2026-03-07 12:36 م

خيارات «السلطة».. بعد «زلزال الضفة»

2026-02-17

بقلم: عريب الرنتاوي*
إسرائيل تمحو بقراراتها الأخيرة خرائط أوسلو «الوهمية»، تسقط بروتوكول الخليل ومعه القوانين الأردنية النافذة في الضفة، وتطلق العنان لغول الاستيطان، ليعيث فسادا في «المركز» وليس في «الأطراف» فحسب، تضع يدها بجرة قلم، على مساحات شاسعة من الأراضي والمواقع الأثرية والدينية، ومساقط المياه، بلا ضوابط، وتحيل كل فلسطيني إلى مشروع «بائع» وكل مستوطن إلى مشروع «مشترٍ» لأي عقار، أرضا كان أم وحدة سكنية، بلا حسيب ولا رقيب، فلا قانون سينظم هذه العملية سوى «قانون الاستيطان»، ولدينا ما يكفي من الأسباب للقول بأن ما بعد هذه القرارات، ليس كما قبلها:

أولا: لأنها تعني من ضمن ما تعني، أن إسرائيل تستشعر القدرة على إتمام «ابتلاع وهضم» نتائج حرب يونيو/‏‏ حزيران 1967. أرض الضفة الغربية، ومن قبلها القدس الشرقية، تستقر في معظمها في «معدة الاستيطان».

ثانيا: بعد أن «أعدمت» مسار أوسلو واتفاقاته وملحقاته (بروتوكول الخليل مؤخرا)، تعمد إسرائيل بقراراتها الأخيرة، إلى «دفنه»، تتويجا لمسار بدأ قبل ربع قرن من «طوفان الأقصى»، مع حكومة نتانياهو الأولى 1997.

ثالثا: بعد «نهب الأرض» و«تشريد الشعب»، إسرائيل تمضي قدما في «إعادة تعريف» وظائف السلطة الفلسطينية وأدوارها، وتسبق الفلسطينيين في هذا المضمار، وهم الذين ما انفكت نخبهم السياسية والفكرية تدعو لـ «إعادة التعريف» هذه.

رابعا: يعني ذلك، من ضمن ما يعني، أن لا مطرح لدولة فلسطينية مستقبلية، أو حتى قابلة للحياة، على الأرض المحتلة عام 1967، وأن «نهاية حل الدولتين رسميا، قد حلت، وأن المضي بالحديث عن هذا الحل، دون اقتران الأقوال بأفعال تجعله ممكنا، هو أكبر خدمة تقدم لنتنياهو، عن قصد أو من دونه، ما دام أن هذا الحديث يوفر لنظام الأبارتيد، الوقت الذي يحتاج لاستكمال مهمة النهب والتهجير والتقويض المنهجي المنظم للسلطة ومؤسساتها ووظائفها وأدوارها».

خامسا: ليست القرارات الإسرائيلية بحاجة لاجتهادات في التفسير والتحليل، فهي تشرح نفسها بنفسها، وما التبس منها، تتولى قيادات الاستيطان شرحه وتفسيره، من قائل إنه أهم قرار منذ احتلال 67 يصدر عن حكومة إسرائيلية، إلى قائل إنه "يوم بشهر في عمر مختلف حكومات اليمين، ويوم بسنة في عمر حكومات الوسط واليسار".. لا مطرح لفلسطين على الخريطة الانتدابية، وكلما ورد ذكرها على لسان مسؤول إسرائيلي، توضع بين "مزدوجين"، تماما مثلما كنا نفعل حين يؤتى على ذكر «إسرائيل».

ما العمل؟.. وبمَ نبدأ؟

هو زلزال تستحدثه حكومة نتانياهو يضرب الضفة بأعلى تدريجات «ريختر»، لا يمكن مواجهته بمواصلة اليوميات المعتادة للسلطة والفصائل والقوى الوطنية والشعب الفلسطيني (أهل الضفة أساسا)، ويتعين مقابلته بـ «زلزال» آخر، سيكون فاعلا بحسم، إن كانت بؤرته (مركزه) في رام الله، و«المقاطعة» على وجه التحديد.

وتبدأ إرهاصات الزلزال المقابل، بخروج الرئيس عباس وقيادة فتح والسلطة والمنظمة، للقاء قادة فصائل العمل الوطني والإسلامي الفلسطينية، وعقد مؤتمر وطني فلسطيني جامع بمشاركة آلاف الشخصيات الوطنية الفلسطينية، من الداخل والخارج،

لا مطرح للمضي في الانتخابات، أقله لسنوات عديدة قادمة، فلا الوضع في غزة يسمح بذلك، ولا الوضع في الضفة الغربية ينبئ بالخير، والعودة لصيغ»التوافقات الوطنية«، مؤقتا وانتقاليا على أقل تقدير، يبدو خيارا اضطراريا.

ويتعين سحب القوانين «بمراسيم» المذلة التي جرى إقرارها مؤخرا، وإرجاء التوقيتات المضروبة لإنجاز استحقاقات، لم تكن مصممة أساسا لاستنقاذ الحالة الفلسطينية، بل لمزيد من التماهي مع مخرجات الحل الأميركي-الإسرائيلي للقضية الفلسطينية.

بدل الغرق في طوفان انتخابات مركبة: بلدية، تشريعية، مجلس وطني، رئاسية، أحسب أن الشعب الفلسطيني في المرحلة المقبلة، بحاجة لاثنتين منها: انتخابات بلدية في المحتل من الوطن، ومجلس وطني في الداخل والشتات، فلا جدوى من إجراء انتخابات رئاسية، فيما «الدولة» تحضر على الورق فقط، وفي الأروقة الأممية، أما على الأرض، فلا دولة ولا سلطة.

قبل الحديث عن «دمقرطة» النظام السياسي الفلسطيني، يتعين أن يكون هناك «نظام أولا»، لكي تجري «دمقرطته»، واليوم، يتعين أن تكون هناك «فلسطين أولا»، حتى يصبح ممكنا الحديث عن نظامها، وقبل القفز إلى الدولة والدستور، يتعين التفكير بأبجديات «مرحلة التحرر الوطني»، وما إذا كان الشعب الفلسطيني يقترب أم يبتعد عن إنجاز مهامها. ندرك أن مبادرة كهذه، لن تصدر عن رام الله، ولكن التذكير بعناوين مشروع الرد على «الزلزال» الإسرائيلي، ما زال في ظننا، يكتسب أهمية فائقة، فإن تعذرت الاستجابة وصحوة الضمير الوطني عند المتنفذين في مطبخ القرار الفلسطيني، فلا بأس أن تكون تلك مقدمات لبرنامج (مشروع) وطني، تحمل رايته طلائع الشعب وقواه الوطنية المناضلة، وإضاءة على طريق إعادة بعث وتجديد الحركة الوطنية الفلسطينية، وإعادة تعريف «المشروع الوطني الفلسطيني».

إن أخطر ما يواجه الشعب الفلسطيني وقضيته وكفاحه، هو أن تتحول مؤسساته وقيادته و«ممثله الشرعي» إلى أداة في لعبة إقليمية-دولية لتقطيع الوقت، الذي يبدو اليمين الفاشي بأمس الحاجة إليه لاستكمال مشروع نهب الأرض وتشريد سكانها وأصحابها، وغالبا تحت شعارات زائفة ومضللة، ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها فيه الخراب.

إنها الفرصة المتبقية لقرع «جدران الخزان»، وطرقها بقوة، قبل أن تلفظ قضية فلسطين، أنفاسها الأخيرة، احترارا واختناقا، وقبل أن تنفد من بين يدي أهلها، عناصر القوة والاقتدار التي ما زالت بحوزتهم.

*كاتب سياسي اردني