2026-03-07 10:56 ص

مشروع الدستور ومشروعية الاعداد

2026-02-10

بقلم: د. حسن سليم
 يشكل مشروع الدستور المطروح محطة مفصلية في المسار السياسي والقانوني في الشارع الفلسطيني، لما يحمله من أثر مباشر على شكل النظام السياسي وطبيعة العلاقة بين السلطة والمواطن، وهذا ما كان سبباً في اثارة الجدل على نحو واسع في مختلف الأوساط السياسية والقانونية والشعبية، ارتباطاً بأهمية الدستور بوصفه عقداً اجتماعياً لا مجرد وثيقة تشريعية.

ولما كان للدستور هذه الأهمية وذاك الارتباط العضوي بإرادة المجتمع، فإن من المتعيّن أن يتم إعداده وإقراره في سياق وطني جامع يرتقي إلى مستوى هذه المكانة، يقوم على الحوار العام والمشاركة الشعبية الواسعة، ويكفل توافقاً وطنياً حقيقياً، ويحول دون تحويل الدستور إلى أداة لتكريس واقع سياسي قائم أو فرض رؤية أحادية على مستقبل النظام السياسي، ضمن مسار دستوري منضبط يستوفي متطلبات الشرعية الإجرائية والموضوعية، ويحمي النص الدستوري من التوظيف السياسي الظرفي.
وفي نقاش مبررات الجدل، تظهر عديد العناوين التي تشكلت، واثير هنا فقط واحدة، والبقية تاتي في حينه، وتتمثل في مشروعية الإعداد:
إن أي دستور لا يكتسب شرعيته من سلامة صياغته القانونية أو من جودة نصوصه الفنية فحسب، بل من الجهة التي تتولى إعداده، ومن مستوى التمثيل الوطني والسياسي والاجتماعي في تشكيلها، باعتبار أن الدستور هو التعبير الأعلى عن الإرادة الشعبية والعقد الجامع الذي ينظم علاقة الحاكم بالمحكوم، ولذلك، فإن مشروعية الدستور تبدأ من مشروعية المسار الذي يؤدي إلى إعداده قبل أن تبدأ من مضمون نصوصه.
وبالتالي فان اول ما يُؤخذ على المشروع الحالي هو محدودية المشاركة المجتمعية والسياسية في عملية إعداده، إذ اقتصر العمل عليه على لجنة ذات طابع سياسي وقانوني تم تشكيلها بقرار إداري، دون أن تكون نتاج عملية انتخابية أو توافق وطني شامل، الأمر الذي أضعف من الطابع التمثيلي لعملية الصياغة، وحال دون انخراط القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات والجامعات وسائر مكونات المجتمع في مناقشة الأسس الدستورية للدولة المنشودة.
وفي هذا الإطار، تجدر التفرقة بوضوح بين توصيف ما تم إعداده بوصفه مسودة لمشروع دستور صاغتها لجنة فنية سياسية–قانونية، وبين مشروع دستور تعده هيئة تأسيسية منتخبة خصيصاً لهذا الغرض، تستمد شرعيتها من تفويض شعبي مباشر، وهذا ما جرى عليه العرف الدستوري في التجارب المقارنة، حيث لا تُكتب الدساتير من خلال لجان معيّنة بقرارات تنفيذية، بل عبر جمعيات أو هيئات تأسيسية منتخبة، أو من خلال مؤتمرات وطنية جامعة تضمن تمثيل مختلف التيارات السياسية والاجتماعية والفكرية، ولذلك فانه ولطبيعة تشكيل اللجنة التي قدمت مسودة المشروع، يجعل نتاج عملها  اقرب الى وثيقة استشارية اولية، لا الى مشروع دستور يخضع للاستفتاء، مع الاشارة الى ان ذلك لا ينتقص من الجهد الفني والقانوني الذي بذلته اللجنة.
وعليه، فإن الإشكالية  والجدل المثار لا ينبغي ان يتعلق فقط بمضمون مشروع الدستور، وإنما بالمنهج الذي تم اعتماده في إعداده، وما يجب ان يتم في اقراره، وذلك لسبب جوهري، وهو ان الدستور لا يمكن أن يكون نتاج إرادة سلطة قائمة تسعى إلى تنظيم نفسها بنفسها، بل يجب أن يكون ثمرة إرادة شعبية عامة تعلو على السلطات جميعاً، الامر الذي يوجب فتح المسودة المطروحة على نقاش وطني شامل، وإعادة إنتاجها من خلال هيئة منتخبة أو إطار وطني توافقي، بما يضمن أن يتحول النص من مشروع لجنة إلى مشروع شعب، ومن وثيقة فنية إلى عقد اجتماعي جامع،  من خلال إقراره عبر استفتاء شعبي حر ومباشر يضمن مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار التأسيسي.
وعطفا على ما سلف، فانه ينبغي التذكير إن مشروع الدستور لا يجب أن يكون موضع انقسام جديد، بل فرصة لإعادة بناء التوافق الوطني على أسس دستورية ديمقراطية، ويقتضي ذلك فتح حوار وطني شامل حول مضامينه، وإشراك القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والخبراء القانونيين، وصولاً إلى صيغة تعبر عن الإرادة العامة وتحظى بشرعية شعبية حقيقية، تتم ضمن مسار تشاركي ووطني جامع ليكون  الدستور تعبيراً عن الشعب لا عن السلطة.

* استاذ القانون الدستوري