2026-03-07 05:24 م

انتخابات الهيئات المحلية: توافقات عائلية أم تنافس على الرؤى

2026-02-17

بقلم: طاهر تيسير المصري

 ليست المسألة في مواد القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025 بشأن انتخاب مجالس الهيئات المحلية، ولا في تفاصيل التحضيرات لهذه الانتخابات، ولا في موعدها، ولا في مدى نزاهتها، ولا في عدد القوائم المتقدمة، بل في سؤال جوهري مُلخصه هل ما يجري هو فعل ديمقراطي حقيقي، أم طقس شكلي يعاد إنتاجه لإضفاء شرعية على ترتيبات مسبقة؟. ما تشهده التحضيرات لانتخابات الهيئات المحلية في القرى والبلدات والمدن يؤشر نحو مسار مقلق لإفراغ العملية الانتخابية من مضمونها، وتحويلها من منافسة برامج ورؤى إلى تفاهمات مغلقة تدار خارج المجال العام.

يتعمق هذا المسار عبر التوجه إلى عقد اتفاقات بين العائلات لتزكية قوائم توافقية في الهيئات المحلية، بحيث تختار كل عائلة ممثليها وفقا لوزنها السكاني أو نفوذها الاقتصادي أو سلطتها الاجتماعية، بديلا عن انتخابات تنافسية تتيح للمواطنين المفاضلة بين برامج سياسية واجتماعية واضحة. هكذا يُختزل التجمع السكاني إلى حصص، وتُختزل المواطنة إلى انتماء عائلي، ويُختزل الحق في الترشح إلى موافقة مسبقة من العائلة.
هذا النمط لا يُعد مجرد تكتيك انتخابي؛ بل هو تراجع لا بل رِدة عن المسار التاريخي المأمول للحياة السياسية الفلسطينية. فعلى مدار أكثر من قرن، نشأت أحزاب وقوى اجتماعية خاضت صراعا سياسيا وفكريا واجتماعيا لتكريس مفاهيم التمثيل والبرنامج والاختيار العام. وعلى امتداد عقود من العمل الوطني، ترسخت فكرة الشأن العام بوصفه شأنا سياسيا لا عائليا، ومجالا للمنافسة بين رؤى لا بين أنساب وامتدادات عائلية وعشائرية. ومع قيام السلطة الفلسطينية، أُعلن الالتزام بمبدأ سيادة القانون والمساواة أمامه، بوصفهما ركيزتين لأي نظام ديمقراطي حديث.
اليوم، يجري الالتفاف على هذا الإرث. فبدلا من أن تكون الانتخابات مناسبة لتعزيز الثقافة المدنية، تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج العصبيات القِبلية. وبدلا من أن يتربى المواطن على الاختيار الحر والمساءلة، يُدفع إلى الامتثال لمنطق "التوافق" الذي يُملى عليه باسم الحفاظ على السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي. والنتيجة ليست فقط إضعافا للتنافس السياسي، بل إعادة تشكيل الوعي العام على قاعدة أن النفوذ العائلي هو الطريق الأقصر إلى السلطة.
قد يُقال إن هذا الخيار لا يخالف نصا قانونيا صريحا، أو أنه يأتي في سياق اجتماعي خاص. لكن المسألة الأعمق ليست في النصوص وحدها، بل في جوهر الحق. حين يمارس ضغط اجتماعي يحول دون ترشح أفراد خارج الإرادة العائلية، أو يُختزل التمثيل في تفاهمات مغلقة، فإن مبدأ المساواة يتآكل عمليا، حتى لو بقي قائما شكليا. فالحق في الترشح لا يكون حقا فعليا إذا كان مشروطا برضا البنية التقليدية "العشيرة"، والحق في الاختيار لا يكون حقيقيا إذا لم يُتح للمواطنين بدائل وبرامج واضحة.
الأخطر من ذلك هو الدور الذي تلعبه القوى السياسية في هذا المشهد. فبدلا من أن تدافع عن الطابع البرامجي للانتخابات، تنخرط بعض هذه القوى، بما فيها قوى "يسارية" و"ديمقراطية"، صراحة أو ضمنا، في ترتيبات "التوافق العائلي"، لا بل تمجدها أحياناً وتعلنها على أنها نصر مُبجل. وهذا الفعل في احدى قراءاته يعبر عن ضعف وهشاشة هذه القوى على مستوى هياكلها الداخلية وأيضاً على مستوى حضورها الجماهيري.
غير أن التوقف عند هشاشة البنية الحزبية يفرض نقاشا أعمق، ولا سيما فيما يتعلق بالقوى التي طالما قدمت نفسها بوصفها الحارس التاريخي لفكرة العدالة الاجتماعية والديمقراطية التمثيلية. فالسؤال الآن لم يعد متعلقا فقط بضعف هذه القوى، بل بطبيعة هذا الضعف؛ أهو عجز موضوعي مرتبط بظروف سياسية خانقة؟ أم هو تكيف طويل الأمد مع واقع لم تعد هذه القوى راغبة و/أو قادرة على تغييره؟.
إن القوى اليسارية والديمقراطية، التي راكمت تاريخا نضاليا طويلا، تجد نفسها اليوم أمام مفارقة حادة، فهي الأكثر خطابا حول العدالة والمساواة، والأشد نقدا لهيمنة العصبيات والمال السياسي، لكنها في الممارسة تبدو الأقل قدرة على خوض مواجهة سياسية متكاملة دفاعا عن قواعد اللعبة الديمقراطية. بيانات صاخبة، مؤتمرات صحفية، تصريحات عالية النبرة، ثم غياب غير مفهوم عند لحظة الاختبار الفعلية.

حين قُدمت الطعون القانونية، بدا وكأن هناك إرادة سياسية لاستعادة النقاش إلى ساحته الدستورية، ولطرح سؤال الشرعية والعدالة الانتخابية على مستوى مؤسسي. غير أن التراجع المفاجئ عن متابعة هذا المسار، دون معركة قانونية مكتملة أو تعبئة شعبية موازية، ترك فراغا كبيرا في الوعي العام. فإذا لم يكن الهدف هو المضي حتى النهاية في الدفاع عن قانون عادل، فلماذا كل هذا الضجيج؟ وإذا لم تكن هناك نية لتحويل الاعتراض إلى فعل سياسي ضاغط، فما الذي كان يُراد تحقيقه؟.
قد يقال إن موازين القوى لا تسمح، وإن السقف السياسي محدود، وإن الاصطدام المباشر مكلف. لكن هذه الحجج، على وجاهتها الجزئية، لا تفسر التناقض بين ارتفاع سقف الخطاب وانخفاض سقف الفعل. السياسة ليست مجرد إعلان مواقف؛ هي قدرة على تحويل الموقف إلى مسار. وعندما تتكرر ظاهرة الاعتراض الذي لا يكتمل، والطعن الذي لا يُستكمل، والموقف الذي لا يُترجم إلى إجراء، فإن السؤال يصبح مشروعا حول صدقية الإرادة ذاتها.

ثمة احتمال آخر أكثر إزعاجا يتمثل في أن بعض هذه القوى لم تعد ترى في المعركة على قانون انتخابي عادل أولوية حقيقية، لأنها لا تمتلك أصلاً قاعدة اجتماعية واسعة تراهن عليها في انتخابات تنافسية. في بيئة يغلب عليها التصويت العائلي أو الاصطفاف التقليدي، قد تجد هذه القوى نفسها أضعف من أن تنافس فعليا، فتفضل تسويات جزئية تحفظ لها تمثيلا رمزيا أو مقعدا هنا وهناك، بدل خوض مواجهة قد تكشف حجم تراجعها الحقيقي. وهنا تتحول المعركة من دفاع عن مبدأ إلى إدارة خسارة محتملة.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل أزمة التجديد الداخلي، كثير من هذه القوى لم تُحدث بنيتها التنظيمية، ولم تطور خطابا قادرا على مخاطبة أجيال جديدة، ولم تستثمر في بناء قواعد شبابية فاعلة. وحين تغيب الحيوية التنظيمية، يصبح من الصعب تعبئة الشارع حول معركة قانونية أو سياسية معقدة. وهكذا يتقلص الفعل السياسي إلى دائرة ضيقة من القيادات، تتحرك ضمن هامش محسوب عادة ما يُحافظ به على مصالح شخصية ضيقة، وتعيد إنتاج نفسها داخل فضاء مغلق.
الأخطر أن هذا الضعف لا ينعكس فقط على توازنات الانتخابات، بل على مجمل الحياة السياسية. فحين تتراجع القوى التي يفترض أنها تمثل التيار النقدي والبديل الاجتماعي، يختل ميزان الرقابة والمساءلة. وتصبح السلطة، أياً كان موقعها، أقل تعرضا لضغط منظم، وأكثر قدرة على تمرير ترتيبات لا تجد من يواجهها مواجهة جدية. الديمقراطية لا تقاس فقط بوجود انتخابات، بل بوجود معارضة حقيقية قادرة على الدفاع عن قواعدها.

تجلى هذا العجز بوضوح في مسار الطعون القانونية المرتبطة بانتخابات الهيئات المحلية. فقد قدّمت طعون دستورية طالت القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025 بشأن انتخاب مجالس الهيئات المحلية، ثم جرى تركها بناءً على طلب مقدميها، دون توضيح سياسي مقنع للرأي العام، ودون متابعة جدية لمسار قضائي كان يمكن أن يفتح نقاشا دستوريا حول شروط الترشح وعدالة التمثيل. الأكثر دلالة أن من بادروا إلى الطعن لم يُظهروا لاحقا رغبة في تجديده أو الطعن بمواد أخرى محل جدل. هكذا أُغلقت نافذة مساءلة محتملة، وتحول الاعتراض من فعل مؤسسي إلى موقف أقل ما يقال عنه أنه موقف لا يحترم عقل المواطن.

من هنا، إذا لم تكن هذه القوى مستعدة لمواصلة نضالها من أجل قانون انتخابي عادل، ولم تكن راغبة في استكمال المسار القضائي أو السياسي الذي بدأته، فلماذا افتعلت كل ذلك الحراك الإعلامي؟ هل كان الهدف تسجيل موقف أخلاقي أمام جمهورها التقليدي؟ أم إعادة تلميع شخصيات سياسية أكل الدهر عليها وشرب؟ أم امتصاص غضب قواعد محدودة؟ أم تحسين شروط تفاوض في كواليس لا يراها الرأي العام؟
الإجابة، أياً كانت، تكشف أزمة أعمق من مجرد تراجع انتخابي. إنها أزمة ثقة بين الخطاب والممارسة، بين التاريخ والراهن، بين الادعاء بالدفاع عن الديمقراطية والاستعداد لتحمل كلفتها. فالنضال من أجل قانون عادل ليس بيانا يُقرأ في مؤتمر صحفي، بل مسارا يُخاض، وقد يطول، وقد يكلّف. أما الاكتفاء بإطلاق المواقف ثم الانسحاب عند أول منعطف، فيحول السياسة إلى أداء رمزي، ويترك الساحة مفتوحة أمام من يجيدون إدارة الوقائع على الأرض.
وهكذا، لا تعود المشكلة فقط في إفراغ الانتخابات من معناها، بل في غياب قوة سياسية تمتلك الإرادة والقدرة على استعادة هذا المعنى. في غياب هذه القوة، يصبح المشهد أكثر تعقيداً؛ انتخابات بلا تنافس حقيقي، اعتراض بلا استمرارية، وقوى سياسية تتآكل تدريجيا بين ذكرى الماضي ومتطلبات الحاضر. وعندها لا يبقى السؤال عن قانون انتخابي هنا أو هناك، بل عن مصير الحياة السياسية ذاتها: هل ستظل تدور في حلقة الترتيبات المغلقة، أم ستجد من يعيدها إلى جوهرها بوصفها صراعا علنيا على البرامج والرؤى والخيارات؟.