2026-03-07 11:13 ص

من أوسلو إلى غزة: سردية التفكك الداخلي

2026-02-20

بقلم: نبهان خريشه
 من الصعب فهم اللحظة الفلسطينية الراهنة، بكل ما تحمله من تشظٍ سياسي وانسداد أفق ودمار غير مسبوق في قطاع غزة، دون العودة إلى البدايات الأولى لتأسيس السلطة الفلسطينية عقب اتفاق أوسلو. فالأزمة التي تبدو اليوم في ذروتها ليست وليدة السنوات الأخيرة، ولا نتاج صراع فصائلي عابر، بل هي أزمة بنيوية ضربت جذورها في التربة السياسية منذ اللحظة الأولى لنشوء الكيان الإداري - السياسي الذي عرف بالسلطة. لقد تشكلت هذه السلطة في سياق دولي وإقليمي معقد، وكانت محكومة بشروط الدعم الغربي والإسرائيلي، ماليا ودبلوماسيا وأمنيا، ما جعل بنيتها الأولى رهينة لمنظومة مصالح خارجية أكثر من كونها نتاج توافق وطني داخلي جامع.

منذ الأيام الأولى، جرى التركيز الغربي والإسرائيلي على حركة فتح بوصفها الشريك الأوثق في العملية السياسية، ما أدى عمليا إلى تكريسها حزبا حاكما أوحد، حتى وإن لم يعلن ذلك رسميا. هذا التركيز لم يكن دعماً سياسياً فحسب، بل كان دعماً ماليا ضخما وتسهيلات دبلوماسية، مقابل التزام واضح بمسار تفاوضي محدد وسقف سياسي لا يتجاوزه. وهكذا تكرس نمط من الحكم أقرب إلى الحزب المهيمن منه إلى التعددية السياسية، ما أسس لاختلال عميق في التوازن الداخلي للنظام الناشئ.
في المقابل، تم تهميش القوى السياسية الأخرى، وعلى رأسها فصائل اليسار الفلسطيني، التي عانت أصلا من غياب برامج سياسية واجتماعية واقتصادية متجددة تتناسب مع تحولات المرحلة. عوضا عن أن تعيد هذه القوى صياغة خطابها وأدواتها التنظيمية بما يتلاءم مع واقع السلطة الناشئة، انجرفت تدريجيا نحو الهامش، وغادر كثير من كوادرها القيادية الوسيطة والميدانية إلى فضاءات منظمات المجتمع المدني، حيث بدا النشاط أقل كلفة سياسياً وأكثر استقرارا ماديا. بذلك فقد اليسار أحد أهم عناصر قوته: حضوره الميداني بين الناس، وتحول من فاعل سياسي إلى صوت نقدي معزول نسبياً، غير قادر على التأثير في بنية القرار.
أما داخل حركة فتح نفسها، فقد بدأت عملية تهميش من نوع آخر، أكثر خطورة. القيادات الميدانية والشعبية التي راكمت شرعيتها في سنوات الانتفاضة والعمل التنظيمي اليومي وجدت نفسها تدريجيا خارج دوائر القرار. ومع انتقال عدد كبير من هذه القيادات إلى وظائف عليا في أجهزة السلطة الحكومية والأمنية، نشأت فجوة بينهم وبين القواعد الشعبية. الابتعاد عن هموم الناس اليومية، والارتباط بمصالح وظيفية ومواقع بيروقراطية، خلق شعورا واسعا بعدم الرضا، ليس فقط تجاه السلطة ككيان، بل تجاه فتح كحركة تحرر وطني تحولت في نظر كثيرين إلى جهاز إداري حاكم.
ومع مرور الوقت، ترسخت لدى قطاعات واسعة من الجمهور قناعة بأن قيادة فتح الحاكمة، ومن تم تجنيدهم من خارج أطرها التاريخية للمشاركة في الحكم، استأثروا بتمثيل الوطن واحتكروا القرار السياسي. لم يعد الحديث عن الشراكة الوطنية سوى شعار، بينما الواقع الفعلي يشير إلى مركزية مفرطة في اتخاذ القرار، وإقصاء ممنهج لكل من لا يدور في فلك الحلقة الضيقة للحكم. في هذا المناخ، ازدهرت مظاهر الفساد والمحسوبية، وباتت قصص الامتيازات والتعيينات غير المستحقة جزءاً من الحديث الشعبي اليومي، ما أضعف الثقة بالمؤسسات وأفقدها الكثير من مشروعيتها الأخلاقية.
في الأثناء، كانت حركة حماس، المنبثقة عن جماعة الإخوان المسلمين، تعيد تنظيم صفوفها داخلياً، وتزيد من مسافة الابتعاد عن النظام السياسي القائم. استفادت من أخطاء السلطة، وقدمت نفسها بديلا أخلاقيا وسياسيا، رافعة شعار "الحكم لله" ومؤكدة أنها تمثل المشروع الإسلامي المقاوم في مواجهة "تسوية" لم ولن تجلب للفلسطينيين دولة ولا سيادة. هذا التموضع منحها زخماً شعبيا، خصوصا في ظل تعثر المفاوضات وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وكانت انتخابات 2006 لتكشف عمق التحولات في المزاج الشعبي. فوز حماس الكاسح في الانتخابات التشريعية لم يكن مجرد تبدل في موازين القوى السياسية، بل كان تعبيراً عن غضب شعبي من أداء السلطة واحتكارها. غير أن النظام السياسي لم يكن مهيأً لاستيعاب هذا التحول. رفضت قيادة السلطة المطالب الغربية بالانقلاب على نتائج الانتخابات، لكنها في الوقت نفسه لم تخلق آلية فعلية لتقاسم السلطة. تشكلت حكومة برئاسة حماس، فأصبحت بمثابة "الرأس" الذي يصدر القرارات، بينما بقي "الجسد" الإداري والأمني ممثلا بفتح. وعندما يصدر الرأس الأوامر ولا يستجيب الجسد تدخل المنظومة بأكملها في شلل خطير.
بلغت الأزمة ذروتها مع سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007، وطرد فتح منه، في ما اعتبر انقلابا أنهى عمليا وحدة النظام السياسي والجغرافي الفلسطيني. رفض رئيس السلطة آنذاك مواجهة حماس بالسلاح، ما فتح الباب أمام واقع جديد: كيانان سياسيان، أحدهما في الضفة الغربية تحت إدارة السلطة، والآخر في غزة تحت حكم حماس. كان من الممكن، بحسب بعض التقديرات، أن تؤدي مواجهة مبكرة وحاسمة إلى منع الانقسام، لكن كلفة الحرب الأهلية المحتملة كانت بدورها باهظة. في كل الأحوال، النتيجة كانت انقساماً لا يزال قائماً حتى اليوم، رغم عشرات المبادرات لإحتوائه.
هذا الانقسام الجغرافي والسياسي أضعف الموقف الفلسطيني إلى حد غير مسبوق. إسرائيل، التي كانت تتفاوض مع السلطة على أساس حل الدولتين، أغلقت تدريجيا باب المفاوضات الثنائية، مستفيدة من الانقسام لتكريس وقائع جديدة على الأرض. توسع الاستيطان، وتآكلت فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، حتى بدا حل الدولتين أقرب إلى الشعار الدبلوماسي منه إلى مشروع قابل للتحقق.
ثم جاءت أحداث السابع من أكتوبر لتدخل القضية في منعطف جديد. الهجوم الذي شنته حماس على إسرائيل وما تلاه من حرب تدميرية على قطاع غزة، أعاد تشكيل المشهد برمته. الدمار الهائل وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، ووضع القطاع تحت ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، مع حضور أمريكي مباشر وسيطرة إسرائيلية على معظم مناطقه، عمق الأزمة البنيوية للنظام الفلسطيني. لم تعد المسألة مجرد انقسام داخلي، بل أصبحت أزمة وجود سياسي برمته: من يمثل الفلسطينيين؟ وبأي برنامج؟ وتحت أي سقف دولي؟
واليوم، تبدو السلطة الفلسطينية في أضعف حالاتها: فاقدة لجزء كبير من شرعيتها الشعبية، محاصرة مالياً وسياسياً، ومجردة من أفق تفاوضي حقيقي. في المقابل، تواجه حماس عزلة دولية وضغوطا غير مسبوقة، فيما يعيش الفلسطينيون بين نظامين سياسيين متخاصمين، لكل منهما منطقه وحساباته، لكن كليهما عاجز عن تقديم رؤية جامعة للمستقبل.
الأزمة البنيوية في جوهرها ليست فقط أزمة أشخاص أو فصائل، بل أزمة نموذج حكم تشكل في ظروف استثنائية، ولم يُخضع لمراجعة عميقة رغم التحولات الهائلة. إنها أزمة احتكار وتمثيل، أزمة فساد وفجوة ثقة، أزمة انقسام جغرافي وسياسي، وأزمة مشروع وطني فقد بوصلته بين المقاومة والتسوية. ما لم تُفتح نقاشات جدية حول إعادة بناء النظام السياسي على أسس شراكة حقيقية، وفصل واضح بين الحزب والسلطة، ومحاسبة فعلية للفساد، وتجديد الشرعيات عبر انتخابات شاملة، فإن ما نشهده اليوم قد لا يكون ذروة الأزمة، بل مجرد محطة في مسار أطول من التفكك.
إن استعادة الوحدة ليست مجرد شعار عاطفي، بل شرط وجودي لإعادة تعريف المشروع الوطني. فبدون نظام سياسي جامع، يعكس تعددية المجتمع الفلسطيني ويستمد شرعيته من إرادة الناس لا من الدعم الخارجي، ستبقى السلطة أسيرة أزمتها البنيوية، وستبقى القضية عرضة لإعادة التشكل وفق إرادات الآخرين.