفاقية دليلاً على وجود مسار تفاهم عملي يمكن البناء عليه دون إعادة فتح ملف السيادة.
في نوفمبر 2013، صدقت الحكومة العراقية على الاتفاقية، ما اعتبرته الكويت تثبيتاً قانونياً لمبدأ التعاون في الخور، لكن الملف عاد للاشتعال لاحقاً عندما دخلت السياسة الداخلية العراقية على الخط، وبدأ الجدل حول آلية التصديق على المعاهدات داخل البرلمان.
وقضت المحكمة الاتحادية العليا في العراق، في 2023، ببطلان قانون التصديق على اتفاقية خور عبد الله، معتبرة أن المصادقة على المعاهدات الدولية يجب أن تتم بقانون يقره ثلثا أعضاء مجلس النواب.
وفي 2026، استحضرت الكويت حكم 2023 باعتباره أحد مفاتيح التصعيد الحالي؛ لأن بغداد بعد الحكم باتت أكثر ميلاً لطرح الملف بوصفه قابلاً لإعادة الترتيب، بينما ترى الكويت أن الحكم لا يمنح العراق حق تثبيت خرائط جديدة لدى الأمم المتحدة تمس وضعاً قائماً دون تفاهم ثنائي مسبق.

